قوى المستقبل   
الاثنين 17/7/1426 هـ - الموافق 22/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:58 (مكة المكرمة)، 14:58 (غرينتش)

عرض/نبيل شبيب

في هذا الكتاب نظرة مستقبلية للسياسة الدولية، والكاتب من الساسة الشهود عبر القرن الميلادي العشرين، ومن صانعي الأحداث فيه، ولد مع نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918م، وشهد الحرب العالمية الثانية، وساهم في بناء ألمانيا بعد دمارها، عضوا في المجلس النيابي منذ عام 1953م، ووزيرا بعد 1969 ثمّ مستشارا لألمانيا على رأس حكومة ائتلافية بين حزبه الديمقراطي الاشتراكي وحزب الديمقراطيين الأحرار، بين عامي 1974 و1982م.

 

- العنوان: قوى المستقبل

-المؤلف: هلموت شميدت

-عدد الصفحات: 240

- الناشر: دار زيدلر/ ميونيخ

-الطبعة: الأولى، 9/2004

وكان من إنجازاته الأبرز للعيان العمل مع المستشار الأسبق فيلي براندت في سياسة الانفراج تجاه الشرق، ومعالجة أزمة سحب الدولار من تغطية قروض النقد الدولي (نيكسون بعد نفقات فيتنام وثورة أسعار النفط) باقتراح حقوق السحب الخاصة بديلا عن الدولار، وبالدعوة - مع فرنسا- إلى عقد لقاء دوري غير رسمي للدول الصناعية انبثقت عنه لقاءات ما يسمّى قمّة الدول السبع ثم الثماني الكبرى عالميا.

 

كما لعب دورا حاسما في اتخاذ حلف شمال الأطلسي ما عُرف بالقرار المزدوج، بين عرض التفاوض ونشر صواريخ متوسطة المدى في أوروبا، ممّا ساهم في التعجيل بنهاية الحرب الباردة.

 

وهلموت شميدت يعتبر منذ خروجه من السلطة أحد ناشري "دي تسايت"، كبرى الصحف الأسبوعية الألمانية، ويستعان به في العديد من الدراسات الدولية للأمم المتحدة.

 

ومن بين مؤلّفاته العديدة إستراتيجية للغرب وأناس وقوى دولية والألمان وجيرانهم ووقوف أوروبا على قدميها، أمّا هذا الكتاب "قوى المستقبل: الكاسبون والخاسرون في عالم الغد"، فقد صدر أواخر عام 2004م، بمقدّمة وخاتمة وثلاثة فصول، عناوينها معبّرة عن مضامينها، الأول "ما نستطيع وما لا نستطيع معرفته من المستقبل"، والثاني "الإمبراطورية الأميركية"، والثالث: "تطور القوى العالمية الأخرى".

 

يحدّد الكاتب في الفصل الأوّل أهمّ العناصر التي يمكن استشراف تطوّرها خلال ربع قرن قادم، ويمكن أن يكون لها تأثير كبير على خارطة التطوّرات العالمية، ويفصّل في الثاني في جذور الهيمنة الأميركية تاريخيا وحاضرا ونقاط الضعف والقوّة فيها واحتمالاتها المستقبلية على ضوء السؤال عن الزعامة الانفرادية.

 

ويقسم الثالث إلى ستة أقسام لِما يعتبره قوى دولية، بغضّ النظر عن قوّتها وضعفها حاليا، ليتحدّث عمّا يُنتظر لها مستقبلا، فيخصّص القسم الأول للصين والشرق الأقصى، والثاني لشبه الجزيرة الهندية، والثالث للإسلام ومنطقته الجغرافية والنفط الخام، والرابع لروسيا، والخامس للقارة الأفريقية المريضة، والأخير لأوروبا.

 

"
حسن الجوار مع الإسلام سيكون خلال القرن الجديد أحد شروط وقوف أوروبا على قدميها وإثبات وجودها، بل يمكن أن يرتبط السلام بذلك أيضا
"
وقوف أوروبا على قدميها

ويظهر أحد دوافع نشر الكتاب وأحد المحاور الرئيسية التي يركّز مؤلّفه عليها من مطلع الفصل الأوّل، بنقله عبارات عن كتابه السابق "وقوف أوروبا على قدميها"، وقد نشره قبل تفجيرات نيويورك وواشنطون، وتقول هذه العبارات "إنّ حسن الجوار مع الإسلام سيكون خلال القرن الجديد أحد شروط وقوف أوروبا على قدميها (إثبات وجودها) بل يمكن أن يرتبط السلام بذلك أيضا".

 

وهذا بالذات ما يُخشى العجز عن تحقيقه الآن، ويحمّل المسؤولية في ذلك للسياسات الأميركية التي "يمكن أن تؤدّي إلى ازدياد العداء الإسلامي الشامل للولايات المتحدة الأميركية"، حيث يحذّر أيضا من أنّ الولايات المتحدة الأميركية "تملك قدرة الانتصار على جيران إسرائيل المعادين لها وحتى القضاء عليهم، ولكنها لا تملك القدرة على احتلال سائر البلدان المجاورة وحكمها".

 

ويضيف أنه "إذا تخلّى الحلفاء الأوروبيون عن تأثيرهم على الطرفين باتجاه الاعتدال، وتجاوزوا حدود التزاماتهم الجغرافية الأطلسية فشاركوا مشاركة عسكرية أكبر مع الأميركيين، فيمكن أن تنشأ أزمة عالمية بين الإسلام والغرب".

 

ويذكّر شميدت بأنّ التنبّؤات في بداية القرن الميلادي العشرين لم تتحقّق، بل اتخذ التاريخ مسارا آخر، وأقصى ما يمكن التعرّف عليه من القرن الجديد في بداياته، لا يتجاوز المعالم والخطوط العامة في الربع الأوّل منه، ويرى أنّ المخاطر الفعلية على الأوضاع الدولية تكمن في:

 

- نتائج الانفجار السكاني، وواضح ممّا أورده أن مصدر قلقه المستقبلي هو التراجع المطّرد لنسبة الأوروبيين في العالم، مقابل ارتفاع مطّرد في نسبة المسلمين والهنود.

 

- حصيلة العولمة التقنية والاقتصادية، وهو ما يعني احتمال توليد الأزمات نتيجة زيادة الخلل أو الهوة الفاصلة بين الشمال والجنوب، وداخل كلّ منهما على حدة.

 

- الخلل البنيوي الذي يهدّد الأسواق المالية، ويشير به إلى ما وقع من أزمات في جنوب شرق آسيا وفي روسيا، وما يمكن أن يقع في المستقبل، ما لم تتوفّر آليات ضبط سياسية جماعية عالمية تجاه حركة الأموال ورؤوس الأموال والمضاربات المالية.

 

- التجارة بالسلاح عالميا، ولا يركّز هنا على أسلحة الدمار الشامل، بقدر ما يركّز على الأسلحة التقليدية والأسلحة الصغيرة، التي يوصل استمرار نشرها وانتشارها لأغراض مالية، إلى أزمات متعدّدة في بقاع عديدة لا تمكن السيطرة عليها.

 

"
تطلّعات الهيمنة الأميركية تعود إلى ثلاثة عناصر متفاعلة فيما بينها وهي ما عُرف بتوجّهات العزلة، فالعالمية، ثمّ حمل رسالة الربّ التبشيرية للعالم بأسره
"
الإمبراطورية الأميركية

ويبدأ الفصل الثاني حول "الإمبراطورية الأميركية" بالإشارة إلى إعلان "الحرب على الإرهاب" التي لم تتبيّن اتجاهاتها ولا نتائجها، بينما بدأ تأثيرها أميركيا بزيادة التسلّح نتيجة حصر التوجّه في الحلّ العسكري، بالإضافة إلى إضعاف الارتباط بحلف شمال الأطلسي والأمم المتحدة، وتحوّل التعاطف الدولي بعد تفجيرات 2001م إلى نقد ورفض عالمي.

 

ولا يقبل شميدت النظرة القائلة إنّ التحرّك الأميركي لزعامة انفرادية انطلق حديثا، مشيرا إلى تاريخه الطويل، مع ملاحظة الفارق بين قبول حلفائها الأوروبيين بذلك قديما بتأثير الحرب الباردة، ورفضهم له بعد أن اتجهت واشنطن إلى استخدام الحلف أداة لتوجيه أوروبا أميركيا.

 

ويعيد تطلّعات الهيمنة الأميركية إلى ثلاثة عناصر متفاعلة فيما بينها وهي ما عُرف بتوجّهات العزلة، فالعالمية، ثمّ "حمل رسالة الربّ التبشيرية للعالم بأسره".

 

ويستعرض بهذا الصدد كيف تطوّر محتوى ما يوصف بالمبادئ التي يعلنها كل رئيس أميركي بعد آخر وكذلك تطوّر التحرّك العسكري عالميا منذ الاستيلاء على أرخبيل سيدوتي في المحيط الهادي في منتصف القرن الميلادي التاسع عشر.

 

وينتقل من استعراض التاريخ للغرض المستقبلي في كتابه، مشيرا إلى الدعوات الأميركية إلى نشر الديمقراطية قائلا إنّ "الديمقراطية والإمبريالية مبدآن متناقضان".. هذا صحيح ولكن "يمكن لدولة تحكم ديمقراطيا في الداخل أن تمارس سياسة إمبريالية دوليا"، وهو في ذلك يقصد العلاقات الأميركية الأوروبية بالذات.

 

ويطرح السؤال حول ما إذا كان الأوروبيون على استعداد للقبول بدور التابع للإمبريالية الأميركية، أم سيعملون على تثبيت استقلالية الديمقراطيات الأوروبية. ولكن المستقبل لا يرتبط بموقف الأوروبيين بل بوجود نقاط ضعف ونقاط قوة في التحرّك الإمبراطوري الأميركي.

 

فيرى أنّ مصادر القوّة الأميركية عسكريةٌ ذاتية، وعبر التأثير الاقتصادي والثقافي عالميا، ثمّ عنصر التديّن داخليا.

 

ويشير هنا إلى مفعول نظرية صدام الحضارات ودفعها للحرب على الإرهاب واستعداء الإسلام في سياسة المحافظين الجدد، منتقدا عدم صدور موقف سياسي أوروبي ناقد في هذا الاتجاه.

 

ويعدّد بالمقابل نقاط الضعف الأميركية مشيرا إلى عدم اتفاق الطبقة السياسية المتنفّذة على سياسة خارجية واضحة، وإلى التبدّل السكاني الداخلي في اتجاه الملوّنين والسود في العقود القادمة، و"الديماغوجية" الواسعة الانتشار في وسائل الإعلام على حساب الديمقراطية، إضافة إلى نقطة الضعف الشديدة الكامنة في اعتماد الاقتصاد الأميركي اعتمادا كبيرا على استيراد رؤوس الأموال الأجنبية.

 

ويطرح شميدت هنا عددا من الأسئلة عن احتمالات المستقبل في السياسة الدولية الأميركية، المرتبطة بالعلاقة مع أوروبا، وروسيا والصين، وكذلك تجاه "الشرق الأوسط" مؤكدا مدى الوهم في تصوّر "إمكانية تحويل دولة عربية أو إسلامية بالقوّة العسكرية الخارجية إلى دولة ديمقراطية"، قائلا إن استمرار ربط الإرهاب بالإسلام سيزيد تأثير "الإرهابيين الإسلاميين"، بينما "لا تزال أميركا بعيدة كلّ البعد عن مواقف تنطوي على الاحترام والتقدير تجاه الإسلام".

 

ولكن هذا بالذات والموقف الغربي عموما تجاه الإسلام، هو ما سيمثّل العنصر الحاسم بالنسبة إلى مستقبل أحداث القرن الميلادي الحادي والعشرين بأسره.

 

"
من الصعب أن يزول عنصر العداء في العلاقات الغربية مع المنطقة الإسلامية بسبب استمرار الجهل الغربي بالمنطقة، حيث يربط الإسلام بالدكتاتورية مقابل ربط المحافظين الجدد المسيحية بالديمقراطية
"
الإسلام والغرب

ويخصّص المؤلف الفصل الثالث لاستعراض نقاط القوّة والضعف والاحتمالات المستقبلية في المناطق الأخرى من العالم، متوقّعا أن يبقى النمو الاقتصادي الصيني مرتبطا بالعمل على علاقات جوار إقليمية أفضل، مع صعوبة التنبّؤ بسياسات خارجية نتيجة النموّ المقابل للهند.

 

ويستبعد أن يزول عنصر العداء في العلاقات الغربية مع المنطقة الإسلامية بسبب استمرار الجهل الغربي بالمنطقة، فيذكر على سبيل المثال ربط الإسلام بالديكتاتورية مقابل ربط المحافظين الجدد المسيحية بالديمقراطية.

 

ويدعو إلى تلاقي الزعماء الأوروبيين على موقف متسامح تجاه المنطقة الإسلامية، لكنه لا يتوقع ذلك في المستقبل المنظور، فيرجّح وقوع توتّرات وأزمات خطيرة.

 

ويتأرجح الكاتب في حديثه عن مستقبل الاتحاد الروسي بين عوامل التلاقي والافتراق مصلحيا مع الغرب، ويرجّح أن يوصل التوسع الأطلسي والأوروبي شرقا، إلى ازدياد ميل الاتحاد الروسي إلى تكوين محور روسي صيني يوازن النفوذ الأميركي والغربي إقليميا.

 

وبعد استعراض استمرار الضعف في الدول النامية، لاسيما الأفريقية، رغم بروز دول كبيرة سكّانيا عاجزة اقتصاديا وسياسيا كإندونيسيا ونيجيريا، ينتقل إلى الساحة الأوروبية التي تُعتبر المحور الأهم في نظرته المستقبلية.

 

وهنا يشيد بما تحقّق حتى الآن بعد حروب طاحنة، ولكنّه لا يستبعد (وقد صدر الكتاب قبل وقوع الأزمة الدستورية) أن يتعرّض الاتحاد الأوروبي لأزمة كبيرة نتيجة سرعة خطواته الوحدوية والتوسعية، مع التنبّؤ ببقاء نواة أوروبية قوية، تحافظ على استمرار المسيرة.

 

ويربط شميدت بين تصاعد التأثير الأوروبي مستقبلا وتخلّي الأميركيين عن محاولات الهيمنة العسكرية، لاسيّما أنّ التطوّرات تؤكّد نشأة قوى اقتصادية دولية كبرى، كالأميركية، والأوروبية، والصينية.

 

خلاصة

ويعتبر هذا الكتاب بإيجاز دراسة مستقبلية حذرة، تنطوي على توقّعات موضوعية تستند إلى خبرة سياسية ذاتية طويلة. وهو رغم التركيز على الدور الأوروبي والعلاقات الأوروبية الأميركية مستقبلا، لا ينقطع الحديث في مختلف فصوله، عن أنّ العنصر الحاسم في تطوّرات القرن الحادي والعشرين هو العلاقة بين الإسلام والغرب.

 

غير أن حجم المعلومات المتوفرة لدى مؤلّف الكتاب نفسه عن الإسلام، وعن القوى المؤثّرة في دوره وموقعه عالميا في المستقبل تبقى النقص الأبرز الملاحَظ فيه.              

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة