وضع حقوق الإنسان في مناطق السلطة الفلسطينية   
السبت 22/5/1430 هـ - الموافق 16/5/2009 م (آخر تحديث) الساعة 13:44 (مكة المكرمة)، 10:44 (غرينتش)

عرض/عوض الرجوب
تكمن أهمية التقرير السنوي الرابع عشر للهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم" حول أوضاع حقوق الإنسان في مناطق السلطة الفلسطينية لعام 2008، في توثيقه لانتهاكات الاحتلال والانتهاكات الداخلية لحقوق الإنسان الفلسطيني، وإسناد ذلك بالإحصائيات

ويتكون التقرير من ثلاثة أبواب وثلاثة ملاحق، ويتناول في الباب الأول البيئة السياسية والمتغيرات الدالة على وضع حقوق الإنسان في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك أثر الانتهاكات الإسرائيلية على منظومة هذه الحقوق.

أما في الباب الثاني فيتناول حالة بعض الحقوق والحريات العامة من خلال رصد أنماط الانتهاكات الواقعة عليها، ويتحدث الباب الثالث عن موضوع المحاسبة والمساءلة وأثرها على حقوق الإنسان وحرياته.

البيئة السياسية
-الكتاب: وضع حقوق الإنسان في مناطق السلطة الفلسطينية
-عدد الصفحات: 249
-
المؤلف والناشر: الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان "ديوان المظالم"
-
الطبعة: الأولى/2009
شكلت البيئة السياسية والمتغيرات الدالة على وضع حقوق الإنسان في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، محور الباب الأول من تقرير الهيئة، وخُصص الفصل الأول منه للبيئة السياسية وأثرها على حقوق الإنسان.

يستدِل التقرير بالتوجهات والسياسات العامة التي تم اتخاذها بقرار من حكومة تسيير الأعمال في رام الله والحكومة المقالة في غزة على أن جملة المتغيرات في البيئة السياسية حكمت مسار النظام السياسي الفلسطيني خلال عام 2008 وبدت في ثلاثة أمور أولها تكريس حالة الانقسام السياسي في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، وثانيها استمرار الاحتلال الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية، وممارساته القمعية، وثالثها تراجع منظومة حقوق الإنسان بشكل خاص، ومنظومة الحقوق والحريات العامة التي يتمتع بها المواطن الفلسطيني.

ومن نتائج المتغيرات السابقة على البيئة السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية التي رصدها التقرير تكريس حالة الانقسام الذي نتج عنه نظامان سياسيان لكل منهما حكومته وأجهزته ومؤسساته وغيرها مما انعكس على مجمل الحقوق والحريات العامة وتغليب الاعتبارات الأمنية في عملية التعيين والفصل والإقصاء الوظيفي... إلخ.

انتهاكات الاحتلال
الفصل الثاني من التقرير يتناول أثر الانتهاكات الإسرائيلية، مؤكدا تأثيرها السلبي على أداء السلطة الوطنية الفلسطينية، وتقويض دورها في حماية حقوق وحريات الإنسان في أراضيها.

ويوضح أن عدد المعتقلين في السجون الإسرائيلية بلغ عام 2008 حوالي 9 آلاف معتقل، بينهم 75 أسيرة، و265 طفلا، و41 نائبا ووزيرا سابقا، منهم معتقلون إداريا ومنهم مرضى يعيشون في ظل ظروف بالغة القسوة.

أما عدد شهداء الحصار ممن توفوا نتيجة لعدم السماح لهم بالسفر للعلاج في الخارج فبلغ 274 مواطنا، وشهد قطاع غزة نقصا في اللوازم والمعدات الطبية والأدوية التي نفد منها ما يقارب 140 صنفا.

وثق التقرير معاناة قطاع غزة من نقص مياه الشرب بسبب استمرار انقطاع التيار الكهربائي، موضحا أن حاجة القطاع لمادة الكلور تبلغ نحو 60 مترا مكعبا شهريا، إلا أن رصيدها بلغ صفرا.

وبين أن عدد آبار المياه في غزة يبلغ 145 بئرا، عملت 100 منها بنسبة 60% من الوقت، وعملت 45 منها بنسبة 80% من الوقت، وتوقفت 10 آبار تماما بسبب انقطاع التيار الكهربائي.

ونتيجة لهذه الأسباب ولنقص الوقود وقطع غيار المضخات انخفض استهلاك قطاع غزة اليومي من المياه المقدر بـ220 ألف متر مكعب إلى ما نسبته 40%.

"
أثرت الإغلاقات والحواجز والجدار سلبا على العملية التعليمية، وأدت الاجتياحات المتكررة للمدن والبلدات الفلسطينية إلى تعطل الدوام في 100 مدرسة، الأمر الذي أدى إلى ضياع ما لا يقل 150 يوما دراسيا على الطلبة خلال عام 2008
"
ولم يسلم قطاع التعليم من قبضة الاحتلال؛ فقد أثرت الإغلاقات والحواجز والجدار سلبا على العملية التعليمية، وأدت الاجتياحات المتكررة للمدن والبلدات الفلسطينية إلى تعطل الدوام في 100 مدرسة، الأمر الذي أدى إلى ضياع ما لا يقل 150 يوما دراسيا على الطلبة خلال عام 2008.

وأدت الممارسات الإسرائيلية أيضا إلى استشهاد أكثر من 40 طالبا وطالبة 33 منهم من محافظات غزة، كما تعرض ما يزيد عن 180 طالبا مدرسيا و60 طالبا جامعيا و18 معلما وموظفا للاعتقال بشكل أرهق الأسرة التربوية وسبب مشاكل نفسية للطلبة.

الحق في الحياة
في الباب الثاني ومن خلال سبعة فصول تطرق التقرير إلى وضع حقوق الإنسان والحريات في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية خلال عام 2008.

حول "الحق في الحياة والسلامة الجسدية؟ وهو موضع الفصل الأول أشارت الهيئة إلى انخفاض عدد حالات القتل مقارنة مع عام 2007، وسجلت 191 وفاة مقابل 585 عام 2007، منها 136 حالة في قطاع غزة و55 حالة في الضفة الغربية، بينها 16 طفلا، و19 امرأة.

توزعت خلفيات القتل في الضفة الغربية بين الشجارات والثأر وإساءة استعمال السلاح من المكلفين بتطبيق القانون، وما يسمى بشرف العائلة، كما تعدد خلفيات القتل في غزة ومنها إضافة لما سبق ما له علاقة بالاقتتال الداخلي وإساءة استخدام السلاح من قبل المواطنين، والوفاة في الأنفاق وفي ظروف غامضة.

وسجلت الهيئة في تقريرها وفاة خمسة أشخاص في مراكز الإصلاح والتأهيل في السجون الخاضعة للشرطة ومراكز الاحتجاز الفلسطينية الخاضعة لإدارة الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، مقابل شخصين في قطاع غزة.

وقضت المحاكم العسكرية في الضفة بإعدام ستة أشخاص، في حين قضت المحاكم العسكرية والمدنية في قطاع غزة بإعدام سبعة أشخاص.

التوقيف والتقاضي
"
أكد التقرير أن السلطة القضائية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية لا تزال تواجه تحديات ومعيقات داخلية وخارجية جسيمة، تحول دون قيام السلطة بمهامها على أكمل وجه في سبيل تحقيق العدالة والفصل في المنازعات بين المواطنين على وجه السرعة
"
الفصل الثاني في التقرير "الحق في سلامة الإجراءات القانونية عند التوقيف أو الاحتجاز" ويرصد تزايد حالات الاعتقال التعسفي دون اتّباع الإجراءات القانونية في التوقيف أو الاحتجاز، مشيرا إلى عشرات الشكاوى في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وتحدثت الهيئة عن عدم التزام الأجهزة الأمنية بسلامة الإجراءات القانونية عند القبض والتفتيش، حيث تمت معظم حالات الاعتقال على خلفية سياسية، مؤكدة أنها تلقت 393 شكوى تتعلق بالاعتقال التعسفي على خلفية سياسية في الأراضي الفلسطينية.

وفي الفصل الثالث "الحق في التقاضي" أكد التقرير أن السلطة القضائية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية لا تزال تواجه تحديات ومعيقات داخلية وخارجية جسيمة، تحول دون قيام السلطة بمهامها على أكمل وجه في سبيل تحقيق العدالة والفصل في المنازعات بين المواطنين على وجه السرعة.

وإضافة لإجراءات الاحتلال، اعتبر التقرير الانقسام السياسي بين الضفة وغزة معيقا لعمل القضاء في عام 2008، مشيرا إلى تشكيل مجلس العدل الأعلى بقرار من الحكومة المقالة في قطاع غزة.

الفحص الأمني
وفي الفصل الرابع "الحق في تولي الوظيفة العمومية" أكدت الهيئة أنها تلقت عشرات الشكاوى من موظفين في الضفة الغربية تم إلغاء تعيينهم في وزارة التربية والتعليم العالي بسبب عدم موافقة الجهات المختصة على ذلك التعيين.

وأكدت أنها تلقت شكاوى تتعلق بالفصل من الخدمة ووقف الراتب بناء على توصية اللجنة الأمنية في مجلس الوزراء أو عدم التعيين بناء على توصية الجهات الأمنية، حيث كان مجلس الوزراء قد اتخذ قرارات في جلسته المنعقدة بتاريخ 3/9/2008 تقضي باعتبار إجراء الفحص الأمني جزءا من عملية التعيين.

أما في قطاع غزة وعلى خلفية الإضراب الذي أعلنه الموظفون العاملون في القطاع الصحي والوظيفة العمومية، فقد سجل التقرير قيام الحكومة المقالة بالتعاقد مع ثلاثة آلاف معلم ومعلمة في جميع التخصصات وجميع المراحل بعقود عمل مؤقتة وبراتب مقطوع، والتعاقد مع 150 سكرتيرا للعمل في المدارس بالإضافة إلى 300 آذن وآذنة "دون الإعلان عن التنافس لشغل هذه الوظائف".

حرية الرأي
"
لم يكن الحق في إنشاء الجمعيات الخيرية والنقابات العمالية والحق في الإضراب بعيدا عن التجاذبات السياسية والانتهاكات، على نحو يخالف المعايير الدولية لحقوق الإنسان الأساسية وقانون الجمعيات الفلسطينية
"
بخصوص الحق في حرية الرأي والتعبير وهو موضوع الفصل السادس سجل التقرير ارتفاعا ملحوظا لا مثيل له منذ إنشاء السلطة الفلسطينية في الاعتداء على الحرية الشخصية للصحفيين الفلسطينيين، ورصد اعتقال 46 صحفيا في الضفة وغزة، 32 منهم في الضفة الغربية و14 في قطاع غزة. وأشار إلى تعرض بعض الصحفيين المعتقلين لأشكال مختلفة من المضايقات ومحاولات الاغتيال واستخدام القوة لمنعهم من مزاولة نشاطهم.

وبشكل عام يؤكد تقرير الهيئة تعرّض الحق في حرية الرأي والتعبير بالضفة للعديد من الانتهاكات من الأجهزة الأمنية، موضحا أن حالة الانقسام ألقت بظلالها على واقع حرية الرأي.

ولم يكن الحق في إنشاء الجمعيات الخيرية والنقابات العمالية والحق في الإضراب بعيدا عن التجاذبات السياسية والانتهاكات، ويتناول الفصل السابع تعرض هذا الحق لانتهاكات على نحو يخالف المعايير الدولية لحقوق الإنسان الأساسية وقانون الجمعيات الفلسطينية.

ففي الضفة الغربية لاحظت الهيئة قيام 136 جمعية خيرية وأهلية تحت التأسيس بتقديم طلبات تسجيل لدى وزارة الداخلية دون أن تحصل على شهادات تسجيل رغم مرور مدة شهرين التي نص عليها القانون.

ومما زاد عملية التسجيل صعوبة استمرار تطبيق قرار وزارة الداخلية رقم (20) لسنة 2007 والقاضي بضرورة قيام دائرة تسجيل الجمعيات غير الحكومية في وزارة الداخلية بمراجعة الجهات الأمنية استكمالا لعملية التسجيل.

ورصدت الهيئة اقتحام الأجهزة الأمنية لمقار بعض الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية والعبث بمحتوياتها، والتدخل في إدارة بعض الجمعيات وتغيير الهيئات الإدارية واستبدال هيئات جديدة بها، وتشكيل لجان مؤقتة في 28 جمعية والتدخل في انتخابات الهيئات الإدارية.

المساءلة والمحاسبة
للمرة الأولى خصصت الهيئة الباب الثالث والأخير من تقريرها السنوي لموضوع المساءلة والمحاسبة في إطار القانون الأساسي، فتناولت فيه مدى معالجة السلطة الوطنية في الضفة والسلطة القائمة في غزة للموضوع.

ويستنتج تقرير الهيئة أن الفلسطينيين لا يزالون بعيدين عن بلورة نظام المساءلة والمحاسبة الذي هو جزء أصيل من مكونات عمل السلطات العامة وأجهزتها التنفيذية، خاصة في ظل الانقسام وتعطل عمل المجلس التشريعي واستمرار الاحتلال وغياب الإرادة السياسية للمساءلة والمحاسبة.

وتحدث عن عدم إمكان إجراء التعديلات التشريعية بهذا الخصوص وإيجاد آليات قانونية فعالة للمساءلة والمحاسبة في غياب بيئة وإرادة سياسية، معتبرا وجود تلك الإرادة هو أقصر الطرق للوصول إلى ذلك.

"
الفلسطينيون لا يزالون بعيدين عن بلورة نظام المساءلة والمحاسبة الذي هو جزء أصيل من مكونات عمل السلطات العامة وأجهزتها التنفيذية، خاصة في ظل الانقسام وتعطل عمل المجلس التشريعي واستمرار الاحتلال وغياب الإرادة السياسية للمساءلة والمحاسبة
"
وشدد على ضرورة أخذ قضية المحاسبة على محمل الجد، وملاحقة مقترفي انتهاكات حقوق الإنسان وخاصة في الحالات التي تشكل جرائم لا تسقط بالتقادم، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان مثل القتل خارج نطاق القانون والتعذيب والاستخدام المفرط للقوة، وحالات الاختفاء القسري وغيرها من الانتهاكات الجسيمة.

وفي كل من هذه الحالات -أكدت الهيئة- أنه لا بد من تشكيل لجان التحقيق ونشر نتائج تحقيقها على الملأ وملاحقة ومساءلة ومحاسبة الأشخاص الذين يثبت تورطهم، بارتكاب مثل هذه الجرائم و الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وشدد تقرير الهيئة على أن تشكيل لجان تحقيق محايدة أمر بالغ الأهمية للكشف عن الحقائق ومعرفة حالات انتهاك حقوق الإنسان والظروف التي رافقت ارتكاب الجرائم والأسباب الكامنة وراءها، كما يعد ضروريا لإنصاف الضحايا وذويهم، وهو يكفل للضحايا التعويض العادل ويحقق للمجتمع الأساس نحو عدم تكرارها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة