تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية 2008   
الخميس 18/4/1429 هـ - الموافق 24/4/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:43 (مكة المكرمة)، 7:43 (غرينتش)

عرض/ كمال حبيب
هذا هو العدد الثامن من "تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية" الذي يصدره مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، ويتضمن ثلاثة أقسام رئيسية هي الاقتصاد الدولي والاقتصاد العربي والاقتصاد المصري، فضلا عن تصدير أسماه رؤية بعنوان "رؤية لتطوير العمل الاقتصادي العربي المشترك" للسفير سعد الفرارجي.

- الكتاب: تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية 2008
- المؤلف: مجموعة باحثين
- الصفحات: 353
- الناشر: مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
- النشر: يناير/ كانون الثاني 2008

وفي هذه الرؤية ينوه الفرارجي بقرار القمة العربية بالرياض عام 2007 عقد قمة عربية للشؤون الاقتصادية والتنموية والاجتماعية "وإعلان قمة مجلس التعاون لدول الخليج عن انطلاق" السوق الخليجية المشتركة" فيما بينها اعتباراً من أول يناير/ كانون الثاني 2008.

وأشار بشكل خاص إلى أن الإرادة السياسية والتزام الدول العربية بجدوى وضرورة العمل الاقتصادي المشترك أهم المدخلات، كما أن البدائل الأخرى للتنمية مثل الشرق الأوسط الكبير وآلية برشلونة للتعاون الأورومتوسطي والتعاون الاقتصادي الإقليمي بمشاركة إسرائيل نتائجها لا تقارن بالتعاون العربي المشترك.

وناقش الإمكانات والتحديات والفرص لتعاون اقتصادي عربي وانتهى إلى ضرورة صياغة رؤية عربية عصرية للتكامل العربي تؤكد أن هوية الإقليم العربي تقوم على المصالح والأهداف المشتركة في إطار رؤية متفق عليها للتنمية وليست مقصورة فقط على اللغة والثقافة والعرق.

المنظور المصري للتقرير كان حاضراً بقوة في ثنايا معالجات التقرير وذلك بسبب التحولات الكبيرة والخطيرة التي يواجهها الاقتصاد المصري.

الاقتصاد الدولي
ناقش هذا الجزء من التقرير حالة النمو في الاقتصاد العالمي وذكر أن روافعها الرئيسية في الصين والهند وشرق آسيا وروسيا والدول المصدرة للنفط، أما في الدول الصناعية المتقدمة وعلى رأسها أميركا فإن حالة النمو هشة ويمكن أن تتعرض لانهيارات مفاجئة.

وأشار إلى احتمال أن يكون انخفاض سعر الدولار جزء من آلية تآمرية لتخفيض القيمة الحقيقية لإيرادات الدول المصدرة للنفط، وهو ما دفع صندوق النقد العربي لدعوة دول الخليج إلى فك ارتباط عملاتها بالدولار عملة تسعير النفط العربي.

وتمثل التكلفة الباهظة للاحتلال الأميركي للعراق أحد أسباب تراجع الدولار وتراجع مؤشرات أداء الاقتصاد الأميركي، خاصة العجز الهائل في الموازنة الأميركية.

كما أن السلطات النقدية في أميركا كانت راغبة في تراجع الدولار مقابل العملات الحرة الرئيسية لتحسين القدرة التنافسية للصادرات الأميركية، وهو ما أدى إلى تراجع العجز التجاري الأميركي الذي يبقي عجزا هائلا (806.4 مليارات دولار) لو تعرضت له أي دولة أخرى كبرى أو صغرى لأعلنت إفلاسها.

ويوصي التقرير يضرورة فك الارتباط بين العملات العربية والدولار وربطها بوحدة حقوق السحب الخاصة الأكثر استقرارا وملاءمة لاستقرار حركة التجارة الخارجية العربية.

وأوضح أن الخصخصة لا تعني تراجع دور الدولة في توجيه السياسات العامة الاقتصادية التي تحدد ملامح مناخ الاستثمار ومجمل البيئة الاقتصادية بما في ذلك توجيه الإنفاق العام لصالح الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل.

وعرج على الاقتصاد الإسرائيلي لينبه إلى أنه قام على تيار هائل من المساعدات المالية من دول الغرب ومن أثرياء اليهود خاصة من ألمانيا وأميركا، وهي مساعدات لم تحظ بعشرها أي دولة في العالم على مدار التاريخ.

ولا تزال إسرائيل تتلقى منحاً وتحويلات سنوية لا ترد تتراوح بين ستة وسبعة مليارات دولار سنويا، ولذا فهي تمتلك اقتصاداً من أكبر اقتصادات المنطقة، ويدرجه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ضمن الاقتصادات الصناعية المتقدمة.

وتشير بيانات الاقتصاد الإسرائيلي إلى تحسن قوي خلال السنوات الأربع الماضية، بيد أن حجم الناتج المحلي الإجمالي العربي يزيد عشرة أضعاف على نظيره الإسرائيلي، ولو وجدت إرادة سياسية عربية لتوسيع نطاق الخيارات العسكرية والسياسية تجاه إسرائيل فإن القوة الاقتصادية العربية كافية لتمويل تلك الخيارات.

"
المدخرات النفطية العربية الهائلة بحاجة إلى تمويل استثمارات جديدة صناعية تحويلية وزراعية وخدمية لتنويع الاقتصاد وتأسيس قدرة على النمو المتواصل بغض النظر عن حركة أسعار النفط
"
الاقتصاد العربي
تسيطر على هيكل الاقتصاد العربي الصناعات الاستخراجية الأولية كالنفط والغاز والزراعة، ولذا فإن الناتج المحلي الإجمالي للبلدان العربية يتسم بالتذبذب.

ورغم وجود اختلافات كبيرة بين الاقتصادات العربية فإنها جميعا تظل ضمن الدول النامية والأقل نموا، كما أن التحسن في الناتج المحلي الإجمالي العربي يبقى هشاً لارتباطه الوثيق بحركة أسعار النفط.

لذا فإن المدخرات النفطية العربية الهائلة بحاجة إلى تمويل استثمارات جديدة صناعية تحويلية وزراعية وخدمية لتنويع الاقتصاد وتأسيس قدرة على النمو المتواصل بغض النظر عن حركة أسعار النفط.

وشهدت معدلات التضخم تحركات مختلفة الاتجاه من دولة عربية لأخرى، لكن اعتبارات العدالة في توزيع الدخول ضعيفة في كل البلدان العربية.

وبالنسبة لما أطلق عليه التقرير "الأهداف التنموية للألفية في المنطقة العربية" فإن 62% من سكان الدول العربية يعانون من انتشار مرتفع في الفقر البشري الذي يعني أنه "لا يكمن فقر الحياة في حالة الفقر التي يعيشها الناس وإنما في عدم توفر فرصة حقيقية للعيش الكريم بسبب العوائق الاجتماعية والظروف الشخصية".

ولا تزال الأمية والتسرب من التعليم الابتدائي ومستوي جودة الخدمة التعليمية والصحية تحديات أمام الدول العربية للوصول إلى الأهداف التنموية للألفية.

أما بالنسبة للفقراء الذين يعيشون بأقل من دولارين يوميا فإن تعدادهم يصل نحو 100 مليون نسمة، وهذا يعكس الطبيعة غير العادلة للنظم الاقتصادية الاجتماعية العربية، ويجسد فشل الإدارات الاقتصادية والسياسية.

وقد استمر تفاقم أزمة البطالة كواحدة من المعضلات الاقتصادية الاجتماعية التي تعد المنطقة العربية الأكثر معاناة بسبب كل أنواعها في العالم قاطبة، إذ تبلغ 20% من قوة العمل مما ينعكس على معدلات العنف الجنائي والسياسي.

وبخصوص الاقتصاد الفلسطيني فإن عام 2006 هو الأسوأ في تاريخه منذ عام 1967، إذ استمر تدهوره في عام 2007 بسبب الإجراءات الاقتصادية الصهيونية ممثلة في تقييد الحركة والاستيطان والجدار الفاصل والاستيلاء على المياه بهدف تدمير مقومات النمو الحالية والمستقبلية لتأسيس دولة فلسطينية.

"
لا بد من تفعيل قوة العمل المحلية وإنهاء ظاهرة البطالة الاختيارية التي تشكل مرضا لعينا تعاني منه الاقتصادات والمجتمعات الخليجية
"
ويتطلب الاقتصاد الفلسطيني بشكل أساسي –كما يشير التقرير– خفض الوزن النسبي لاعتماد الموازنة الفلسطينية على إسرائيل، وهو ما يتطلب الإطلاق الفوري لمشروع إنشاء الميناء البحري الفلسطيني، والسعي لإعادة الوحدة والوفاق بين الضفة وغزة.

أما عن الاقتصاد الجزائري الذي يتحول ناحية التحرير بمعدلات متسارعة، فيشهد مستويات أسطورية من الفساد ويتعرض لتأثيرات مأساوية بسبب العمليات الإرهابية في التسعينيات رغم أنه كان مرشحاً لأن يكون اقتصادا متقدما.

ولكن هذا الاقتصاد ظل يتحرك صعوداً وهبوطاً على ضوء حركة أسعار النفط والغاز، ولا تزال الصناعات التحويلية في الجزائر من أقل البلدان العربية سواء من حيث مكانتها في هيكل الاقتصاد أو إسهامها في إجمالي الصادرات.

ويعد الإنجاز الأهم لذلك الاقتصاد هو تخفيض معدل البطالة، ومن ثم تراجع أعداد الفقراء وما يتصل به من احتقان اجتماعي وسياسي.

وأنهى التقرير ذلك الجزء بالإشارة إلى إشكالية العمالة الأجنبية والعربية في دول مجلس التعاون الخليجي، فحذر من تعاظم العمالة الأجنبية خاصة الهندية لحد الحديث عن "تهنيد الخليج" أو قيام دولة هندية في الخليج، وهو ما يهدد هوية المنطقة عربياً وإسلاميا.

لذا لا بد من تفعيل قوة العمل المحلية وإنهاء ظاهرة البطالة الاختيارية التي تشكل مرضاً لعيناً تعاني منه الاقتصادات والمجتمعات الخليجية، ورغم محاولات توطين العمالة العربية محل الأجنبية فإنها لم تثمر المرجو منها، ولا يزال تعريب سوق العمل الخليجية دعوة لا تأخذ طريقها إلى التحقيق.

الاقتصاد المصري
معدل الاستثمار الحقيقي في مصر واحد من أدنى معدلات الاستثمار في العالم، أما التضخم فإن بياناته تتعرض للتزييف لتحسين صورة الأداء الاقتصادي.

وكمؤشر على مدى جموح الأسعار بصورة مختلفة عما تعلنه الحكومة فإن شعبة البقالة بالغرفة التجارية في القاهرة أشارت إلى وجود ارتفاع جنوني في أسعار أكثر من 144 سلعة غذائية زادت بنسبة 40% خلال ثلاثة أشهر.

أما معدل البطالة فهو في ارتفاع متزايد إذ بلغ 8.1% في نهاية حكومة الجنزوري، وارتفع إلى 10.3% في نهاية حكومة عاطف عبيد، وارتفع في عهد الحكومة الحالية ليصل إلى 11.2% عام 04/2005.

كما أن أجور قطاعات واسعة من العاملين تضعهم في حالة فقر مدقع تدفعهم إلى الفساد من أجل الحصول على ضرورات الحياة، ولذا لا بد من إصلاح شامل لنظام الأجور.

ولا يدخل في توزيع الدخل ما يسمى بالاقتصاد الأسود الذي تقوم به الطبقات العليا من تجارة الآثار والمخدرات والسلاح ونهب الممتلكات العامة والأعمال المنافية للآداب.

أما العجز التجاري المصري فقد توحش ووصل مستويات منذرة بالخطر في ظل الحكومة الحالية، فقد وصل إلى 102% رغم الزيادة الكبيرة في إيرادات السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين.

ولولا ذلك لتعرضت مصر لأزمة حقيقية بسبب العجز التجاري الكبير الذي يهدد استقرار الجنيه ومديونية مصر الخارجية. ويقدر التقرير وفقاً للبنك الدولي ديون مصر الخارجية بـ 34.1 مليار دولار عام 2005، وهي إن كانت في الحدود الآمنة فإن زيادتها تنذر بخطر.

"
أجور قطاعات واسعة من العاملين المصريين تضعهم في حالة فقر مدقع يدفعهم إلى الفساد من أجل الحصول على ضرورات الحياة، ولهذا لا بد من إصلاح شامل لنظام الأجور
"
ويبقى الدين الداخلي (637.2 مليار جنيه مصري) الذي زاد في السنوات الثلاث الأخيرة بشكل غير مسبوق هو الخطر المحدق، وتوحش الفساد أيضاً في ظل سيطرة رجال الأعمال على الحكومة ومن ثم توظيف السلطة للثروة ولتحقيق مصالحهم على حساب المجتمع.

والأمر نفسه بالنسبة لقضية غرق العبارة "السلام 98" وكذا قضيتي فلاتر الغسيل الكلوي وأكياس الدم الملوثة التي تنتجها شركة "هايدلينا" والمتهمون فيهما وثيقو الصلة بالحزب الحاكم.

ولا يزال الفساد مستمراً في قروض البنوك وفي عمليات الخصخصة التي تعد النموذج الأشد هولا في تاريخ مصر كله. وتتزايد سيطرة رأس المال الأجنبي على الاقتصاد المصري في ظل بيع الوحدات المصرفية ومنها بنك الإسكندرية للأجانب والإعلان عن بيع بنك القاهرة.

وبالنسبة للقمح فإن مصر تصدرت قائمة الدول العشر الأكثر استيراداً للقمح في العالم بما قيمته سبعة ملايين طن خلال عامي 06/2007، وتصدرت قائمة الدول الأكثر استيراداً للقمح الأميركي بزيادة قدرها 300%.

ولهذا لا بد من التوسع في زراعة القمح المصري والتعاون مع السودان في ذلك والاستيراد من الدول القريبة وذلك حتى لا يبقى رغيف الخبز رهيناً بتقلبات بورصات القمح العالمية والقوى السياسية التي تقف خلفها.

واختتم التقرير الجزء الخاص بالاقتصاد المصري بمناقشة قضايا مهمة مثل "بنوك مصر بين الاندماج وحل مشاكل الديون المتعثرة" و"الطريق لاستخدام الطاقة النووية في مصر"، و"نظام التأمين الاجتماعي ما بين التطوير والتقليد"، ثم ختم بعدد من الملاحق الإحصائية المهمة.

ويبقى التقرير إحدى المرايا المهمة للتعرف على الحالة الاقتصادية لبلداننا العربية باعتبارها العاكس للوجه الحقيقي لحاضر ومستقبل أمتنا العربية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة