الإنترنت والدين   
الأربعاء 1429/12/20 هـ - الموافق 17/12/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:51 (مكة المكرمة)، 11:51 (غرينتش)

عرض/ الحسن سرات
يعتبر مؤلف "الإنترنت والدين" لمؤلفه جان-فرانسوا مايير، واحدا من الكتب القليلة بهذا المجال. والمؤلف ليس غريبا عن المجال الديني، إذ أنه من المتخصصين القلائل في علم الاجتماع الديني، ومن الخبراء المرموقين في رصد تحولات الأديان ومستقبلها.

-الكتاب: الإنترنت والدين
-المؤلف: جان-فرانسوا مايير
-عدد الصفحات: 187 
- الناشر: أنفوليو, سويسرا, إصدارالمرصد الديني
-الطبعة: الأولى/ 2008
وقد ظل الرجل سنوات يبحر مستكشفا الأركان القصية لشبكة الويب، وتفاعل الأديان مع تكنولوجيا الاتصال. وكتابه ليس دليلا للمواقع الدينية ومللها ونحلها، بل هو متابعة وتحليل لمواقف الأفراد والهيئات والمنظمات المسيحية واليهودية والإسلامية والبوذية وغيرها من الوسيلة الإعلامية الجديدة.

وجان-فرانسوا مايير مؤرخ وعالم اجتماع، سبق له أن كان مسؤولا عن مشروع مركز الصندوق الوطني السويسري، ودرس علم الاجتماع الديني في جامعة فريبورغ، وهو اليوم مدير ومؤسس مركز المرصد الديني -باللغتين الفرنسية والإنجليزية- الذي أنشئ عام 2002، وصدرت له عدة دراسات ومقالات حول التيارات الدينية وآفاق الأديان، وترجمت مؤلفاته إلى عدة لغات.

ومنذ سنة 2006 أصبح الرجل هو المستشار العلمي للمشروع الجديد "الدين والسياسة" الذي أطلقه المركز الجامعي للدراسات العليا في مجال العلاقات الدولية والتنمية بمدينة جنيف السويسرية.

وهو لا يتوقف عن الارتحال بين الحواضر والبوادي باحثا وسائلا ومتفاعلا مع الأديان الجديدة والقديمة وقادتها وأتباعها ولو كانوا في شواهق الجبال.

حذر وتوجس
يوم 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2001، أرسل البابا جان بول الثاني أول رسالة إلكترونية لخمسين راهبا بنقرة واحدة على فأرة الحاسوب، رغم أن الفاتيكان كان له موقعه الخاص منذ سنة 1997.

التأخر الملاحظ يظهر التوجس والحذر الذي حكم سلوك المؤسسات الدينية من الوسيلة التواصلية الجديدة، واحتاج الأمر في البداية إلى تجميع المعطيات وتوسيع الاستشارة والنظر بين المسؤولين الدينيين للخروج بموقف واضح ورسمي من شبكة الويب.

الفاتيكان أصدر بهذا الخصوص وثيقتين متتابعتين سنة 2002، الأولى عن "الكنيسة والإنترنت" والثانية بعنوان "الأخلاق والإنترنت". وأشارت الوثيقتان إلى محاسن الويب ومساوئه، فهو من جهة وسيلة تربوية وتثقيفية جيدة، ووسيلة من وسائل التعارف والتحاور، ولكنه بالمقابل يمكن أن يكون أداة للفساد والإفساد والاستغلال والاستبداد.

الإنجيليون الذين يرفضون البابوية وتراتبيتها لم يخفوا بهجتهم بالتكنولوجيا الجديدة، ووجدوا في الإنترنت وسيلة فعالة "لتحرير دين المسيح من المحتكرين له، وسبيلا جديدا للتحرك خارج البنيات الكهنوتية الجامدة".

"
التأخر الملاحظ في استخدام الإنترنت من جانب المؤسسات الدينية يظهر التوجس والحذر الذي حكم سلوك تلك المؤسسات من الوسيلة التواصلية الجديدة، واحتاج الأمر في البداية إلى تجميع المعطيات وتوسيع الاستشارة للخروج بموقف واضح ورسمي من شبكة الويب
"
لكن البدايات عرفت سبق بعض الأفراد إلى الشبكة قبل المؤسسات الدينية، ما طرح سؤال التمثيلية، أي هل هؤلاء الأفراد يعبرون عن تجربة خاصة بهم أم هم يمثلون كنائسهم ومللهم، أم رواد أرسلوا ليستطلعوا الطريق قبل أن يمر فيها البابا أو شيخ الإسلام أو الحاخام أو الدالاي لاما...

ويلاحظ مايير أن المواقع الإسلامية تؤكد في معظمها أنها لا تمثل الإسلام ولكنها تمثل فهما له واجتهادا ضمنه، إلا أن بعض المواقع المتشددة تدعي أنها تنطق باسمه وبذلك يتحول الذين أنشأوا هذه المواقع من مبلغين إلى علماء، يسحبون البساط من المؤسسات الدينية الرسمية ومن الهيئات العلمية المدنية، ويصبح الكل يتحدث عن الإسلام.

فحسب إحصاء أجري سنة 2004، وجدت الديانات الكبرى نفسها على قدم المساواة مع ملل ونحل جديدة، أو ملل موغلة في القدم لكن الإنترنت أتاح لها الانبعاث من جديد فتظن نفسها ديانة كبرى.

فالطائفة "الرائيلية" التي شغلت العالم منذ بضع سنوات، مثلها مثل الكنيسة رغم أن المواقع المسيحية بلغت تلك السنة 29506 مواقع مقابل 5 للرائيليين، و1791 موقعا إسلاميا و732 موقعا بوذيا و305 مواقع سيونتولوجيا.

التدوين والمدونون
ارتبكت كثير من المؤسسات الدينية وهي تبدأ الإبحار في محيط الويب الواسع، وبدا لأول الأمر أنها أدركت أهمية الوسيلة الإعلامية الجديدة، لكنها "ركبت البحر دون أن تتعلم السباحة" كأنها كانت تريد حجز المكان ثم النظر في استعمالاته من بعد.

وحسب مايير وخبراء آخرين، ظنت تلك المؤسسات أن هذا الفضاء يتيح لها أن تعظ الناس كما تعظهم وهو جالسون مطأطئي رؤوسهم في الكنائس والمساجد والمعابد كأن الطير فوقها، في حين أن "الوعظ الويبي" يحتاج إلى مهارة إعلامية حديثة لا يملكها الوعاظ والمتحدثون والمرشدون الدينيون، ولا يزال كثير منهم إلى اليوم مفتقرين إليها.

وأمام هذا الوضع، أتاحت التقنية التواصلية الجديدة للأفراد أن يحتلوا أمكنة في الويب، فظهرت كثير من المدونات الشخصية لقسيسين ورهبان ومنتمين إلى طوائف مختلفة تعبر عن آراء وتطلعات شخصية، لكنها في نهاية الأمر تقدم خدمات لأصولها رغم الاختلافات الظاهرة.

"
نجاح المدونات الدينية واكتساحها الساحة الويبية حول أصحابها إلى فاعلين دينيين ينافسون ممثلي الديانات الكبرى، وسيكون صعبا على هؤلاء أن يسترجعوا ما ضاع منهم
"
ففي سنة 2002، أدرك القس الإنجيلي غوردون أتكينسون التحول الجديد فأنشأ مدونته الخاصة دون أن يكشف عن نفسه إلا بعد سنتين بهدف "أن يكتب بطريقة جيدة وشريفة" على حد قوله.

ونجحت المدونة بهذا الشعار، ثم جمع القس أحسن "أوراقه" المدونة في كتاب حقق مبيعات جيدة، وصارت مدونته أولويته الأولى مستحوذة على نصف وقته.

كما أن المدون روكو بالمو بولاية تكساس حقق نجاحا كبيرا إذ يزوره أكثر من  ستة آلاف شخص يوميا، ويتابع الفاتيكان نشاطه عن قرب لأنه يقدم الكاثوليكية بطريقة عصرية وفي متناول الجميع رغم أنه ليست له أي رتبة دينية.

السر الوحيد في نجاحه هو الموهبة الإعلامية التي اكتسبها عن والده الصحفي وتوظيفها في الترويج للكاثوليكية. وهكذا صارت المدونة مقصدا للزوار والمختصين ومرجعا للإعلاميين، كما صار صاحبها مراسلا معتمدا لدى اليومية الكاثوليكية البريطانية "ذي طابليت".

نجاح المدونات الدينية واكتساحها الساحة الويبية حول أصحابها إلى فاعلين دينيين ينافسون ممثلي الديانات الكبرى، وسيكون صعبا على هؤلاء أن يسترجعوا "ما ضاع منهم".

التبشير ويب والدعوة نت
مع مرور الوقت اكتسبت المؤسسات الدينية تقنية التواصل في العالم الافتراضي، وظهرت كنيسة الويب ومسجد النت وكنيس الكوم وغيرها. وامتلأت الشبكة بالمواعظ والفتاوى والدروس والأدعية والأذكار وازدهر الشات الديني والرقية الشرعية.

لكن أبرز ما حققته الأديان هو تحويل الإنترنت إلى "دار للدعوة والتبشير" وترويج للملل والنحل والطوائف والمذاهب العتيقة والحديثة.

واحتد التنافس بين المسيحية والإسلام في هذا العالم الافتراضي بإنشاء مواقع مختصة. الإنجيليون الأميركيون، الأكثر نشاطا من "إخوانهم الأعداء" الكاثوليك كانوا سباقين فأنشأوا موقعا تبشيريا يشتغل على مدار اليوم والليلة طيلة الأسبوع "فالمسيح ليست له عطلة وهمه تخليص الناس من آلام لا تنتظره حتى يستريح، وراحته هي أن يرى المرضى في صحة يحبرون".

والمؤسسة الدينية الإنجيلية "مجموعة الموارد الإستراتيجية" جعلت هدفها تحقيق 153 مشروعا تبشيريا منها 31 مشروعا في الجزيرة العربية و31 مشروعا آخر شمال أفريقيا. ثم خصصوا يوما في السنة ليكون لقاء عالميا للنشطاء في التبشير الإلكتروني وسموه "اليوم الإنجيلي الويبي" وجعلوه منذ سنة 2005 يتنقل بين أيام أبريل/ نيسان.

ويحدثنا مايير أيضا عن الدعاة المسلمين في عالم الإنترنت، فيذكر أنهم حققوا نجاحا كبيرا في الغرب وأفريقيا، وهناك مواقع متخصصة للمعتنقين الجدد، تعرفهم بفضائل الدين الخاتم وتربطهم بإخوانهم في العالم كله، فصار الويب طريقا أسهل من الطرق العتيقة لإنشاء الأمة الافتراضية متجاوزا الحدود السياسية بين الدول والحدود الثقافية والدينية بين الشعوب والأمم.

حروب دينية في الويب
"
صار مستحيلا على موقع إلكتروني ديني أن يكون بمنأى عن النقد والتجريح والتشهير وإعلان الحرب الافتراضية، وبهذا سرعان ما تحول ابتهاج "الأديان الجديدة" بفتوحات الإنترنت إلى هدية مسمومة تذيق المبتهجين ما لم يكونوا يحتسبون
"
في فصل بعنوان "الحروب الافتراضية للأديان" يطلعنا الباحث على جزء من التحولات المفاجئة التي أحدثها الويب على المعتقدات الدينية.

فقد فتح الاطلاع على الانتقادات والآراء المخالفة بفضل الإنترنت الباب على مصراعيه ليغير كثير من "المؤمنين والأتباع" دياناتهم بسرعة بعد أن بقوا سنين عددا متمسكين بها، فمنهم من "ارتدوا وكفروا" بدين آبائهم وأوطانهم واعتنقوا أديانا جديدة، ومنهم من فضلوا العيش بلا دين، مثل ما وقع لطائفة "المورمون" وطائفة "هيكاري" باليايان وللكنيسة "السيونتولوجية" بالولايات المتحدة الأميركية وطوائف أخرى.

السبب واضح، فالويب يتيح الانتقال السريع للأفكار والتحليلات والرسائل بين ملايين الناس بنقرة واحدة لا غير. وصار مستحيلا على موقع إلكتروني ديني أن يكون بمنأى عن النقد والتجريح والتشهير وإعلان الحرب الافتراضية، وما عليه إلا أن يرد على مهاجميه أو يعلن الهزيمة. وبهذا سرعان ما تحول ابتهاج "الأديان الجديدة" بفتوحات الإنترنت إلى هدية مسمومة تذيق المبتهجين ما لم يكونوا يحتسبون.

وبفضل هذا الفضاء الواسع استطاعت كثير من المواقع الجهادية الإسلامية والمواقع المتشددة والمتطرفة المرتبطة بالإسلام، أن تشن غاراتها عن طريق الكر والفر والاختفاء والظهور والانتقال من موقع إلى موقع آخر في الشبكة الإلكترونية دون عناء.

ماذا يحدث غدا
يقوم الإنترنت حاليا بتغيير العالم في الواقعين الافتراضي والحقيقي، وينشئ معالم عالم جديد. ويذكر مايير في خاتمة كتابه أن بعض الباحثين يؤكدون أن الإنترنت -إلى جانب الفضائيات- يعيد بناء وحدة العالم الإسلامي.

فالمسلمون من إندونيسيا شرقا إلى المغرب غربا، ومن آسيا الوسطى بالشمال إلى أفريقيا الجنوبية- يمكنهم اليوم وغدا الاطلاع في وقت واحد على المعلومات ذاتها والتحليلات نفسها، فالإنترنت عامل تشتيت وتفريق كما أنه عامل تجميع وتوحيد.

لكن أهم سؤال هو: إلى أي مدى سيقوم الويب بتغيير الأديان وطقوسها وشعائرها؟ سؤال يعترف مايير بصعوبة الجواب عنه في الوقت الحالي، لكنه يرمق من الآن مجموعات وطوائف جديدة أحدثها الإنترنت وجمع بين أعضائها في الجهات الأربع من العالم بعد أن عاشوا قبل هذا فرادى منعزلين عن العالم وعن "إخوانهم في الدين والملة".

"
نحن لسنا سوى في أول الأمر، ومعظمنا لم يكن يستعمل الإنترنت قبل عشر سنوات أو خمس عشرة سنة, ولا نستطيع الإدراك الكامل لما سيؤول إليه الوضع في المجال الديني وحياتنا المتعلقة به
"
ومن الواضح أن الويب قد التقى على قدر مع تحولات كبرى تعيشها الأديان وهي تعود إلى الفضاء الخاص والعام بقوة بعد موت الوجودية والشيوعية والمادية والإلحاد. كأنما أهدى الزمن للأديان وسيلة سريعة للدعوة والتنصير والتهويد والتمجيس.. وسيلة ذللت لها العقبات وطوت عنها المسافات، وربما زادها الغد القريب والبعيد ظهورا أسطع ومدا أوسع.

شرط وحيد ينبغي أن يتوفر، بعد حضور العالم في الويب، هو أن يكون الجميع منخرطا في الشبكة العنكبوتية، ومتحررا من الأمية الإلكترونية، وهذا الشرط غير متوفر في العالم العربي والإسلامي وفي العالم الفقير.

 شرط انتبه له الكاتب فقال "نحن لسنا سوى في أول الأمر، ومعظمنا لم يكن يستعمل الإنترنت قبل عشر سنوات أو خمس عشرة سنة. ولا نستطيع الإدراك الكامل لما سيؤول إليه الوضع في المجال الديني وحياتنا المتعلقة به".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة