الأزمة المالية العالمية وخرافة السوق الكفء   
الخميس 1431/1/22 هـ - الموافق 7/1/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:35 (مكة المكرمة)، 13:35 (غرينتش)
 

عرض/عبد الحافظ الصاوي
لا تزال الأزمة المالية العالمية تلقي بظلالها السلبية على مقدرات الاقتصاد العالمي، على الرغم من بعض التقديرات المتفائلة بانقشاع أسبابها، وتظل الكتابات الخاصة بالأزمة تتعلق في جانب كبير منها بالرصد والتوصيف وقليل من التحليل.

 

-الكتاب: الأزمة المالية العالمية وخرافة السوق الكفء
-المؤلف: جورج كوبر
-المترجم: محمود عبد الجواد
-عدد الصفحات: 200
-الناشر: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع
-الطبعة: الأولى/نوفمبر 2009

بينما كتاب "الأزمة المالية العالمية وخرافة السوق الكفء" نحا طريقا آخر لتفسير واحدة من الأسباب النظرية الخاطئة –من وجهة نظره– التي تسببت في وقوع هذه الأزمة، فناقش الأسس النظرية لفكرة "السوق الكفء" مدللا على فشلها من خلال الواقع الاقتصادي المعيش.
  
أتى الكتاب في تسعة فصول، اشتملت على المقدمة والملاحظات الختامية، وهو يركز على مدار فصوله التسعة على أن السياسة الاقتصادية التي تبنتها البلدان الغربية خلال الفترة الماضية قامت على أساس فرضية ثبت خطأها على مدى عقود مضت، وهذه الفرضية هي "السوق الكفء".

 

ويذكر المؤلف أنه على الرغم من أن القراءة التاريخية للأزمات الاقتصادية الرأسمالية تبين هذا بوضوح وأن هذه الفرضية تم اختبارها من خلال أزمة الكساد الكبير وردت عليها كتابات الاقتصادي الإنجليزي كينز، فإن أسواق المال العالمية وسياسات البنوك المركزية لم تقتنع بخطأ هذه الفرضية، وتبنتها في بناء سياساتها الاقتصادية، واعتبرت أن الفقعات في أسواق المال والعقارات إنما تعبر عن الأسعار الحقيقية للأصول.

 

وهو ما أدى إلى وقوع الأزمة المالية العالمية، ويستنكر المؤلف حالة الازدواجية لدى البنوك المركزية في البلدان الرأسمالية، ففي الوقت الذي تؤمن فيه بخرافة "السوق الكفء" تتدخل بخطط الإنقاذ بعد وقوع الأزمة المالية العالمية، وكان الأجدر بها إذا كانت تؤمن بوجود "السوق الكفء" ألا تتدخل، بناء على أن السوق يصحح نفسه.

 

كما يذهب المؤلف إلى أن خبراء البنوك المركزية المعنيين بإدارة المخاطر يخدعون أنفسهم، فوجود السوق الكفء يعني أن وظائفهم لا معنى لها، فالسوق يصحح نفسه بنفسه. ويصف المؤلف موقف هذه البنوك المركزية بالبراغماتية، فهي ليبرالية في أوقات الرواج واشتراكية في أوقات الأزمات.

 

ولا يترك الكتاب قارئه وسط اصطلاحات اقتصادية غامضة، بل يتطرق إلى استطراد تاريخي للعديد من هذه المصطلحات وكيف تطورت وما هي وظيفتها الاقتصادية العملية، وهو ما نلاحظه على سبيل المثال لا الحصر بشكل واضح فيما يتعلق بالنقود ووظيفتها وتطورها، وكذلك البنوك المركزية والأدوار المنوطة بها.

 

وقد حرص المؤلف على هذه السمة لكتابه بسبب أنه يتوجه به للقارئ غير المتخصص. كما يتميز المؤلف بوجود خبرة عملية لعدة سنوات في أسواق المال كمحلل مالي، وكذلك عمله في بعض المصارف، مما مكنه من تقديم رؤية شاملة لمكونات النظام المالي.

 

مبررات خرافة السوق الكفء

"
حينما أرادت البنوك المركزية والتجارية أن تحدّ من التوسع الائتماني كانت النتيجة فقاعات الأصول وانهيار الأسواق، ولم يجد أصحاب الأصول سوى ثمن بخس لا يعوضهم عن ثرواتهم المفقودة
"

تعتمد فرضية كفاءة الأسواق على أن الأسواق تتحرك بشكل طبيعي فقط تجاه التوازن، وبعد الوصول إلى حالة التوازن تظل في حالة ساكنة على هذا الوضع، إلى أن تأتي عوامل خارجية غير متوقعة فتؤثر في هذا التوازن، ولكن السوق تعمل من خلال آلياتها إلى عودة الاستقرار مرة أخرى، واستبعاد أثر هذه العوامل الخارجية.

 

ويوضح المؤلف أن الخطأ العلمي الذي بنيت عليه هذه الفرضية أنه عمم ما يخص السلع الاستهلاكية على أسواق عوامل الإنتاج (العمالة والأراضي ورأس المال)، في حين أن الأخيرة لها آلياتها المختلفة. واستدل على ذلك بعدة صور منها: سوق السلع التفاخرية الذي تتزايد فيه الأسعار بناء على زيادة الطلب بدلا من أن تنخفض حسب المعطيات الاقتصادية السليمة، وكذلك سوق الأوراق المالية الذي ترتفع فيه الأسعار في ظل زيادة الطلب، وكذلك الحالة في أسواق النفط، إذا ما قرر المشترون عدم زيادة حصتهم بسبب ارتفاع الأسعار، فيستغل المضاربون هذا السلوك ويزيدون من حصة مشترياتهم.

 

ويفضل المؤلف تبني توصيف الأسواق في ظل الاقتصاد الرأسمالي، على أنها في حالة عدم استقرار مالي بطبيعتها، لذلك فهي تدور في حلقات الركود والرواج، وأن دور البنوك المركزية هو تحقيق التوازن الطويل الأجل من خلال ضبط آلية خلق الائتمان.

 

ويرصد المؤلف خطأ السياسات الائتمانية التي أدت إلى الأزمة المالية العالمية في حالة التوسع الائتماني من قبل البنوك المركزية والتجارية، مما زاد من وجود ارتفاع غير مبرر في أسواق الأوراق المالية، وحينما أردت أن تحد من هذا التوسع الائتماني كانت النتيجة فقاعات الأصول وانهيار الأسواق، ولم يجد أصحاب الأصول سوى ثمن بخس لا يعوضهم عن ثرواتهم المفقودة، أو يمكنهم من سداد ديونهم، أو شراء أصول جديدة يمكن إعادة تدويرها.

 

الخلاف الأميركي الأوروبي

"
المجلس الاحتياطي الفدرالي في أميركا يتعامل مع مسألة زيادة التوسع الائتماني على أنها مسألة طبيعية ولا يمكنه التدخل فيها، بينما البنك المركزي بالاتحاد الأوروبي يرى أن دوره ينحصر في محاربة الزيادة في التوسع الائتماني المبالغ فيه
"

يشير المؤلف إلى الدور المختلف للمجلس الاحتياطي الفدرالي في أميركا والبنك المركزي بالاتحاد الأوروبي، والمرتكز الفكري الذي ينطلق منه كلاهما، فالأول يتعامل مع مسألة زيادة التوسع الائتماني على أنها مسألة طبيعية ولا يمكنه التدخل فيها، بينما يلعب دوره فقط في حالة الانكماش، بمعنى أن دوره ينحصر في التعامل بعد وقوع الأزمة الناتجة عن فقاعات الأصول بأسواق المال أو غيرها، بينما البنك المركزي الأوروبي يرى أن زيادة المعروض النقدي تتماشى مع زيادة التوسع الائتماني، وكذلك زيادة التضخم في أسعار الأصول، بمعنى أن دوره ينحصر في محاربة الزيادة في التوسع الائتماني المبالغ فيه.

 

ويبين الكتاب حالة الشطط لدى بعض الاقتصاديين المؤيدين لفكرة "السوق الكفء" -ومنهم المفكر الاقتصادي الأميركي فريدمان الذي توفي عام 2006 ويعد أحد رموز المدرسة النقدية– تجاه وجود البنوك المركزية وأهمية دورها، حيث يذهبون إلى عدم جدوى وجود هذه البنوك، وأن السوق قادرة على تحقيق توازنها دون تدخل من جانب هذه البنوك.

 

بينما يؤيد المؤلف مقولة الاجتماعي الأميركي ويل روجرز بأن البنوك المركزية ضمن ثلاثة اختراعات عظيمة منذ فجر التاريخ وهي: النار والعجلة والبنوك المركزية. ومع ذلك يركز المؤلف على التحدي الذي توضع فيه البنوك المركزية من حيث إمكانية المواءمة بين السياستين النقدية والمالية. ففي الوقت الذي قد ترى فيه البنوك المركزية تبني سياسة نقدية انكماشية للجم التضخم، ووجود دورة اقتصادية انكماشية قصيرة لإحداث توازن اقتصادي عام وعدم وجود فقاعات في الأصول، تواجه هذه البنوك بضغوط الموازنة العامة، حيث يطالب السياسيون بتبني سياسة توسعية في الإنفاق العام، لإرضاء ناخبيهم من خلال تقديم الخدمات ورفع معدلات التشغيل.

 

اقتصاد الواقع
بعد أن فند المؤلف أخطاء فرضية السوق الكفء في بناء سياسة نقدية وائتمانية، أوضح أن بناء نظام اقتصادي أكثر استقرارا يمكن أن يتحقق من خلال تفهم كيف يعمل النظام المالي في الواقع وليس حسب ما يود الأكاديميون أن يكون عليه الوضع، وأن المنهج العلمي يوجب علينا أن نعدل النظريات العلمية لتتماشى مع الواقع، وليس العكس، وعندما تفشل النظريات العلمية –مثل السوق الكفء- في تفسير الواقع واجتياز الاختبارات الأساسية ينبغي وضعها جانبا دون أدنى اهتمام.

 

"
بناء نظام اقتصادي أكثر استقرارا يمكن أن يتحقق من خلال تفهم كيف يعمل النظام المالي في الواقع وليس حسب ما يودّ الأكاديميون أن يكون عليه الوضع, لأن المنهج العلمي يوجب علينا أن نعدل النظريات العلمية لتتماشى مع الواقع وليس العكس
"

كما يشير المؤلف إلى أن من أهم الدروس المستفادة من الأزمة المالية هو وجود سياسة نقدية متزنة، لا تخضع لأهواء الساسة ولا للقطاع الخاص، حيث لا يتم التوسع غير المبرر في خلق الائتمان لاستمرار حالات الرواج، ينتج عنها وجود عدد كبير من الفقعات في قيمة الأصول الاقتصادية والمالية للمجتمع، ولا التقيد الشديد في الائتمان الذي تنتج عنه حالات انكماش تؤدي إلى خنق الأداء الاقتصادي.

 

بل قد يكون من المناسب أن يتبع البنك المركزي إحداث صدمات ائتمانية سريعة وقصيرة الأجل لإحداث التوازن المطلوب، مع الأخذ في الاعتبار أن الحالات المثالية لتوفر المعلومات عن السوق لكافة المتعاملين فيه أمر غير حقيقي أثبته الواقع، وأزمة الرهن العقاري  بالسوق الأميركية -التي كانت سببا في تفجر الأزمة المالية العالمية-  خير دليل على عدم شفافية المعلومات بهذا السوق، فالمستشار المالي للمقترضين كان هو من يقدم لهم القروض ويزين لهم التورط في ديون لا يستطيعون أداءها أو تفوق إمكانياتهم.

 

من يحمل وزر وقوع الأزمة المالية العالمية؟

في صفحات الكتاب الأخيرة يرى الكاتب أن وزر وقوع هذه الأزمة يقع بشكل رئيسي على ثلاث جهات، هي: السياسة النقدية المتبعة من خلال المجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي الذي لعب دورا كبيرا في احتضان الأزمة، وكذلك السياسة النقدية لليابان من خلال الاستمرار ثلاث عشر سنة بسعر فائدة صفر، مما نتج عنه توسع غير مسبوق في الائتمان.

 

وأخيرا يحمل المؤلف المجتمع الأكاديمي جانبا مهما من أسباب وقوع هذه الأزمة بسبب الترويج المستمر لنظريات معيبة حول "السوق الكفء" التي تحكم نفسها بنفسها، على الرغم من وجود أدلة دامغة على فشل هذه النظريات في أرض الواقع.

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة