عالم آخر ممكن   
الخميس 1429/10/10 هـ - الموافق 9/10/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:14 (مكة المكرمة)، 7:14 (غرينتش)

عرض/بدر محمد بدر
مع التقدم السريع للعولمة, وتواصل نمو المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي وغيرها, بدا العجز الديمقراطي في أدائها واضحا.

وإذا كان على البشرية في القرن الحادي والعشرين الاستمرار في الالتزام بالقيم الديمقراطية الحقيقية, فإنه يتعين مناقشة ذلك العجز على المستوى الدولي, وهذا هو محور الكتاب الذي نعرض له في هذه المساحة.

- الكتاب: عالم آخر ممكن
- المؤلفان: هيكي باتوماكي وتيفو تيفاينين
- المترجم: محمد علي فرج
- الصفحات: 308
- الناشر: المركز القومي للترجمة, القاهرة
- الطبعة، الأولى/2008

ولا يكتفي المؤلفان باستعراض أهم المشكلات الديمقراطية في أداء المؤسسات العالمية في الجزء الأول من الكتاب, بل يقدمان في الجزء الثاني مقترحات وحلولا عملية للخروج من هذه الأزمة, حتى وإن بدا بعضها خياليا أو غير قابل للتطبيق.

وفي الصفحات الأولى يناقش المؤلفان الأسباب التي تجعل من الأمم المتحدة, وهي كبرى المؤسسات العالمية, منظمة غير ديمقراطية, وعلى رأسها حق النقض (الفيتو), ثم هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على العالم.

وبالنسبة للنقطة الأولى يشير الكتاب إلى أن منظمة الأمم المتحدة أصبحت في مأزق بحلول عقد السبعينيات من القرن العشرين بسبب كثرة استخدام حق النقض من جانب الدول الخمس الدائمة العضوية, وبالتالي أصبح من المستحيل عمليا أن تحقق أي تقدم في المشكلات العالقة بين الشرق والغرب.

ومع ازدياد عمليات التحرر من الاستعمار, أصبحت دول الجنوب تشكل أغلبية بين أعضاء الأمم المتحدة، وبدأت تدعو إلى نظام اقتصادي عالمي جديد أكثر عدالة, لكن غالبية الدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة لم تقبل تلك الدعوة مطلقا, بل كانت تتم عرقلة أي خطوة إلى الأمام في هذا الاتجاه.

هيمنة الولايات المتحدة
لكن التهديد الأخطر وقع سنة 1985 عندما أصدر الكونغرس الأميركي قانونا ينص على أن الولايات المتحدة لن تدفع أكثر من 20% من الميزانيات السنوية لأي منظمة تابعة للأمم المتحدة, إذا لم يكن لصوتها ثقل في الأمور المتعلقة بالميزانية, كما كان هناك شرط ضمني آخر يتمثل في توجيه مناقشات الأمم المتحدة وسياساتها نحو موقف أكثر موالاة للولايات المتحدة (ولإسرائيل).

"
ابتزاز المال من جانب الولايات المتحدة غير الكثير من ممارسات الأمم المتحدة, وتبعتها في ذلك دول عديدة أخرى رفضت دفع أنصبتها في الوقت المحدد
"
وبالتالي أسفر ابتزاز المال من جانب الولايات المتحدة -كما يقول المؤلفان- عن تغيير الكثير من ممارسات الأمم المتحدة, وتبعت الولايات المتحدة في ذلك دول عديدة أخرى رفضت دفع أنصبتها في الوقت المحدد.

ويعد مجلس الأمن أقوى الأجهزة التابعة للأمم المتحدة, باعتبار أن لديه القدرة على اتخاذ قرارات ملزمة للدول الأعضاء, أو فرض عقوبات عليها, لكن آلية الإنفاذ القانونية تظل غير مؤسسية, وربما مبهمة في حالتها القانونية.

ومع ذلك فإن الصراعات بشأن مستقبل الأمم المتحدة تتركز في أغلب الأحيان على صلاحيات مجلس الأمن, كما أصبحت حقوق النقض وقواعد العضوية غير الديمقراطية التي تفرق بين "القوى العظمى" والدول الأخرى, أهدافا للعديد من مقترحات إصلاح الأمم المتحدة.

ويتفق المؤلفان على أهمية مقترحات إلغاء العضوية الدائمة أو حق استخدام الفيتو تدريجيا, لكن المشكلة أن ذلك يحتاج أيضا إلى موافقة الدول الخمس الدائمة العضوية, وليس من المتوقع، في القريب العاجل على الأقل، أن توافق هذه الدول في آن واحد على التخلي عن العضوية الدائمة أو حق النقض.

وهناك اقتراح يقول بوضع مجلس الأمن تحت إشراف أكثر فاعلية من جانب الجمعية العامة, أي أن يكون هذا المجلس أكثر خضوعا للمحاسبة من الجمعية العامة, وسوف يمثل تعزيز دور الجمعية في مواجهة مجلس الأمن تحسنا في إطار معايير الديمقراطية، لكن الجمعية العامة أصبحت أضعف خلال ربع القرن الأخير من خلال إستراتيجية متعمدة وتغيرات هيكلية في الاقتصاد العالمي.

ورغم أن ميثاق الأمم المتحدة يؤكد أن الجمعية العامة هي الكيان المركزي للأمم المتحدة وأن لها سيطرة على مؤسسات عديدة أخرى منها مجلس الأمن والبنك الدولي, فإن الجمعية العامة تم تهميشها عمليا, وأصبح هذا التهميش مركبا في التسعينيات بعد أن أصبحت دول عديدة من مجموعة الـ77 أكثر انصياعا للولايات المتحدة, وبالتالي لم تعد الجمعية العامة قادرة أو بالأحرى راغبة في طرح أي تحديات جوهرية للنظام العالمي القائم.

ويقترح الكتاب "مجلس شعب" يكون تابعا للأمم المتحدة يعتمد على مبادئ ديمقراطية تكاملية ويعمل بالتوازي مع الجمعية العامة, ويعكس الحقائق الديمقراطية للدول المختلفة, وذلك بهدف معالجة مشكلات المساواة الرسمية بين الدول في الجمعية العامة, على أن يتم اختيار ممثلي مجلس الشعب التابع للأمم المتحدة عن طريق انتخابات عالمية مباشرة.

ومع ذلك فإن معظم الاقتراحات لا تضع لهذا المجلس سلطات تشريعية, بل هو منتدى للنقاش والمراجعة.

ويناقش الكتاب اقتراحا آخر لإيجاد مصادر تمويل جديدة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى لا تعتمد مباشرة على إرادة دول معينة, بل هي ضرائب دولية, مثل الضرائب على مبيعات الأسلحة الدولية وعلى السفر وعلى التلوث وعلى تداول العملات وعلى إيرادات الحفر بغرض التعدين في قاع البحار.. إلخ, والهدف هو تخفيف ضغوط الدول الكبرى على هذه المنظمات عبر البعد المالي.

"
معظم مقترحات إصلاح الأمم المتحدة تبدو صعبة التطبيق إن لم تكن مستحيلة باعتبار أن الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن لها الحق في نقض أي تعديل أو مراجعة لميثاق المنظمة
"
مقترحات صعبة
ويقر المؤلفان بأن معظم مقترحات إصلاح الأمم المتحدة تبدو صعبة التطبيق إن لم تكن مستحيلة باعتبار أن الدول الخمس الدائمة العضوية لها حق نقض أي تعديل أو مراجعة لميثاق المنظمة.

وبالتالي فإن إصلاحات مجلس الأمن أو الجمعية العامة تواجه نفس المصير, بسبب هيمنة الولايات المتحدة على منظومة الأمم المتحدة, لا من خلال حق النقض فحسب, ولكن أيضا بسبب الشروط التي تضعها للتمويل، فهي تستخدم مواردها سلاحا للتفاوض داخل المنظمة, فضلا عن أن وجود مقر المنظمة الدولية في نيويورك يجعل العاملين فيها سريعي التأثر بالإعلام والرأي العام الأميركي.

وقد يكون إصلاح المجلس الاقتصادي الاجتماعي أقل صعوبة, غير أن عدم توافر الإرادة السياسية والمال يعطلان هذا الخيار.

وهناك الكثير من دول المجلس الاقتصادي الاجتماعي يدعم إجراء بعض الإصلاحات في سياسات منظمة التجارة العالمية وممارساتها, إلا أن المشكلة الأعمق تكمن في أن منظمة التجارة أصبحت برنامجا سياسيا محسوبا على الليبرالية الجديدة, وهذا البرنامج يكبل أي حكومة مستقبلية في أي من الدول الأعضاء.

وفي الجزء الثاني من الكتاب يناقش المؤلفان مقترحات إنشاء نظم مؤسسية جديدة وعلى رأسها تقوية المجتمع المدني العالمي الذي يمكن النظر إليه كمجموعة من القوى الاجتماعية تناضل من أجل مواجهة الهيمنة الرأسمالية, وجعل الأنظمة الاقتصادية ديمقراطية.

ويعد المنتدى الاجتماعي العالمي أول محاولة جادة لتنظيم القوى السياسية للمجتمع المدني العالمي وجمعها في مكان واحد, ورغم عدم التأكد من إمكانية تحول المنتدى الاجتماعي العالمي مستقبلا إلى كيان سياسي أكثر نشاطا يتمتع بآليات حشد إرادة داخلية أكثر وضوحا, فإن التأثير الأهم للمنتدى فيما يختص بالمشاريع الديمقراطية قد ظهر في العديد من النقاشات والصدامات بين نشطاء الجماعات المختلفة الموجودة في إطاره.

وجغرافيا فإن معظم المشاركين في المنتدى جاؤوا من دول أميركا الجنوبية ومن جنوب أوروبا.

تقصي الحقائق
ويتحدث الكتاب عن مقترح آخر لتشكيل "لجنة تقصي الحقائق العالمية" يكون هدفها محاكمة منتهكي حقوق الإنسان قضائيا. وحيثما لا يتمكن القضاء المحلي من تقديم أمثال هؤلاء إلى العدالة, يمكن لهذه اللجنة أن تفعل ذلك.

وإحدى المهام الرئيسية للجان القومية لتقصي الحقائق هي الإعداد للمقترحات اللازمة للتغيير في البلاد التي تنشأ فيها هذه اللجان, كما تستطيع أن تلعب دورا في تقديم اقتراحات لتغييرات في نظام الحكم العالمي.

وفي إطار إستراتيجية شاملة بشأن الإصلاحات الديمقراطية في العالم, ينبغي عدم النظر إلى لجان تقصي الحقائق العالمية أو المؤسسات المشابهة في إطار معزول أو منفصل.

ويناقش الكتاب أيضا فكرة إنشاء برلمان دولي يتم اختيار ممثليه على قاعدة "شخص واحد، صوت واحد", ويمكن أن يكون هذا البرلمان مستقلا نوعا ما عن الأمم المتحدة باعتباره جمعية عالمية مستقلة للشعوب الديمقراطية منتخبة مباشرة من قبلهم وخاضعة لمحاسبتهم كذلك.

لكن إحدى المخاوف هي أن يؤدي هذا الاقتراح إلى إيجاد نظام شديد المركزية يقوم بموجبه جهاز الدولة العالمي بإملاء ما يجب عمله على شعوب العالم.

"
العقبة الرئيسية أمام معظم الإصلاحات العالمية المطلوبة للمنظمات الدولية هي في معارضة الولايات المتحدة القوية لها وإرادتها المسيطرة
"
بل إن المخاوف حقيقية من أن الفاعلين المهيمنين مثل حكومة الولايات المتحدة أو المؤسسات العابرة للحدود القومية, يمكن أن يواصلوا استخدام المؤسسات الجديدة كأدوات للسيطرة, وبذلك فإن تسليم السلطة لأي مؤسسة عالمية جديدة سيقود حتما إلى تقليص احتمالات وجود سياسات ديمقراطية.

ويشير الكتاب إلى أن الدين الأجنبي يمثل أحد المعوقات الأساسية على طريق حشد الإرادة الديمقراطية في معظم أنحاء العالم, وبخاصة خارج مجتمعات غرب أوربا وأميركا الشمالية.

وقد وصل إجمالي ديون بعض دول الجنوب قبل عشر سنوات في العام 1997 إلى نحو ألفي مليار دولار.

وحتى لو كرست هذه الدول المدينة جزءا كبيرا من مواردها الضئيلة لخدمة الديون, فإن حجم الديون سوف يتصاعد, ومن هنا يبدو أن إنشاء آلية تحكيم ملزمة وقانونية للدين, ربما يكون الطريق الأكثر معقولية الآن من الناحية السياسية والممكن تطبيقها في المستقبل لحل قضايا الديون الخارجية.

ضرائب عالمية
ويناقش الكتاب كذلك فكرة الحق في فرض ضرائب على السلع العالمية وتنظيم وتحويل عائداتها, مثل فرض ضريبة على التلوث وبخاصة ضريبة كربون عالمية, وأخرى على المبيعات العالمية للأسلحة, وهكذا.

والهدف من ذلك هو البحث عن مصادر تمويل على مستوى العالم للمنظمات الدولية بعيدا عن سطوة الأنظمة السياسية خاصة المهيمنة, وأيضا توفير الموارد لعلاج بعض الاختلالات أو الأزمات الاقتصادية العالمية.

وفي الختام يقر المؤلفان بأن العقبة الرئيسية أمام معظم الإصلاحات العالمية المطلوبة للمنظمات الدولية هي في معارضة الولايات المتحدة القوية لها وإرادتها المسيطرة، كما أن هناك دولا أخرى كثيرة تتذرع بأسباب ما لمعارضة الإصلاحات الديمقراطية.

والحل الوحيد -كما يرى المؤلفان- هو التقدم إلى الأمام والمضي دون مشاركة بعض الدول, ومن الممكن أن يتغير الإطار السياسي العالمي عبر معالجة الأوجه المهمة لقوة التمويل وإنشاء منتدى ديمقراطي ومصادر عامة أخرى للتمويل.

وسوف تكون إصلاحات الأمم المتحدة أكثر تحققا بمجرد أن تصبح مصادر تمويل المنظمة مؤسسية, وكذلك فإن الإصلاحات الجزئية يمكن أن تفتح الباب أمام المزيد من التحولات الديمقراطية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة