القدس بين اليهودية والإسلام   
الاثنين 14/10/1437 هـ - الموافق 18/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 18:32 (مكة المكرمة)، 15:32 (غرينتش)


عرض/محمود الفطافطة

كثيرة هي الدراسات التي كتبها العرب والمسلمون عن مدينة القدس، والتي زخرت صفحاتها ببراهين الحق الفلسطيني والعربي والإسلامي في هذه المدينة المقدسة، ولكنها نادرا ما تهتم بمناقشة دعاوى اليهود والصهاينة والاستعمار الغربي حول "الحق" اليهودي في القدس، وأندر من ذلك أن تفند دعاوى هؤلاء الخصوم بالمنطق العقلي، والحجة والبرهان.

ومن أبرز الدراسات التي قامت بتفنيد جميع هذه الدعاوى بالمنطق والدليل دراسة المفكر الإسلامي د. محمد عمارة المعنونة بـ"القدس بين اليهودية والاسلام"، التي أكد فيها أن القدس إسلامية -هكذا كانت ولا تزال- وأنها لا علاقة لها بالدين اليهودي، ولا باليهود القدماء، فضلا عن الصهاينة المحدثين.

يناقش الكتاب، عبر تقديم قراءة متكاملة ومنطقية وجهة النظر اليهودية في القدس باعتبارها "يهودية" وليست إسلامية، مستعرضا الدعاوى الدينية والتحريفات التاريخية التي قامت بها الحركة الصهيونية واليهود على مر التاريخ لإثبات "أحقيتهم" بهذه المدينة دون أن يصلوا إلى شيء من ذلك. وفي المقابل يتتبع المؤلف وجهة النظر الإسلامية المؤكدة على إسلامية القدس وعروبتها، وأن السيادة الإسلامية على القدس ستعود يوما، لأن القدس جزء من عقيدة المسلمين، وهي ملك لهم، ومكان بارك الله ورسوله فيه.

-العنوان: القدس بين اليهودية والإسلام
-المؤلف: د. محمد عمارة
-الناشر: مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ـ القاهرة
-الطبعة: الأولى، 2016
عدد الصفحات: 176 صفحة

على خطى النازيين
يقول د.عمارة في مقدمة كتابه: "يبدو أن الصهيونية قد تعلمت من أعدائها النازيين فلسفتها في الدعاية والإعلام.. فالناظر في أكاذيبها حول "حقوقها" في القدس وفلسطين يجد أنها التطبيق الحرفي لفلسفة وزير الدعاية والإعلام في ألمانيا النازية (جوبلز) الذي كان شعاره: "اكذب، ثم اكذب، ثم اكذب، فإنك لا بد واجد من يصدقك".

وعلى هذا النحو، يسوق المؤلف جملة من المزاعم الصهيونية حول مدينة القدس نورد أبرزها. أولى هذه المزاعم ادعاء الصهيونية أن علاقتها بالقدس تعود إلى ثلاثة آلاف عام، عندما غزا الملك داود هذه المدينة في القرن العاشر قبل الميلاد. ويتناسى الصهاينة حقيقة أن القدس قد بناها العرب اليبوسيون في الألف الرابعة قبل الميلاد أي أن عمر عروبتها يزيد الآن على ستة آلاف عام، وأن الوجود العربي في هذه المدينة قد ظل متصلا عبر هذا التاريخ، بينما الوجود اليهودي بالقدس في عهدي داود وسليمان عليهما السلام لم يزيد على 415 عاما أي نصف عمر الوجود العربي الإسلامي في الأندلس!

أما ثاني هذه المزاعم، فيتمثل في اختلاق الصهيونية أن الرب قد وعد إبراهيم عليه السلام وذريته بأرض الميعاد، وأن اليهود هم ورثة هذا الوعد الإلهي. ويتناسى الصهاينة أن القدس عربية قبل دخول إبراهيم إلى أرض كنعان بأكثر من عشرين قرنا، وأن كتابهم (العهد القديم) يقول: إن هذه الأرض كانت أرض "غربة إبراهيم". أي أنه قد عاش فيها غريبا، وليس مالكا لها، كما يقول كتابهم: "إن إبراهيم في أواخر حياته قد اشترى من أهل هذه الأرض (العرب الكنعانيين) قبرا يدفن فيه زوجته (سارة) (سفر التكوين 23:1 ـ 20)، أي أنه حتى أواخر حياته لم يكن يملك في هذه الأرض شيئا حتى مكان قبر!

ويتناسى الصهاينة كذلك أن نصوص هذا "الوعد" في كتابهم ينقض بعضها بعضا.. فالوعد مرة بأرض كنعان (سفر التكوين 17: 3، 5، 8)، ومرة بالمساحة التي تبصرها عيون إبراهيم (التكوين 13: 14، 15)، ومرة بما بين النيل والفرات (التكوين 35: 12)، وهذه التناقضات تنسف هذا الادعاء من الأساس.

إعادة رسم الخرائط
وإلى جانب ذلك فإن سعي الصهاينة إلى تهويد القدس، وهدم المسجد الأقصى يدفعهم للحديث عن إعادة بناء المعبد (الهيكل) الذي بناه سليمان عليه السلام للرب في القرن العاشر قبل الميلاد، وهو المعبد الذي يريدون إقامته على أنقاض الحرم القدسي المبارك!

video

وفي تفنيد هذا الادعاء يؤكد عمارة أنه منذ احتلال الصهاينة للقدس سنة 1967 وهم يقلبون باطن الأرض بالحفريات والأنفاق تحت الحرم القدسي وحوله ولم يجدوا حجرا واحدا يُثبت أنه قد كان في هذا المكان معبد يهودي في يوم من الأيام. ثم على فرض أنه كان لهم معبد في القدس في غابر الأزمان، فهل يمكن أن يُعاد رسم خرائط الدول وحدودها، وملكيات الشعوب والجماعات البشرية بناءً على ما كان لأجدادها القدماء من معابد في بعض الأماكن!

فلقد بنى الملك الفارسي قمبيز (529 ـــ 522 ق.م) بمصر معابد عندما غزاها، فهل يأتي الفرس اليوم لاحتلال مصر بحجة أن ملكهم قد بنى فيها معابد لعبادة النار في ذلك الزمن القديم؟! كما بنى الإسكندر الأكبر (356 ـــ 323 ق.م) وخلفاؤه بمصر والشرق معابد على امتداد احتلالهم الذي دام عشرة قرون، فهل يأتي اليونان والرومان لاحتلال مصر والشرق الآن لاستعادة أماكن المعابد التي بناها أجدادهم في القرن الرابع قبل الميلاد!

وكذلك بنى العرب والمسلمون بالأندلس على امتداد ثمانية قرون المساجد والآثار الباقية حتى الآن، فهل نذهب لاحتلال إسبانيا لإعادة هذا التاريخ؟! ولقد كان لليهود بالأندلس المسلمة معابد طويت صفحتها مع خروجهم منها مع العرب فلم لا يطلبون من الإسبان استعادة هذه المعابد، والاستيلاء على أماكنها!

ثم إن سليمان عليه السلام الذي يزعم الصهاينة أنه قد بنى لله معبدا في القدس في القرن العاشر قبل الميلاد هو في عقيدتهم التي يتحدث عنها كتابهم (العهد القديم) "زير نساء" و"عابد أوثان" -كبرت كلمة تخرج من أفواههم- فهل زير النساء وعابد الأوثان وباني النصب لعبادتها من دون الله، الذي لم يحفظ عهد الرب وفرائضه -كما يقول كتاب اليهود- هو باني بيت الله الذي يريد الصهاينة إقامته على أنقاض الحرم القدسي الشريف!

وإذا كان كتابهم يقول إن مملكة سليمان -كل المملكة- قد تمزقت بغضب من الله، فكيف يسعى الصهاينة لإعادة وإحياء ما مزقه الله؟ وهل في ذلك إيمان منهم بربهم؟

video

تلك بعض الأكاذيب التي يروجها الصهاينة عبر الإعلام، ويخدعون بها ضحاياهم، وذلك حتى يقع في حبائلها الجهلاء. وإذا كان المنهج الإسلامي يُعلمنا مجابهة الأكاذيب بالحقائق، فإن هذا الكتاب هو إسهام متميز في دحض الأكاذيب الصهيونية حول القدس وفلسطين، وفي إبراز مكانة الحرم القدسي، ومدينة القدس، والأرض التي بارك الله فيها وحولها.

حائط للنواح فقط
وفي السياق ذاته يتطرق المؤلف للحديث عن حائط البراق؛ ليوضح أن معظم التقارير والدراسات تؤكد أن ما تسميه إسرائيل "حائط المبكى" هو جزء لا يتجزأ من الحرم الشريف، وليس فيه حجر واحد يعود إلى عهد الملك سليمان، وطوال فترة الحكم الإسلامي للقدس لم يدّع اليهود يوما أي حق في الحائط، بل كانوا قانعين بالذهاب إليه للنواح حينا بعد آخر، وراضين بالتأكيدات التي أُعطيت لهم بأن العرب المتسامحين لن يتعرضوا لهم.

ويشير الكتاب إلى أن تقديس الحائط آت من أنه محل البراق، حيث نزل فيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومر به، ثم ربط براقه في الحائط نفسه ليلة الإسراء، وأن وعد بلفور هو الذي حرض اليهود على تقديم مطالب لم يحلموا بها فيما مضى وصولا إلى احتلال القدس والاستيلاء على الحائط وسواه.

وبهذا فإن كتاب عمارة يسلك المنهج القرآني في التعامل مع دعاوى الخصوم، القائم على عدم تجاهل ادعاءاتهم، أو مصادرة أقوالهم، بل الرد عليها بالمجادلة بالتي هي أحسن، والحوار بالمنطق والحجة الدامغة. وعلى هذا الأساس نجح عمارة في تفنيد ادعاءات اليهود ومسانديهم في الأحقية بالقدس وجودًا وتملكا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة