الديمقراطية والتنمية في مصر   
الثلاثاء 1428/11/4 هـ - الموافق 13/11/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:46 (مكة المكرمة)، 11:46 (غرينتش)

عرض/ بدر محمد بدر
يناقش هذا الكتاب العلاقة الجدلية بين التنمية الاقتصادية من جانب, والتنمية السياسية -أي الديمقراطية- من جانب آخر, ويجمع مؤلفه الدكتور سلطان أبو علي بين التأصيل النظري باعتباره أستاذاً جامعياً في التخصص الاقتصادي, وبين التجربة العملية باعتباره تولى منصب وزير الاقتصاد في مصر في ثمانينيات القرن الماضي.

وهو يعرض مختلف الآراء حول مدى الارتباط بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي, عبر صفحات الكتاب التي قلل فيها من لغة الأرقام ومن المصطلحات المتخصصة في هذا الميدان, ليقدم لنا أسلوباً يتميز بالسلاسة والعمق.

- الكتاب: الديمقراطية والتنمية في مصر
- المؤلف: سلطان أبو علي
- الصفحات: 224
- الناشر: دار العين، مصر
- الطبعة: الأولى 2007

في الصفحات الأولى يستعرض المؤلف الآراء المختلفة حول علاقة التنمية الاقتصادية بالديمقراطية, إذ إن هناك من يقول إن الديمقراطية من المتطلبات الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية, بينما هناك من يقول إنها ليست شرطاً ضرورياً ولا كافيا لحدوث التنمية.

وفي فترة الستينيات من القرن الماضي كان الفكر الاقتصادي يتبنى مقولة أن الحرية السياسية (أي الديمقراطية ممثلة في التعددية الحزبية والمحاسبة والمسؤولية وحرية التعبير والرأي..) تعوق التنمية وتخفض معدل النمو, أي أن قبول مساحة أقل من الديمقراطية يمكّن الدولة من تحقيق معدل نمو اقتصادي أعلى.

ومنبع الخلاف في الرأي -كما يرى المؤلف- يعود إلى الأفق الزمني الذي من خلاله يتم الحكم على هذا الموضوع, لأن بعض الدول شهدت ارتفاعاً في معدل التنمية الاقتصادية في ظل نظم حكم دكتاتورية لا تعرف التعددية الحزبية, ومثال ذلك الاتحاد السوفياتي في عشرينيات القرن الماضي.

فقد كان النمو الاقتصادي السريع الذي حققه سبباً رئيسيا في تبني كثير من الدول النامية لنموذج شمولية القطاع العام واشتراكية النظام السياسي الذي يعتمد نظام الحزب الواحد.

والجميع يعلم الآن ما حدث لهذه المجموعة من الدول على المدى الطويل, وما أصاب الاتحاد السوفياتي السابق من تفكك وتدهور في الحياة المعيشية لشعوبه.

وعلى الجانب الآخر نجد أن دولاً نامية أخرى تبنت النموذج الديمقراطي ولم تحقق معدلات تنمية مرتفعة في البداية, إلا أن مستواها الاقتصادي والاجتماعي الآن أفضل بكثير من المجموعة الأولى.

ولذلك قد تكمن الإجابة على السؤال الأساسي حول علاقة التنمية بالديمقراطية في الأفق الزمني الملائم لتقدير النتائج, باعتبار أن عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأجل بطبيعتها, فلا يصح الحكم على تأثير العوامل المحددة لها إلا من خلال المدى الطويل.

"
في ظل النظم الاشتراكية اتحدت ملكية عناصر الإنتاج مع سلطة الحكم ممثلة في الحكومة, ولا يخفى ما ترتب على ذلك من انحرافات واستغلال بل وانهيار في الاقتصاد والمجتمع بأكمله
"
تجربة الهند ويوغسلافيا
ولكي تتضح الصورة أكثر يضرب المؤلف مثالاً بالهند ويوغسلافيا, لأنه من المعروف أن الهند كانت في بداية الخمسينيات من القرن الماضي دولة متخلفة بكل المقاييس, يتدنى فيها نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي, وتعيش غالبية سكانها على الزراعة, وكانت الصناعات بدائية ووليدة.. إلخ.

أما الآن فقد حققت الاكتفاء الذاتي في الحبوب, ولديها قاعدة صناعية كبيرة, وصادراتها المصنعة تغزو أسواق الدول المتقدمة, وحققت تقدماً علمياً وتقنيا كبيراً تجسد في دخولها نادي الدول النووية, ودخلت مرحلة النمو الاقتصادي المستدام.

كما أثمرت من الناحية السياسية استقراراً منذ فترة ليست بالقصيرة رغم تعدد الطوائف واختلاف الملل والعرقيات والقوميات، ربما أكثر من أي دولة أخرى في العالم.

أما يوغسلافيا فكانت في وضع اقتصادي أفضل من الهند في فترة الخمسينيات, وعندما مات الدكتاتور تيتو تفككت وحدة الدولة وانقسمت إلى عدة دول وعرقيات, واندلعت الحرب الأهلية البشعة في أرجائها, ودمرت الحرب أجزاء كبيرة من اقتصادها, وربما نتجت الكارثة من الاستبداد والكبت الذي ظل كامنا داخل البلاد في ظل دكتاتورية تيتو عندما تفجرت عقب رحيله.

ويخلص المؤلف من هذا إلى أن النموذج الديمقراطي الذي اتبعته الهند أنتج على المدى الطويل مجتمعاً مستقراً واقتصادا متنامياً بطريقة مطردة, في حين أن دكتاتورية تيتو أدت بعد ازدهار ظاهري إلى تفكك الدولة إلى دويلات وانهيار اقتصادها نتيجة الحرب الأهلية. وهاتان الدولتان ليستا فريدتين, وإنما الظاهرة عامة.

هل من يملك يحكم؟
ويرفض المؤلف مقولة أن من يملك الثروة وأدوات الإنتاج يجب أن يتولى السلطة والحكم, معتبرا أنها تقوم على مغالطة كبيرة, خاصة أنه في ظل النظم الاشتراكية اتحدت ملكية عناصر الإنتاج مع سلطة الحكم ممثلة في الحكومة, ولا يخفى ما ترتب على ذلك من انحرافات واستغلال بل وانهيار في الاقتصاد والمجتمع بأكمله.

ويقتضي التقدم الاقتصادي أن يؤدي رجال الأعمال دورهم في تعظيم الإنتاج وزيادة الصادرات مع عدم إهمال مشاركتهم الاجتماعية, وعلى الحكومة أن تضطلع بدورها في إدارة الحكم بحيث تكون المحفزة لمختلف الأنشطة المنتجة في الدولة, وأن تكون الحكم بين الفئات المختلفة, وراعية للمصالح العامة بدون تغليب مصالح فئة على فئة وبدون تسلط على المجتمع.

"
ثبت تاريخيا أن تنبؤات الاقتصاديين غير صحيحة, وأن النظام الاجتماعي الذي يصلح لأمة ما لا يصلح بالضرورة لغيرها, إذ لكل أمة خصائصها وهويتها
"
لقد ثبت عبر التاريخ أن التنبؤات الكاسحة التي يطلقها الاقتصاديون بين الحين والحين غير صحيحة, وأن النظام الاجتماعي الذي يصلح لأمة ما لا يكون كذلك بالضرورة لأمة أخرى, إذ لكل أمة خصائصها وهويتها..

نعم يتم التزاوج والاستفادة المتبادلة, ولكن مع الاحتفاظ بالأصالة والخصوصية, كما يجب أن يتلاءم النظام الاقتصادي مع النظام الاجتماعي الذي ترتضيه الأمة.

مشكلات الاقتصاد المصري
وفي توصيفه لأهم مشكلات الاقتصاد المصري, يقول المؤلف إن مصر تعاني منذ سنوات من انتشار الركود وانخفاض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي, وزيادة نسبة البطالة, وعدم وجود فرص عمل جديدة منتجة لمن يدخلون سوق العمل لأول مرة, ناهيك عمن يتم الاستغناء عنهم بسبب انخفاض نسبة تشغيل الطاقات الإنتاجية المتاحة وتزايد حالات الإفلاس, بالإضافة إلى تدهور قيمة الجنيه المصري، وهو نتيجة طبيعية لوجود عجز كبير في ميزان المدفوعات, يترتب على ذلك ارتفاع مستوى الأسعار وتكلفة المعيشة, ويبلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 4.5% سنوياً في السنوات السبع الأخيرة.

وهذا معناه أن المستوى المادي لمعيشة المواطن المصري لا يتحسن إلا بنسبة 2.5% سنوياً على افتراض أن معدل النمو السنوي للسكان يبلغ نحو 2%.

ويرجع تدني معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى عدة أسباب منها: تراخي الجهود اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة, وتراجع نسبة الاستثمار من الناتج المحلي بسبب ضعف الثقة في المستقبل وكثرة العقبات التي يواجهها المستثمرون, وكذلك انخفاض مستوى الإنتاجية بسبب عدم الجدية والتسيب الموجود في العديد من مواقع الإنتاج.

هذه الأسباب وغيرها تدفع إلى تدني موقع مصر بين الدول على سلم التنمية الاقتصادية والاجتماعية رغم امتلاكها الموارد المختلفة سواء المالية أو الطبيعية أو البشرية, وبالتالي فلابد من اتباع السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع باتجاه زيادة الإنتاج ورفع الإنتاجية والقضاء على التشوهات المختلفة التي يعاني منها الاقتصاد.

مصر عام 2020
وفي نهاية الكتاب يستعرض المؤلف رؤية اقتصادية لمصر عام 2020 باعتبارها مشروعاً قومياً ينبغي بذل كل الجهد للالتفاف حوله وتحقيقه في الواقع, وهذه الرؤية اجتمع عليها عدد كبير من الخبراء والمتخصصين في مجال الاقتصاد والمال من كل الاتجاهات الفكرية والسياسية.

يدعو المؤلف إلى توافر ضمانات لتنفيذ هذا المشروع ومنها: وضعه في صورة برامج يسهل على الجماهير استيعابها والعمل على تنفيذها, وتفصيل مكونات المشروع إلى أجزاء, وأن تذكر القيادة السياسية جموع الشعب بهذا المشروع القومي وأن تعطيها القدوة في تنفيذه, وأيضاً وضع نظام للثواب والعقاب وعدالة المشاركة في ثمار هذا المشروع.

"
الهدف هو أن تحقق مصر الاكتفاء الذاتي الذي يحقق الأمن والطمأنينة ويحرر الإرادة السياسية من الضغوط الخارجية, ومن ذلك أن يصل إنتاج مصر من القمح  إلى 75% من استهلاكها
"
ويتناول المؤلف أهم أهداف هذا المشروع وأولها: الاهتمام بالزراعة بعدما أصبحت مصر تستورد في الوقت الحالي نصف غذائها, وبالتالي فإن الهدف هو أن تحقق الاكتفاء الذاتي الذي يحقق الأمن والطمأنينة ويحرر الإرادة السياسية من الضغوط الخارجية, ومن ذلك أن يصل إنتاج مصر من القمح 75% مثلاً من استهلاكها.

وفي الصناعة لابد من استكمال بنيتها الأساسية وزيادة قدرتها التنافسية بحيث تنمو بمعدل أكبر, وتستطيع أن تولد فرص العمالة اللازمة لامتصاص جانب كبير من البطالة الحالية, فضلاً عن إتاحة فرص عمل لمن يدخلون سوق العمل لأول مرة.

وفي مجال التوطين العمراني يجب العمل على زيادة المساحة المستغلة من مصر إلى 8% بدلاً من 4% حالياً، وأن تضع الحكومة الحوافز والسياسات اللازمة لتنمية هذه المساحة حتى لا تكون عالة على غيرها.

عاصمة جديدة
ويدعو المؤلف إلى بناء عاصمة إدارية جديدة لمصر, وهناك عدة اقتراحات يمكن من خلالها اختيار مكان العاصمة الجديدة في ظل بقاء القاهرة عاصمة تجارية وثقافية وبالتالي يمكن تحسين أحوال المعيشة بها.

ويستعرض المؤلف بقية المشروع الحضاري القومي في مجالات منها: الطرق والمواصلات والتعليم والرعاية الصحية والإصلاح الإداري والتقنية والابتكار والاهتمام بالسلوكيات العامة للمجتمع المحفزة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتي تتمثل أساساً في العمل الجاد الدؤوب، والتواضع في الأنماط الاستهلاكية ونبذ الإسراف والتبذير, والاعتزاز بإتقان العمل وجودة المنتج وغيرها.

وأهم ما نلاحظه على الكتاب أنه تجاهل ارتباط الاقتصاد المصري بالاقتصاد العربي والإسلامي, من حيث الموارد وانتقال رؤوس الأموال والعمالة والسوق العربية المشتركة والقوانين الاقتصادية وغيرها من مؤثرات سلبية أو إيجابية على الاقتصاد المصري, ناهيك عن ارتباط الاقتصاد في أي دولة -بدرجة أو بأخرى- بما يجري على الساحة الدولية, وتأثره بمدى النمو أو الركود العام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة