اقتل كل ما يتحرك   
الخميس 10/2/1435 هـ - الموافق 12/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 17:03 (مكة المكرمة)، 14:03 (غرينتش)

عرض/ زياد منى
من المفيد بداية الإشارة إلى أن مؤلف هذا الكتاب صحفي أصدر عدة كتب ونال عدة جوائز مكافأة له على أعماله الصحفية الاستقصائية التي ظهرت في كبريات الجرائد الأميركية ومنها لوس أنجلوس تايمز وسان فرنسيسكو كرونيكل، إضافة إلى حصوله على منح أكاديمية عديدة، أي أن كتاباته الشجاعة هي التي منحته هذه المنزلة وهو بالتالي ليس باحثًا أو لاهثًا وراء شهرة على حساب دماء الأبرياء.

- العنوان: اقتل كل ما يتحرك.. الحرب الأميركية الحقيقية في فيتنام
- المؤلف: نيك ترس
- عدد الصفحات: 384
- الناشر: متروبوليتان بومس، نيويورك
- الطبعة: الأولى 2013

من الواضح أن شبح العدوان الأميركي على فيتنام وما سببه من آلام للضحايا والجناة في آن واحد دون المساواة بينهما، لا يزال يلاحق الأميركيين، وسيبقى كذلك لفترة طويلة، خصوصا بعدما خاضوا تجارب إضافية في كل من لبنان والصومال وأفغانستان والعراق، حيث المشهد لا يختلف كثيرا.

الكتاب يستعرض أفعال (ربما الأصح هو جرائم) القوات الأميركية إبان احتلالها غير الرسمي لذلك البلد.

الرواية الرسمية الأميركية تقول إن الحكومات الأميركية أرسلت قواتها هناك لنشر الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وهي نفس مسوغات مغامراتها العسكرية الدموية في كل من الدول الأخرى المشار إليها أعلاه، لكن المؤلف يهدي كتابه إلى كل شخص شاركنا في رواياته عن تجاربه، أي معاناته على يد القوات الأميركية هناك، وإلى أولئك الذين لم تسنح لهم بعد فرصة سرد معاناتهم التي تبقى شبه مجهولة إلى يومنا هذا.

عنوان الكتاب "اقتل كل ما يتحرك" مقتطع من أمر القائد الأميركي لقواته التي كانت تستعد لاقتحام قرية ماي لاي يوم 15 مايو/أيار 1968، ردا على سؤال أحد الجنود: هل علينا قتل النساء والأطفال؟

المؤلف خصص القسم الأكبر من مؤلفه الذي يحوي سبعة فصول إضافة إلى مقدمة عنوانها "عملية، وليست شذوذا" (أي أن تلك المجازر والفظاعات تمت بتخطيط القيادة الأميركية)، وخاتمة عن الأرواح الهائمة التي سنعود إليها لاحقا، للحديث في مختلف المجازر الفردية والجماعية التي ارتكبتها القوات الأميركية في فيتنام، وتوضيح أنها لم تكن تصرفات شخصية بما يشرح التغطية عليها، أو محاولة ذلك، ونجاة المجرمين والجناة من العقاب.

عنوان هذا الكتاب مقتبس من أمر قائد أميركي لقواته التي كانت تستعد لاقتحام قرية ماي لاي يوم 15 مايو/أيار 1968، ردا على سؤال أحد الجنود: هل علينا قتل النساء والأطفال؟ فكان الجواب: اقتل كل ما يتحرك
يضاف إلى ذلك صمت الصحافة الأميركية -التي تعد جزءا من المؤسسة الحاكمة- عن تلك الأعمال الشنيعة، بل والإجرامية.

في مجال استعراضه لتفاصيل مجزرة ماي لاي يقول الكاتب عن معاناة المدنيين في فيتنام، إن مداها المذهل يتبين من خلال استبعاد الرواية الرسمية التي تلقي بالمسؤولية على أفراد غير منضبطين.

فالمعاناة والجرائم شملت القتل المتعمد والتعذيب والاغتصاب والظلم وإعادة التوطين القسرية، وإحراق البيوت، والاعتقالات التعسفية والسجن دون محاكمة. هذه الأفعال المشينة -بحسب المؤلف- لم تكن انحرافات، وإنما ممارسات يومية طوال فترة الوجود الأميركي في فيتنام، تمت بأمر أعلى سلطة عسكرية أميركية.

المؤلف يذكّر بأنه من المعروف كون فيتنام منتجا رئيسيا للمطاط، وذلك كان أحد أسباب استعمار فرنسا للبلاد والذي انتهى بهزيمة مدوية عام 1954 في معركة ديان بيان فو التي قادها القائد العسكري الفيتنامي الأسطوري الجنرال جياب الذي رحل أخيرا عن عمر يناهز الثالثة بعد المائة.

الفرنسيون -وفق المؤلف- أطلقوا على المطاط اسم "الذهب الأبيض"، أما العمال الفيتناميون الذين كان عليهم تحمل كل معاناة العمل واستخراجه تحت أسوأ الظروف ومقابل أجر يومي أكثر من أن يكفي لموت الإنسان، وأقل من أن يبقيه على قيد الحياة، فيطلقون عليه صفة "الذهب الأحمر" المغسول بلون دماء العمال.

عمل المؤلف على جمع معلوماته من المحاربين الأميركيين القدامى الذين أفصحوا عما دار في صدورهم، ولم تقبل ضمائرهم أن يعيشوا مع صمت قياداتهم العسكرية، رغم أن الأخيرة أصدرت في كثير من الأحيان أوامر للجنود بالسكوت عما عايشوه ورأوه من فظائع تحت طائلة العقاب العسكري، إضافة إلى روايات الفيتناميين الناجين من تلك المذابح.

وفق كلمات المؤلف، من الأمور المهمة في هذا الكتاب أن أحاديثه مع المحاربين القدامى منحته إدراكا للحرب، وفي الوقت نفسه أضفت أحاسيس إنسانية على اللغة الباردة التي تطغى على التقارير العسكرية وجداول أرقام الضحايا.

وربما يكون هذا -من منظورنا- من مواطن القوة في الكتاب، ويجعله مختلفا عن المؤلفات الأخرى عن تلك الحرب الأميركية العدوانية.

الموضوعية مطلوبة طبعا في كل كتاب علمي جاد، لكن ليس ثمة مكان للحياد بين الضحية والجاني أو الجانية.

المشكلة الإضافة التي يشير إليها المؤلف مرارا في الكتاب، أن القسم الأكبر من التقصيات التي كانت القيادات العسكرية الأميركية تجريها عقب كل مذبحة، تفضي إلى لا شيء.

فلا جناة ولا أحكام ولا تقارير تحدد المسؤولين عنها، أو أنه يتم إخفاؤها في الأدراج المعتمة، وفي الوقت نفسه يتواصل الصمت الصحفي على ما جرى، وفي حالة كسر هذا الصمت فإنه يجري الحديث وفقا للرواية الرسمية.

رغم محاولات التغطية، يرى المؤلف أن الجماعات التي تخصصت في تقصي جرائم الحرب جمعت معلومات تكفي لإدانة كل كتيبة من القوات الأميركية، وكل سرية عملت على نحو منفصل بارتكاب جرائم حرب في فيتنام
ومن الأمثلة الأولى التي يقدمها المؤلف مجزرة القوات الأميركية عام 1970 في مزرعة المطاط قرب مِن ثن الواقعة شمال العاصمة الفيتنامية الجنوبية سايغون (أعيد تسميتها: مدينة هو شي منه بعد إعادة توحيد البلاد) التي تم إخفاء أوراقها في ظلام الأدراج المغلقة، ولم يعاقب الجنود الأميركيون الذين قتلوا الكثير من المدنيين الفيتناميين من الرجال والنساء.

ويشبهها المؤلف بمجزرة سابقة ارتكبها الجنود الأميركيون في منطقة كوان نام عام 1968، تطبيقا لأوامر قادتهم العسكريين "اقتل كل ما يتحرك"!.

كثرة الجرائم والمجازر التي ارتكبتها القوات الأميركية في فيتنام إبان فترة احتلالها لها، دفعت المؤلف إلى الطلب من السلطات العسكرية الأميركية الاطلاع على الوثائق المتعلقة ببعض المجازر المذكورة في الكتاب، وذلك عملاً بقانون حرية الوصول إلى المعلومات.

لكن الإجابة الرسمية كانت دوما: الوثائق مفقودة من المحفوظات. كما يتهم المؤلف بعض الصحف والمجلات الأميركية ووسائل الإعلام (بل التضليل) الأميركية الأخرى، ومنها مجلة نيوزويك، بدفن جوانب تقصياتها الخاصة التي تظهر جرائم الحرب الأميركية في فيتنام.

في الوقت نفسه يشير إلى أن بعض الجنود الأميركيين قدموا تقارير وافية لقياداتهم العسكرية الميدانية وحتى إلى وزارة الدفاع عما رأوه من جرائم حرب، لكن القيادة كانت تتجاهلها طوال الوقت.

رغم محاولات التغطية، يقول المؤلف إن الجماعات التي تخصصت في تقصي جرائم الحرب جمعت معلومات تكفي لإدانة كل كتيبة من القوات الأميركية، وكل سرية عملت على نحو منفصل من الكتيبة التابعة لها، بارتكاب جرائم حرب في فيتنام.

ومئات التقصيات التي أجراها المؤلف تثبت -وفق رأيه- أن كل جرائم الحرب الأميركية في ذلك البلد المنكوب كانت عملية روتينية واسعة النطاق ونتيجة مباشرة لسياسات القيادة العسكرية الأميركية.

أما أن الجنود الأميركيين كانوا ينفذون تلك الجرائم البينة، أي قتل العزل والأطفال والشيوخ دون خشية ملاحقتهم قانونيا، فسببه قول كتب التوجيه العسكرية الأميركية أنه على الجندي إطاعة أوامر قادته دون خشية التعرض للملاحقة القانونية، والجندي الحر بالمطلق هو من ينفذ أوامر قيادته دون مناقشة.

ومن الأمور الأخرى التي يرى المؤلف أنها ساهمت في اتساع دوائر جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الأميركية في فيتنام، عدم تلقيها أي تدريبات نفسية على العواقب المرتبطة بحروب العصابات وتعقيداتها، وكذلك تلك المتعلقة بالحروب في المدن المكتظة بالسكان.

المؤلف يستعرض جرائم جماعية بتفاصيلها، ومنها أخذ الجنود فتاة فيتنامية واغتصابها جماعيا طوال أيام، ثم قتلها. والأمر لم يختلف في العراق رغم عدم عثورنا في الكتاب على مقارنة بين جرائم الطرف الواحد في حربين
المؤلف يستعرض جرائم جماعية بتفاصيلها المريعة، ومنها أخذ الجنود الأميركيين فتاة فيتنامية واغتصابها جماعيا طوال أيام، ثم قتلها. والأمر لم يختلف في العراق رغم عدم عثورنا في الكتاب على مقارنة بين جرائم الطرف الواحد في حربين.

ينهي المؤلف كتابة بفصل "الأرواح التائهة"، في إشارة إلى إيمان بأن الذين يموتون موتا رديئا سيعانون معاناة الأرواح التائهة بين عالمنا وعالم الموتى.

معاناة تلك الأرواح في منطقة الظل هذه لا تتوقف، وسيتعرضون -المرة تلو الأخرى- للحالة التي أودت بحيواتهم، ولن تجد السلام إلا عندما يعترفون بجرائمهم. ورغم أن معظم الأميركيين لا يؤمنون بهذا، فإن استمرار شبح تلك الحرب يهيم على رؤوس الأميركيين بعد مرور عقود على انتهائها، يظهر أن الأمة الأميركية تعيش فعلا تلك الحالة، وما عليها سوى الاعتراف بجرائمها تجاه الآخرين حتى تجد الراحة المطلوبة.

ولن يتم ذلك -برأينا- إلا عندما تتوقف الولايات المتحدة عن شن الحروب الظالمة والعدوانية.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة