المرتزقة   
السبت 1429/10/19 هـ - الموافق 18/10/2008 م (آخر تحديث) الساعة 19:07 (مكة المكرمة)، 16:07 (غرينتش)

عرض/كمال حبيب
يناقش هذا الكتاب ظاهرة "خصخصة العنف" أو "الارتزاق الاستثماري" الذي تقوم به شركات عسكرية خاصة توفر الجيوش البديلة للقيام بالمهام التي لا ترغب جيوش الدول الكبرى الموجودة بمناطق الاضطراب في القيام بها.

ففي العراق مثلا هناك ما بين 15 و20 ألف مرتزق أجنبي تحت مسميات مختلفة مثل "قوات عسكرية خاصة" و"قوات للتأهيل والتدريب" و"قوات للحماية".

وتتجه أميركا لخصخصة وجودها العسكري في العراق بالاعتماد على جنود الظل بدلا من الجيوش النظامية، وهناك ميزانية تقدر بنحو ثلاثة مليارات دولار سوف تحصل عليها شركات خاصة متعددة الجنسيات لإنجاز تلك المهمة.

- الكتاب: المرتزقة جيوش الظل
- المؤلف: باسل يوسف النيرب
- الصفحات: 158
- الناشر: مكتبة العبيكان، الرياض
- الطبعة: الأولى/2008

الوضع القانوني للمرتزقة
تعرف المعاهدات الدولية المرتزق بأنه "كل من يجند محليا أو دوليا ليشارك في صراع مسلح أو في الأعمال العدائية مدفوعا برغبة الربح المالي والحصول على أجر يفوق نظيره المجند في الجيوش الرسمية".

ورغم أن القانون الدولي يمنع هذا العمل فإن الوضع السياسي المتغير لتجنيد المرتزقة جعل القوانين الدولية بخصوصهم ضبابية.

ويرتبط الارتزاق بالعنف الذي لا يهدف فقط للتدمير وإنما لإثارة الذعر وروح الهزيمة باستخدام تكتيك قتل المدنيين.

وتشير التقديرات إلى أن خسائر المدنيين خارج المعارك في نهاية القرن التاسع عشر كانت 30%، وأنها تضاعفت فيما بين عامي 1939 و1945 وبلغت 90% تقريبا في السنوات العشر الأخيرة.

وتزايدت منظمات الارتزاق اليوم فهي تبلغ -وفق الكتاب- ثلاثمائة ألف منظمة، ويبلغ حجم نشاط الشركات العسكرية والأمنية التي ترعى تلك الظاهرة نحو 200 مليار دولار.

التحالف العسكري الصناعي
حذر جورج واشنطن من النمو غير المبرر وغير الصحي للمنشآت العسكرية والذي قد يفضي إلى تضخم جهاز الدولة مما يجعله يمارس سلطات أوتوقراطية تهدد الديمقراطية.

وحذر روزفلت ومن بعده أيزنهاور بخمسين عاما من خطورة تحالف هذا المركب، وقال "علينا أن نحترس من تنامي النفوذ غير المبرر للمجمع الصناعي العسكري، وعلينا أن لا نسمح لهذه التركيبة بإلحاق الخطر بالحريات التي نتمتع بها وبالأساليب الديمقراطية التي نتبع نهجها".

دعم المجمع العسكري الصناعي نظام سلوبودان ميلوسوفيتش في يوغوسلافيا السابقة عبر مؤسسة "شركاء كيسنجر" التي كان من بين الأسماء اللامعة فيها لورانس إيغلبرجر ودونالد رمسفيلد وريتشارد بيرل وبول وولفيتز.

ويشير الكتاب إلى أن من ضمن قائمة الزبائن السريين لتلك المؤسسة شركة أميركان إكسبريس وشيرسون ليمان وآركو ودايوو وآي تي لوكهيد، وعملت تلك المؤسسة على تصريف مخزون بضاعتها العسكرية لدعم نظام مستبد.

"
شركات السلاح العملاقة ألقت بكل ثقلها وأموالها في الميزان من أجل إعادة انتخاب الرئيس الأميركي جورج بوش
"
وجاء استخدام الإدارة الأميركية مبدأ "الدولة المارقة" عام 1990 ليعبر عن عمق تغلغل ممثلي ذلك المركب العسكري الصناعي فيها، وهو ما عبر عنه البروفيسور الأميركي مايكل كلير الذي كتب عن صناعة الأعداء في التسعينيات واتهم البنتاغون باختراع نظرية "الدول المارقة" لتسويغ استمرار سياسة الحرب الباردة وعدوانيتها باسم المصلحة القومية.

ويعتبر ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي الحالي مندوب شركة هاليبرتون في إدارة بوش، وبعد توليه المنصب انهالت العقود على الشركة فتم التعاقد معها لتأهيل صناعة النفط بما قيمته سبعة مليارات دولار، وبنت معسكريْ اعتقال في خليج غوانتانامو الكوبي بما قيمته 37 مليون دولار.

والمركب الصناعي العسكري هو من أحيا نشاط حلف الناتو في وقت تعالت فيه الأصوات بحله، وقاد تلك العملية بروس جاكسون نائب رئيس شركة لوكهيد مارتن للصناعات العسكرية.

ويتحرك الحلف الآن في آسيا الوسطى والحدود الجنوبية لروسيا والغربية للصين والشرقية لإيران، وهو من يقود الحرب في أفغانستان من أجل أمن الطاقة الأميركي، كما يقول جون بلجر في كتابه "أسياد العالم الجديد".

وهذا المركب هو من أعد لشن الحرب على العراق باعتباره أحد دول محور الشر، وعلى إثر ذلك استوطنت الشركات الأميركية العراق الذي أصبح نفطه بين أنياب سباع عرابي التحالف العسكري الصناعي.

ففي دراسة لمجلة "هاربرس" نشرت عام 2005 بلغت قيمة كميات النفط المنهوبة في العراق 8 مليارات و800 مليون دولار أميركي ذهب أغلبها لشركة هاليبورتون.

وتصف ذي إيكونومست العراق تحت حكم بريمر بأنه حلم رأسمالي، كما يشبه الكثير من السياسيين العراق بإناء عسل ضخم يجذب شركات النفط والرأسماليين المغامرين.

ونشرت مجلة لونوفيل أوبزيرفاتور تقريرا أشار إلى أن شركات السلاح العملاقة ألقت بكل ثقلها وأموالها في الميزان من أجل إعادة انتخاب الرئيس الأميركي جورج بوش.

ونقلت عن الاقتصادي الأميركي بيير شاو أن رجال الأعمال العاملين في مجال السلاح جمعوا مليارات من الدولارات نقدا ولا يعرفون ماذا يفعلون بكل هذه الأموال ولا يزال بوش يوفر لهم المزيد.

"
أيام حرب فيتنام كان هناك برنامج سري عرف باسم "العمليات السوداء" يقوم فيها المرتزقة باغتيالات وتخريب لا تريد واشنطن التورط فيها بشكل مباشر، ومن قُتل أو اعتقل فيها لا تعترف به
"
شركات الارتزاق العالمية
يمنع القانون الأميركي مهنة الارتزاق، ولذا نشط سماسرة الحروب وتجار الموت لتأمين المرتزقة بتأسيس شركات أمنية ليكونوا "جنود الظل" كما وصفتهم نيويورك تايمز.

ويعود تاريخ التعاون بين المخابرات المركزية الأميركية والشركات الأمنية الخاصة إلى حرب فيتنام حين كان هناك برنامج سري عرف باسم "العمليات السوداء" يقوم فيها المرتزقة بأعمال اغتيالات وتخريب لا تريد واشنطن التورط فيها بشكل مباشر، ومن قتل أو اعتقل فيها لا تعترف به.

ويعد رمسفيلد ودفيد بترايوس وديك تشيني رواد تطوير وبناء شركات الخدمات العسكرية والأمنية لسد الفجوة بين قرار دخول أميركا صراعات مسلحة في العديد من مناطق العالم الساخنة وقرار تقليص حجم الجيش الأميركي من 2.1 مليون جندي عام 1989 إلى 1.4 مليون عام 2004.

وتؤكد مجلة إيكونومست أن الشركات العسكرية الخاصة تحتل المرتبة الثالثة في خانة المساهمين الكبار في دعم الجهود العسكرية الأميركية والبريطانية في العراق، وأن عدد شركات المرتزقة المرخص لها بالعمل يبلغ نحو 35 شركة، منها شركة "أم. بي. آر. آي".

وأدت الحرب على الإرهاب وخوض حربين في أفغانستان والعراق إلى مضاعفة تعاون الإدارة الأميركية مع المرتزقة للقيام بأعمال من الباطن تحت اسم "متعاقدون عسكريون من القطاع الخاص".

ويقول الكولونيل هاكوورث الذي حصل على عدة أوسمة في حرب فيتنام "هؤلاء المرتزقة الجدد يعملون في وزارة الدفاع والخارجية ويتغاضى الكونغرس عن ذلك، وهذا يسمح لنا بدخول حروب حين نتردد في إرسال الجيش أو المخابرات المركزية".

ويضيف "في النهاية فإن دافع الضرائب الأميركي يدفع لجيش المرتزقة، وذلك يناقض تعاليم آبائنا المؤسسين، إلا أن وجود مثل هذه الشركات يسمح للإدارة بتنفيذ أهداف متعددة دون الخوف من الاهتمام الإعلامي الذي يترافق مع عودة جنود أميركيين في توابيت، لأن إنكار المهمة أسهل على الحكومة عندما يكون أولئك العاملون في الخارج غير مرتدين الملابس العسكرية الرسمية".

وذكر الكتاب شركات أميركية عاملة في العراق مثل "كاي بي آر" وهي تابعة لشركة هاليبورتون، وديان كورب التي تتولي حراسة الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، وشركة بلاك ووتر التي كتب حولها جيرمي سكاهيل كتابا بعنوان "صعود أقوى جيش من المرتزقة في العالم"، وهي التي توفر الحماية للدبلوماسيين الأميركيين ومرافقيهم ووفرت الحماية لبول بريمر وزلماي خليل زاده وجون نغروبونتي، ويصل متوسط أجر المرتزق في هذه الشركات إلى ألف دولار يوميا.

ويقدر عدد المرتزقة العاملين في العراق عن طريق شركات بريطانية بحوالي 20 أو30 ألفا، وهو ثاني أكبر قوة عسكرية بعد الجيش الأميركي، وأكبر من القوة العسكرية البريطانية ذاتها.

وحققت هذه الشركات مكاسب في العام الأول من الاحتلال تجاوزت 800 مليون جنيه إسترليني (5.1 مليارات دولار).

ومن الشركات البريطانية العاملة في العراق وفق الكتاب "عمليات الأمن الأوروبي" و"المنظمة الاستشارية للرقابة على الأخطار" و"أجيس" و"إيرنيس" و"هارت غروب" التي تقوم بعمليات قتال مباشرة في العراق.

"
مع أن القانون الدولي يجرم الارتزاق، لم يوجه أحد اتهامات للإدارة الأميركية على منحها أكثر من ثلاثين ألف عقد لشركات خاصة تضم بين موظفيها قتلة مأجورين
"
وتقدر الأمم المتحدة عدد المرتزقة من جنوب أفريقيا في العراق بما بين 5 و10 آلاف مرتزق، وهي بذلك من أكبر الدول المصدرة للعاملين في الشركات العسكرية الخاصة بعد أميركا وبريطانيا.

ويعمل أكثر من 600 عنصر من عملاء الموساد من جيش لبنان الجنوبي السابق مرتزقة في شمال العراق لحساب إسرائيل في مهام التجسس واستجواب المعتقلين العراقيين وحماية الشركات الأجنبية.

ومن الشركات الصهيونية العاملة في مجال الارتزاق "يغال للخدمات الأمنية" التي تعمل بشكل أساسي ضد المقاومة الفلسطينية.

وتجلت وحشية هؤلاء المرتزقة في سجن أبو غريب حيث قام بالتعذيب عاملون في شركة "كاسي أنترناشيونال" ذات الصلة الوثيقة بالكيان الصهيوني بالتعاون مع الشرطة العسكرية الأميركية.

نضوب المتطوعين
يواجه الجيش الأميركي تناقصا في أعداد المتطوعين في وقت تواجه فيه بلادهم حربين في أفغانستان والعراق.

وتشير وثائق هذا الجيش إلى أنه للمرة الأولى منذ خمس سنوات يفشل في الحصول على الحصة المطلوبة من المتطوعين، وهو ما جعله يتخفف في شروط التطوع إلى حد الاستعانة بعصابات الجريمة المنظمة.

وهؤلاء الذين يتدربون على فن الحرب في المدن سيعودون إلى شوارع أميركا لاستئناف القتال في الداخل هناك.

والتوسع في ظاهرة الارتزاق تبعث برسالة خاطئة للعراقيين، فهي تقول لهم إن الولاء لمن يدفع وليس للوطن.

وتمثل ظاهرة الارتزاق مأزقا أخلاقيا وقانونيا لمن يحاولون إيجاد تبريرات لها، فهم يعملون في ظل غياب كامل للقانون أو تعاليم عسكرية، ومن ثم فهم عنصر مثير للفوضى ومهدد لحقوق الإنسان.

ومع أن القانون الدولي يجرم الارتزاق، فلم يوجه أحد اتهامات للإدارة الأميركية على منحها أكثر من ثلاثين ألف عقد لشركات خاصة تضم بين موظفيها قتلة مأجورين.

نحن أمام كتاب يكشف سطوة لوبي المركب الصناعي العسكري في توجيه السياسات الرأسمالية، ولكن يمكن اعتباره كتابا افتتاحيا لظاهرة لا تزال بحاجة لبحث أكثر عمقا خاصة فيما يتصل بجوانبها القانونية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة