اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة   
الثلاثاء 25/3/1429 هـ - الموافق 1/4/2008 م (آخر تحديث) الساعة 11:06 (مكة المكرمة)، 8:06 (غرينتش)

عرض/ نبيل السهلي
تعرف الموسوعة البريطانية كلمة "اللوبي" بأنها مجموعة من العملاء النشطاء الذين لهم مصالح خاصة، ويمارسون الضغوط على الموظفين الرسميين خصوصا المشرعين، وذلك للتأثير عليهم أثناء ممارسة عملهم.

أما الطبعة الدولية من قاموس "ويبستر" فتعرف اللوبي بأنه مجموعة أشخاص يترددون على ردهات المجلس، أو أشخاص ليسوا أعضاء في المجلس التشريعي ولا يحملون صفة رسمية أو يشغلون مناصب حكومية.

- الكتاب: اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة
- الكاتبان: جوم جي ميرشايمر، وستيفن م. والت
- ترجمة: عماد شيحة
- الناشر: دار المركز الثقافي، دمشق
- الطبعة: الأولى 2007
 
 

وهم يحاولون التأثيرعلى المشتركين أوالشخصيات العامة من خلال الصلات الخاصة، وذلك بهدف تشريع معين أو اتخاذ قرارات محددة.

وهذا يقودنا مباشرة إلى فصول الكتاب المختلفة التي تصف حالة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وقدرته على استمالة مواقف الإدارات الأميركية لدعم إسرائيل ماليا وسياسيا ودبلوماسيا وعسكريا أيضا.

لقد كان للوبي الصهيوني المنظم عبر منظماته المختلفة في الولايات المتحدة آثارا واضحة في الإبقاء على العلاقة الإستراتيجية الاستثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث بات المتابع لتلك العلاقة يرى إسرائيل وكأنها ولاية أميركية بامتياز خاص.

صياغة السياسة الخارجية الأميركية
يؤكد الكاتبان جوم جي ميرشايمر وستيفن م. والت أن الولايات المتحدة تصوغ سياستها الخارجية بناء على مصالحها الوطنية. واللافت أن العلاقة الإستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة كانت حجر الزاوية لسياسة الأميركيين تجاه الشرق الأوسط  منذ حرب يونيو/ حزيران 1967.

إن الاندفاع الكلي لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة مرده سياستها الداخلية، وعلى نحو خاص نشاطات اللوبي الصهيوني، حيث استطاعت جماعات الضغط الخاصة الأخرى توجيه السياسة الخارجية الأميركية نحو مصالحها، لكن أيا منها لم يستطع صرف السياسة الخارجية الأميركية بعيدا عن المصلحة الوطنية المفترضة، مع اقتناع الأميركيين في الوقت نفسه أن مصالح إسرائيل والولايات المتحدة متماثلة من حيث الجوهر.

لقد اعتمد الكاتبان في فهم قوة اللوبي وتأثيره في الولايات المتحدة على شهادات من بعض أعضاء اللوبي الصهيوني نفسه، فضلا عن شهادات لسياسيين عملوا معهم.

"
الاندفاع الكلي لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة مرده سياستها الداخلية، وعلى نحو خاص نشاطات اللوبي الصهيوني، حيث استطاعت جماعات الضغط الخاصة الأخرى توجيه السياسة الخارجية الأميركية نحو مصالحها
"

التزام أميركي تجاه إسرائيل
يشير الكاتبان إلى أنه بالاعتماد على نشاط لجنة العلاقات العامة الإسرائيلية الأميركية (إيباك)، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل صاغتا شراكة فريدة لمواجهة التهديدات الإستراتيجية في الشرق الأوسط، حيث يقدم هذا الجهد التعاوني منافع هامة للطرفين.

وقد شرح الكاتبان مسارات الدعم الأميركي وتغير القيمة الإستراتيجية لإسرائيل بين فترة وأخرى، وأظهرا في ذات الوقت تجاهل إسرائيل للكثير من المطالب الأميركية والذهاب إلى أبعد من ذلك، حيث برز إلى السطح أكثر من مرة رغبات إسرائيلية للتجسس على الدولة التي تحميها، وهذا يطرح بحد ذاته مزيدا من الشكوك حول قيمة إسرائيل الإستراتيجية في إطار المصالح الأميركية الشرق أوسطية.

لقد أوضح الكاتبان أن المساعدات الأميركية لإسرائيل بمثابة نموذج خاص للعلاقة بينهما، إضافة إلى الدعم الأميركي  الدبلوماسي لإسرائيل عبر إسقاط أي مشروع قرار في الأمم المتحدة يدين ممارستها التعسفية ضد الفلسطينيين.

وتقدم الولايات المتحدة مساعدات مالية سنوية تصل إلى ثلاثة مليار دولار، منها 60% مساعدات عسكرية و40% مساعدات اقتصادية. كما تهب الولايات المتحدة لإنقاذ إسرائيل في زمن الحرب وأثناء الأزمات الاقتصادية، وتقف إلى جانبها حين تخوض مفاوضات سلام مع أطراف عربية.

حجج أخلاقية متضائلة
وفي سياق عرضهما للحجج المختلفة التي تدفع الولايات المتحدة لتأييد ودعم إسرائيل في مستويات مختلفة، يشير الكاتبان إلى أنه وبمعزل عن القيمة الإستراتيجية المزعومة لإسرائيل،  يجادل مؤيدو إسرائيل في كونها تستحق تأييدا أميركيا غير مقيد للأسباب التالية:

1- أن إسرائيل ضعيفة ومحاطة بالأعداء.

2- أنها دولة ديمقراطية، أي النمط المفضل أخلاقيا من الحكومات.

3- أن "الشعب اليهودي" عانى من الجرائم في الماضي وهو يستحق معاملة خاصة.

4- أن تصرف إسرائيل كان أكثر أخلاقية من سلوك خصومها.

ومن جهتهما يؤكد الكاتبان أن فحصا دقيقا لتلك الحجج يظهر هشاشتها، والنظرة الموضوعية لسلوك إسرائيل في الماضي والحاضر تدل على أنها لم تقدم أساسا أخلاقيا يمنحها امتيازا على الفلسطينيين.

وفي هذا السياق يمكن إضافة الكثير إلى النظرة الموضوعية التي أظهرها الكاتبان تجاه الممارسات الإسرائيلية التي تجعل منها دولة الإرهاب المنظم في العالم، حيث القتل اليومي المتعمد للأطفال والنساء والشيوخ في قطاع غزة والضفة الغربية، ناهيك عن تدمير المنازل واقتلاع الأشجار وجرف آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية الفلسطينية.

ويؤكد الكاتبان أن الجيش الإسرائيلي اغتال مئات من أسرى الحرب المصريين في حربي 1956 و1967، وطرد عام 1967 نحو 260 ألف فلسطيني من الضفة الغربية وقطاع غزة، كما طرد 80 ألف سوري من هضبة الجولان المحتلة.

وأيضا كان الجيش الإسرائيلي مشاركا في مجزرتي مخيمي صبرا وشاتيلا التي سقط ضحيتها 700 من الفلسطينيين العزل عقب غزو لبنان صيف عام 1982.

وفي هذا السياق أكدت لجنة التحقيق الإسرائيلية في المجزرتين لاحقا أن رئيس الوزراء السابق أرييل شارون يتحمل مسؤولية شخصية عن الأعمال الوحشية ضد العزل الفلسطينيين في مخيمي صبرا وشاتيلا.

"
من أسباب نجاح اللوبي الإسرائيلي في تعامله مع الكونغرس، وجود أعضاء من الصهاينة المسيحيين أمثال ديك أرمي الذي قال في سبتمبر/ أيلول 2002 إن أهم أولوياتي في ما يتعلق بالسياسة الخارجية هو حماية إسرائيل
"

مكامن قوة اللوبي الإسرائيلي
يصف الكاتبان قوة ونشاط اللوبي الإسرائيلي لجهة استمالة المواقف الأميركية إلى جانب التوجهات الإسرائيلية، حيث يؤكدان أن قوته تكمن في قدرته على أداء لعبة سياسات مجموعة المصالح.

ففي العمليات الأساسية ليس ثمة فوارق بين اللوبي الإسرائيلي وبين مجموعات المصالح الأخرى مثل لوبي المزارعين وعمال النسيج والفولاذ وبقية اللوبيات العرقية، بيد أن تفرد اللوبي الإسرائيلي ينبع من فاعليته الاستثنائية.

ويقوم الأفراد والمجموعات التي يتشكل منها اللوبي في معظم النشاط بما تقوم به مجموعات المصالح الأخرى وإن بطريقة أفضل. إضافة إلى ذلك فمجموعات المصالح الموالية للعرب ضعيفة إلى الحد الذي تكون فيه عديمة الوجود، ما جعل مهمة اللوبي الإسرائيلي أكثر يسرا لتحقيق مصالحه المرسومة بقوة تنظيمه المدعوم ماليا.

وفضلا عن ذلك ولتحقيق أهدافه العليا يسير اللوبي الإسرائيلي بإستراتيجيتين واسعتين معا لتعزيز دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، حيث يؤثر بشكل كبير عبر الضغط على مجلسي النواب والشيوخ وعلى السلطة التنفيذية لتأييد إسرائيل على طول الخط.

وأيا تكن وجهات نظر صناع  القرار والمشرعين الأفراد، يحاول اللوبي جعل تأييد إسرائيل هو الخيار السياسي الذكي، كما يحاول تهيئة الظروف لجعل الخطاب العام الأميركي إلى جانب التصورات الإسرائيلية.

ويرى الكاتبان أن أحد أسباب نجاح اللوبي في تعامله مع الكونغرس وجود أعضاء من الصهاينة المسيحيين أمثال ديك أرمي الذي قال في سبتمبر/ أيلول 2002 "إن أهم أولوياتي في ما يتعلق بالسياسة الخارجية هو حماية إسرائيل". ويستطرد الكاتبان بأن أهم أولويات أي عضو في الكونغرس حماية أميركا، لكن أرمي لم يقل ذلك.

وبهذا يعتبر موظفو الكونغرس الموالون لإسرائيل مصادر قوة اللوبي، وكذلك الأيباك نفسها هي شكل من أشكال القوة للنفوذ الإسرائيلي في الكونغرس، حيث لها قدرة مالية كبيرة على استمالة أعضاء الكونغرس إلى توجهات الإسرائيليين.

"
مصاعب كثيرة أمام اللوبي الإسرائيلي تمثلت أساسا في عدم القدرة على إخماد النقاش المتعلق بإسرائيل في كليات الجامعات المختلفة، لأن حرية الأكاديميين تتمتع بقيمة عالية وجوهرية
"

مصاعب أمام اللوبي اليهودي
يؤكد الكاتبان أن الأيباك التي تعتبر وكيلا فعليا لحكومة أجنبية، تمسك بخناق الكونغرس الأميركي. كما يتعزز موقف اللوبي بنفوذه البارز داخل السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة حيث للناخب اليهودي أثر كبير على الحملات الرئاسية رغم قلة مجموع اليهود في الولايات المتحدة (أقل من3%) من مجموع السكان.

لكن رغم النفوذ الكبير للوبي الإسرائيلي برزت مصاعب كثيرة أمامه تمثلت أساسا في عدم القدرة على إخماد النقاش المتعلق بإسرائيل في كليات الجامعات المختلفة، لأن حرية الأكاديميين تتمتع بقيمة عالية وجوهرية، ولأنه يصعب على اللوبي تهديدهم وإخراسهم.

ومع ذلك لم يكن هناك إلا انتقادات معتدلة لإسرائيل في التسعينيات حين كانت عملية أوسلو تتواصل، حيث تصاعدت الانتقادات بعد انهيار العملية ووصول شارون إلى السلطة مطلع العام 2001.

واشتدت هذه الانتقادات على نحو خاص بعد احتلال الجيش الإسرائيلي للضفة الغربية في ربيع عام 2002 ومواجهته للانتفاضة الثانية التي انطلقت من باحات الأقصى مع نهاية سبتمبر/ أيلول 2000.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة