في الخلاص النهائي   
الخميس 5/4/1429 هـ - الموافق 10/4/2008 م (آخر تحديث) الساعة 15:52 (مكة المكرمة)، 12:52 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض الكتاب للنظم الإسلامية والعلمانية والليبرالية مزاعمها الظاهرة، والأساس القاعدي الذي تقوم عليه، ويخلص المؤلف وهو أستاذ الفلسفة والفكر العربي والإسلامي في عدة جامعات، لضرورة التمييز بين نظم الإسلاميين المعاصرين وبين الإسلام نفسه.

ويرى الكاتب أن العلمانية في شكلها التاريخي والأصولي نظام إقصائي، وأن العلمانية الجديرة بالتقدير والتوظيف هي "العقلانية"، ولكنه يستدرك أن العقل الإنساني لا يمكن أن يكون مستقلا استقلالا مطلقا، ويتعذر أن يكون وحده الحاكم في كل شيء.

وينتهي إلى أن الليبرالية التي تحتاجها المجتمعات العربية هي المنتسبة إلى فلسفة الحرية الإيجابية التي تصون الحريات السلبية في حدود السلم الاجتماعي ووحدة المجتمع وتقدير أحكام التعددية الثقافية.

وفي الفضاء الديمقراطي تستطيع نواة الإسلام الجوهرية أي العدالة المقترنة بالمصلحة وقيمها المتجاورة، والنواة العلمانية الجوهرية أي العقلانية التكاملية، ونواة الليبرالية التضامنية أي الحريات الإيجابية أن تتضافر وتلتقي عند مركب شامل يوجه ثقافة وحراك هذه النظم في الحياة الحاضرة والمنظورة للمجتمعات العربية.

النظم الأحادية ونداء الديمقراطية

- الكتاب: في الخلاص النهائي
- المؤلف: فهمي جدعان
- الصفحات: 404
- الناشر: دار الشروق، عمان
- الطبعة: الأولى/2007

 
توصف نهاية القرن العشرين بالنهايات، وقد سوغ تفكك الاتحاد السوفياتي لهذه الموجة، نهاية الأيديولوجيا، ونهاية الحرب الباردة، ونهاية التاريخ، ونهاية السلطة، ونهاية الإنسان، وهي دعاوى تستلهم بشكل أو بآخر فلسفات تتردد بين الليبرالية والعلمانية والنسبية والعدمية.

ويقول دعاة هذه الفلسفات إن ما يقررونه ينهض في وجه كل تفكير أيديولوجي وإن النسبية والتعدد والاختلاف والتغير الدنيوي والأفق المفتوح الحر هي السمات الجوهرية لما يذهبون إليه.

ويمكن في الفضاء العربي ملاحظة ثلاث منظومات متبقية تعد بالخلاص من العلل والمشكلات التي تكاد تكون متفقا عليها بين العرب، الإسلاميون الذين يرون الإسلام هو الحل، والعلمانيون الذين يتمسكون بإزاحة دور الدين من الشؤون العامة للمجتمع والدولة، أو بالحياد العقائدي والأخلاقي، والليبراليون الذين يرون الإصلاح يبدأ بالحرية مخرجا من المأزق.

ولجميع هذه النظم اليوم في الفضاءات العربية ممثلون وقوى وتيارات تدعو إليها: النموذج الإسلامي يجد قوى نشطة تجسده في حركات دينية وسياسية تمتد على محور تتصدره جماعة الإخوان المسلمين، والسلفيات الراديكالية العنيفة أو المعتدلة أو الوسطية، ودعاة من مشارب مختلفة وعلماء وكتاب.

والنموذج العلماني بدأ حضوره بقوة منذ قرن ونصف قرن، ونظر له عدد كبير من العلماء والمفكرين، مثل علي عبد الرازق، وصادق العظم، وعزيز العظمة.

والنموذج الليبرالي رافق العلمانية في ظهورها، ويمثله مفكرون وعلماء مثل رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، وشبلي الشمل، وفرح أنطون، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وعلي الدين هلال، وجابر عصفور، والسيد ياسين، وغيرهم.

والواقع أنه ليس هناك نموذج واحد لكل تيار من التيارات الثلاثة، ولكن يندرج في كل منها تيارات عدة يختلف بعضها عن بعض.

ويخلص المؤلف إلى أن الحواجز بين التيارات الثلاثة ليس مردها إلى البنية الفكرية والفلسفية لهذه التيارات، فكلها مؤمنة بالتعددية والاختلاف، ولكن مرد ذلك برأيه إلى ثقافة أصحاب هذه النماذج الثلاثة.

فكل منهم يحتكم إلى ثقافة تشكلت في فضاء التيار نفسه وفي تاريخه الممتد عبر السنين والقرون والبيئات والخبرات الزمنية، وهذه الثقافة هي التي تنتصب حاجزا نفسيا وماديا بين الأطراف المختلفة.

فالإسلاميون لا يستطيعون تصور الأمور إلا من خلال نصوص محدودة ومن التجربة الإسلامية التاريخية، والعلمانيون لا يحفظون في ذاكرتهم ولا تشخص عقولهم إلا خبرة العلاقة بين الكنيسة والإمبراطورية أو الجمهورية من جهة، والحراك العنيف للحركات الإسلامية المتطرفة من جهات أخرى، والليبراليون يظهرون أكثر الفرقاء انفتاحا.

ويخلص المؤلف إلى أن جملة النظم الأيديولوجية العربية التي تحكم حراك الوعي العربي المعاصر، وهي النموذج الإسلامي، والنموذج العلماني، والنموذج الليبرالي هي نظم أيديولوجية ذات مقاصد صريحة في نشدان "الخلاص النهائي".

ويرى أن النزعة الإطلاقية الأحادية والإقصائية لهذه النظم أو لبعضها لا تنقاد للأصول النصية أو الفلسفية التي تستند إليها وتؤسس نظامها، وأن الآلية الديمقراطية باعتبارها "طريقة" أو "تقنية سياسية" تأذن في خطوة أولى وبالرجوع إلى "المواقف" والرؤى الأصلية "النقية" لهذه النظم بأن توفر لمعتنقيها سبيل التعبير عن أنفسهم وبحق كل منها في أن يقدم ذاته للمواطنين على وجه التساوي والعدل.

كما تأذن لها في خطوة ثانية باعتبارها "قيمة" أي "ثقافة" تشيع الديمقراطية بثلة من القيم السياسية والاجتماعية والأخلاقية والإنسانية التي تسمح للعناصر المكونة لكل نظام من هذه النظم بأن يعبر عن نفسه في أجواء تسودها الكرامة والحرية والاحترام والتسامح والمسؤولية والثقة والشجاعة والحيوية والفاعلية.

"
وعود الإسلاميين المحدثين تنطوي على نظام انعزالي سكوني مغلق، وهي مدعوة إلى أن تتحول عن هذا النظام إلى الأخذ بوعود الإسلام نفسه التي هي وعود إنسانية فيها حرية رحيمة منفتحة بامتياز
"
وعود الإسلاميين.. وعود الإسلام
يقول المؤلف بعد عرض للاختلافات الإسلامية منذ البداية حول فهم النصوص وتطبيقها وتنزيلها أن هناك ثلاثة وعود أساسية يعدنا بها الإسلاميون في التجربة التاريخية الإسلامية، الخلاص بالطاعة والاستقالة الدنيوية والوعد المسياني (المسيح والمهدي المنتظران)، ولكن ما الذي يعدنا به الإسلاميون في التجربة الحديثة المعاصرة، يتساءل المؤلف؟

ويعرض في هذا السياق للجهود والحركات الإصلاحية التي بدأت منذ نهايات الدولة العثمانية والإيرانية في القرن التاسع عشر، وبعضها قبل ذلك مثل الحركة الوهابية، فهناك الحركة المهدية السودانية، وحركات شيعية تبشر بالمهدي المنتظر.

ولكن هناك حركات إصلاحية أخرى بدأت تنشد الخلاص -حسب تعبير المؤلف- من الواقع الزمني المباشر، وكان الهاجس الأساسي لدى رواد هذه الحركات هو الترقي والتقدم والتمدن، وبعض هؤلاء الرواد مثل رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي استلهموا قيم التنوير والحداثة الأوروبية، وأرادوا أن يجعلوها متضافرة مع قيم التجديد الإسلامي.

واختط تيار "الانبعاث الإسلامي" طريقا إصلاحية وتجديدية تعد بإصلاح دين المسلمين وحياتهم الأرضية وفق وسائل عملية تشخيصية وفي حدود آجال زمنية حاضرة منظورة في ترابط متفاوت مع التمدن الغربي.

ويعتبر المؤلف أن جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا في أواخر العشرينيات هي التيار الذي يجسد أقوى وأعمق وأكبر الحركات الخلاصية الإسلامية الحديثة والمعاصرة، فما طبيعة الوعود التي قدمتها وما زالت تقدمها جماعة الإخوان المسلمين من أجل خلاص المسلمين والإسلام اليوم وغدا؟

وبعيدا عن التيارات فإن الإسلام نفسه في نصوصه الأصلية، كما يقول المؤلف، وفي فضاء التيار الغالب العمومي الذي يمثله فإنه يعرض خلاصا أرضيا مباشرا قائما على "العدل" و"المصلحة" في سياق رؤية حضارية وقيم إنسانية رحيمة، ويجب أن يضاف برأي المؤلف إلى وعود الإسلام وعد "الحرية"، إذ كانت رسالة الإسلام حرية وتحرير الإنسان.

ويخلص المؤلف إلى أن وعود الإسلاميين المحدثين تنطوي على نظام انعزالي سكوني مغلق، وأنها مدعوة لأن تتحول عن هذا النظام إلى الأخذ بوعود الإسلام نفسه التي هي كما يقول وعود إنسانية فيها حرية رحيمة منفتحة بامتياز.

"
العلمانية ليست رفضا ولا إنكارا للدين، وليست مجرد تمييز بين الروحي والزمني، وليست عقيدة ولا فلسفة ولا أيديولوجيا، وليست عقدا كالعقد الاجتماعي
"
فضاءات العلمانية المغلقة والمفتوحة
يقول المؤلف إن العلمانية تشهد في الفضاء العربي حالة من الانبعاث بعدما شهدت مرحلة من الانحسار، وتمثل العلمانية وجها من التقابل الحاد مع التيار الإسلامي، وتمثل رؤيتها أحد الوجوه الأساسية للدعوات الأيديولوجية المرتبطة بتأسيس الحاضر وبناء المستقبل وتقديم وعود حاسمة للخلاص.

وربما يتعذر كما يقول الفلاسفة والمتخصصون تقديم تعريف واحد للعلمانية، ويقتبس المؤلف هنا محاولة موريس باربييه لتقديم مقاربات للعلمانية، ويجد باربييه أن الأفضل هو اقتراح تعريفين مركزيين للعلمانية، الأول يتعلق بها باعتبارها "فصلا"، والثاني يتعلق بالعلمانية باعتبارها "حيادا".

ولكنه يؤكد قبل عرض التعريفين مجموعة من الأفكار التي تؤدي برأيه إلى اختلال الفهم، فالعلمانية ليست رفضا ولا إنكارا للدين، وليست مجرد تمييز بين الروحي والزمني، وليست عقيدة ولا فلسفة ولا أيديولوجيا، وليست عقدا كالعقد الاجتماعي.

ولا يصح أيضا الجمع أو الخلط بين العلمانية ومفاهيم أخرى مثل الجمهورية والديمقراطية والعقل وحقوق الإنسان والتعددية والتسامح والحرية الدينية.

فالتحديد الدقيق للعلمانية يأتي في مجالين للفهم، الفهم الأول يقوم على فصل الدين عن الدولة، والفهم الثاني يقوم على حياد الدولة في الموضوع الديني.

ويخلص المؤلف إلى القول بأن الدلالة الجوهرية النهائية للموقف العلماني هي أنه تاريخيا موقف من الدولة تجاه الدين، موقف يقوم على الفصل أو على الحياد، ولكن هذا الموقف عارض في السياق التاريخي النسبي، وليس له في المسار التطوري للتاريخ الاجتماعي والسياسي صفة الإطلاق ولا الأبدية.

والعلمانية على وجه الخصوص وفي نهاية المطاف موقف أساسه العقل والعقلانية، أي كما يقول برهان غليون موقف فلسفي عقلاني إنسانوي من العالم.

بهذا الإهاب وبهذه الصيغة يمكن للعلمانية أن تكون موضوعا للمراجعة والتمحيص، كما يمكن أن تكون سبيلا أو طرفا من سبل الخلاص وأطرافه، بيد أنه لن يتهيأ لها في الفضاءات العربية أن تكون كذلك إلا إذا تخلت عن الصيغة الراديكالية المغلقة، أي عن العلمانية باعتبارها فصلا، وطورت فهما للعلمانية الحيادية المنفتحة المتفقة مع نظام سياسي حر يعتمد الديمقراطية، باعتبارها تكنولوجيا سياسية ذات قيم ثقافية مصاحبة، وأن يوجد مبدأ "استقلال العقل الإنساني" بحيث يعترف في هذا الاستقلال بشرعية الأوامر والمطالب والحقوق التي تلزم بها القوى الانثروبولوجية الأصيلة في الإنسان.

"
تستمد الليبرالية قوتها من مصدرين، أولهما الحرية باعتبارها المصدر الذي يكتسب قيمته ودلالته العميقة عبر التطلع الإنساني وثانيهما النظام الاقتصادي الحر المتعاظم الانتشار والهيمنة والقوة والمعزز بآلة إعلامية كونية عملاقة
"
الليبرالية بحدود وبلا حدود
حققت الليبرالية كما يقدر المؤلف طفرة كبيرة مع نهاية القرن الماضي، ولكن المؤمنين بالنظام الليبرالي على أنه "خاتم الأنظمة" كما يقول المؤلف لا يعبرون في نهاية التحليل والمطاف إلا عن رؤية إسكاتولوجية مسيانية مفعمة بعبق ديني لا يمكن نكرانه.

فنهاية التاريخ هي اليوم الموعود الذي يتجسد فيه المطلق المثالي الذي ظلت البشرية تتطلع إلى إدراكه خلال أزمنة متطاولة، واستكملت هذه النعمة تحققها في الأرض الجديدة لكن بوعودها لن تلبث أن تشمل كل المعمورة.

تستمد منظومة الليبرالية قوتها من مصدرين: أولهما الحرية باعتبارها المصدر الذي يكتسب قيمته ودلالته العميقة من خلال التطلع الإنساني، ومن مناهضته لأكثر المفاهيم بغضا ونفورا عند النفس البشرية، مفهوم الاستبداد.

أما ثانيهما فهو النظام الاقتصادي الحر المتعاظم الانتشار والهيمنة والقوة والمعزز بآلة إعلامية كونية عملاقة.

وفي تعريف الليبرالية يقول المؤلف إنها تقليد في الفلسفة السياسية يرجع إلى القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وترتبط تاريخيا بـ"الجمهورية" وتقوم على أربعة مبادئ مركزية: الفردانية، إذ هي فلسفة سياسية تؤمن بأن الفرد هو الأصل في أي عملية للتقييم الاجتماعي السياسي، وذات تقليدي دنيوي يرد كل شيء إلى المنفعة الفردية والخيارات الفردية، وتؤمن بقيمة الحرية، وترفض التدخل من جانب المجتمع والدولة في حياة الأفراد، وتأخذ بمبدأ المساواة بمعنى أن يتمتع جميع أفراد المجتمع باحترام وتقدير متساويين في الأمور التي تتعلق بحياتهم وأمورهم الشخصية.

تشارك الليبرالية في علمنة السياسة، وترفض ربط السياسة والاقتصاد بالأخلاق، وتنظم السلطات على أساس الفصل بينها، وعلى أساس سمو القانون، وهي تنزع السياسة عن قطاعات كاملة من النشاط الإنساني: الدين والأخلاق والاقتصاد.

وفي الفضاء العربي يعتبر مفكرو الليبراليين العرب الحرية شرطا أساسيا وحيويا للنهضة العربية، كما يعتبرون أيضا أن قدرة العالم العربي على مواجهة مشكلات العولمة ومخاطرها مرهونة بمدى انحسار الاستبداد وبمدى تقدم قضية الحقوق والحريات الأساسية.

وهم يرون أن قضية حقوق الإنسان ليست شرطا وحيدا ولا كافيا ولكنها شرط رئيسي لا بد منه، ويخلص المؤلف إلى أن الليبرالية باعتبارها "فلسفة الحرية" قد فرضت معناها الأصلي والجوهري على الفضاءات جميعها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة