الجدار العازل الإسرائيلي   
الأحد 1429/1/20 هـ - الموافق 27/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:07 (مكة المكرمة)، 11:07 (غرينتش)

عرض/حسين عبد العزيز
غيّر جدار الفصل منذ بداية بنائه في يونيو/حزيران 2002 الجغرافيا السياسية للوجه الشمالي الغربي من الضفة الغربية، في نموذج شبه نهائي للتنظيم الأبعد مدى للمشهد الفلسطيني منذ عام 1967.

إن السبب في كون جدار الفصل امتدّ عبر الضفة الغربية يعود إلى تبني الفكرة التي ترعرعت في أكناف يسار الوسط الإسرائيلي، وفي الدوائر العسكرية الإسرائيلية التي تستند إلى سابقة متمثلة في السياج الذي أحاط قطاع غزة منذ اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987.

- الكتاب: الجدار العازل الإسرائيلي
- المؤلف: أنيس مصطفى قاسم
- الصفحات: 400
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت
- الطبعة: الأولى/2007

بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في سبتمبر/أيلول 2000 طالبت شخصيات من حزب العمل مثل حاييم رامون وإيهود باراك بتبني قضية الجدار، وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام ذاته وافق باراك على إنشاء حاجز لمنع مرور المركبات الآلية في الضفة الغربية، غير أن خطته كانت جنينية ولم يتح لها الوقت الكافي للانطلاق.

ومع شارون الذي بدا أكثر تناغما مع مطالب المستوطنين بدأت المرحلة الواقعية لفكرة الجدار في التجسد، فانطلق شارون شرقا وإلى اليمين في اتجاه المركز السياسي الإسرائيلي الجديد الذي يضم الأحزاب القومية المتطرفة ومجالس المستوطنات.

ومع أن قبول الليكود بفكرة الجدار يعتبر انقلابا أيديولوجيا كبيرا في الحزب الذي كان معظم أعضائه يرفضون تنازل إسرائيل عن السيطرة على أي جزء من الضفة الغربية، فإن جذور فكرة الجدار كانت موجودة منذ ثلاثين عاما.

وقد شكلت هذه الفكرة مرجعا لكل المناقشات الإسرائيلية بشأن الضفة الغربية، كخطة ألون التي وضعت بعد حرب 67 ودعت إلى احتفاظ إسرائيل بالسيطرة الدائمة على وادي الأردن (وهو شريط من الأرض يمتد بمحاذاة البحر الميت، ورقعة عريضة تحيط بمنطقة القدس وتقطّع الضفة إلى قسمين).

جدار الكارثة
بدأ اهتمام الولايات المتحدة بموضوع الجدار بتاريخ 9 أكتوبر/تشرين الأول 2003 عندما وجه رئيس الوفد السوري لدى الأمم المتحدة، ورئيس المجموعة العربية رسالة إلى رئيس مجلس الأمن يطلب فيها عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن لبحث انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الإنساني.

عرض على مجلس الأمن مشروع قرار ينص في جانبه الموضوعي، على أن تشييد إسرائيل (سلطة الاحتلال) للجدار في الأراضي المحتلة يعتبر إخلالا بخط هدنة عام 1949، وهو غير قانوني بموجب أحكام القانون الدولي ذات الصلة ويجب وقفه وإلغاؤه.

"
خط الهدنة الذي له صفة دولية هو خط الهدنة عام 1949 وهو الذي يجب أن تتوقف إسرائيل عن مزاولة أي نشاط أو وجود فيما يتجاوزه لا خط الرابع من يونيو/حزيران 1967
"
نال المشروع أغلبية عشرة أصوات مع امتناع أربعة أعضاء عن التصويت واعتراض صوت واحد (الولايات المتحدة) بحق النقض.

وبعد فشل مجلس الأمن في تمرير المشروع طرح الموضوع على الجمعية العامة في جلسة استثنائية، فاتخذت قرارا في أكتوبر/تشرين الأول 2003 يطلب من إسرائيل وقف بناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس وما حولها، لأنه يعتبر إخلالا بخط هدنة عام 1949، ومخالفة لأحكام القانون الدولي ذات العلاقة.

ويلاحظ في هذا القرار والقرار الذي نقضته الولايات المتحدة في مجلس الأمن أنهما أشارا إلى حدود خط الهدنة لعام 1949، وليس إلى حدود عام 1967، أي أن خط الهدنة الذي له صفة دولية هو خط الهدنة وهو الذي يجب أن تتوقف إسرائيل عن مزاولة أي نشاط أو وجود فيما يتجاوزه.

ومن المؤسف أن الموقف الفلسطيني والعربي قد غض النظر عن هذا، واعتبر خط الرابع من حزيران عام 67 خطا ذا صبغة قانونية.

والموقف الأصح هو التمسك بأن تكون نقطة البداية هي خط الهدنة الذي لا يعتبر حدا دوليا له صفة الدوام، ويكون التفاوض لاسترداد ما خالفت به إسرائيل قرار التقسيم، وهذا الموقف لا يتناقض مع القرار 242.

لماذا لم يقم الجدار على خط الهدنة (الخط الأخضر)، أي الحد الفاصل بين الضفة الغربية وإسرائيل؟ هذا هو الوضع الطبيعي إذا كان القصد حماية إسرائيل من العمليات الفلسطينية، ولو أقيم الجدار على هذا الوجه لما ترتبت عليه النتائج الخطيرة على حياة الشعب الفلسطيني. وجاء الرد الإسرائيلي من الناطق باسم الخارجية من خلال قناة الجزيرة القطرية يوم 6 فبراير/شباط 2004 بأنه لو أقيم الجدار على الخط الأخضر لاعتبره الفلسطينيون خط حدود وهذا ما تريد إسرائيل تجنبه، لأن الحدود تعينها المفاوضات.

ولكن هذا الجواب يرد عليه بسؤال واضح هو: ألا ينطبق هذا المنطق على جدار يقام على الخط الأخضر؟ إذ كل ما يقتضيه الأمر أن تعلن إسرائيل أن الجدار لا يرسم حدودا، وبهذا تتجنب إسرائيل مخاوف الفلسطينيين.

كما أن ثمة سؤالا فلسطينيا وجيها هو: لماذا يقام الجدار في وادي الأردن الذي يبعد مئات الكيلومترات عن إسرائيل، خصوصا أنه لم تنطلق من الأردن عملية فدائية واحدة؟

النقطة الجيوبوليتيكية لعالم متأزم
في التاسع من يوليو/تموز قررت محكمة العدل الدولية بأربعة عشر صوتا مقابل صوت واحد معارض لقاض أميركي، أن تشييد إسرائيل للجدار في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، يشكل انتهاكا لعدد من الالتزامات.

ورأت المحكمة ضرورة هدم الجدار فورا، وأن تعوّض إسرائيل عن أي ضرر سببه هذا الجدار.

لا شك أن هذا القرار قد غير المشهد القانوني تغييرا كاملا لأسباب عدة :
- يعتبر القرار أول نطق قضائي على الإطلاق فيما يتعلق بجانب متداول في الوقت الحاضر من جوانب النزاع.

- لقد أذنت المحكمة لفلسطين بالمشاركة في القضية.
- خلصت المحكمة إلى أن الأراضي الفلسطينية المعنية هي أراض محتلة وليست متنازعا عليها كما زعمت إسرائيل.
- وجدت محكمة العدل الدولية أن المستوطنات الإسرائيلية تشكل انتهاكا للقانون الدولي.

- خلصت المحكمة إلى أن اتفاقيات جنيف تسري على الأراضي الفلسطينية.
- وجدت المحكمة أن قانون حقوق الإنسان الدولي يسري على الفلسطينيين.
- رفضت محكمة العدل الدولية ذرائع إسرائيل الأمنية المتعلقة بالجدار.

"
ما دامت المحكمة قد خلصت إلى أن الالتزامات التي أخلت بها إسرائيل التزامات على الدول كلها، وبأن هذه الالتزامات مبادئ أساسية آمرة في القانون الدولي لا يصح تجاوزها، فإن ذلك يعني أنها التزامات تتجاوز الرأي الاستشاري غير الملزم
"
وبالإضافة إلى ذلك أوضح الكتاب أن ثمة آثارا قانونية مترتبة على عدم شرعية الجدار بالنسبة للدول الأخرى، فقد أشارت المحكمة إلى أن الالتزامات التي تنتهكها إسرائيل تتضمن التزامات لها صفة العموم وهي حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وكذلك التزامات إسرائيل الأخرى وفقا للقانون الدولي الإنساني التي يتعين على كافة الدول التقيد بها لأنها مبادئ أساسية في القانون الدولي العرفي، وهذا يعني أن لكل دولة في العالم مصلحة قانونية في حماية هذه المبادئ التي تشكل لب النزاع في الشرق الأوسط.

ولعله من المحتمل أن يترتب على هذا الحق أن أي دولة في العالم تستطيع متابعته لدى محكمة دولية مختصة، إلا أن هذا ما زال غير واضح وفقا للقانون الدولي، وربما يكون قد آن الأوان للدول المؤهلة أن تقيم قضية تختبر فيها هذه الفرضية، كالقضية التي رفعتها إثيوبيا وليبيريا أمام محكمة العدل الدولية عام 1960 بعد سنتين من صدور آراء استشارية سابقة لمحكمة العدل الدولية في ما يتعلق بالوجود غير الشرعي لجنوب أفريقيا في ناميبيا (جنوب غرب أفريقيا سابقا).

ويورد الكتاب ما ذكرته إسرائيل من أن الآراء الاستشارية لمحكمة العدل الدولية غير ملزمة، لكن هذا الطابع غير الملزم لا يعني أنه ليس لهذه الآراء أثر قانوني، ذلك لأن التحليل القانوني المتجسد فيها يعكس الآراء المرجعية للمحكمة حول مسائل مهمة في القانون الدولي، وللتوصل لها فإن المحكمة تتبع بشكل أساسي القواعد والإجراءات نفسها التي تتبعها في أحكامها الملزمة الصادرة في قضايا خلافية بين الدول ذات السيادة، فالرأي الاستشاري يستمد قوته من حقيقة كونه البيان الرسمي للهيئة القضائية الرئيسية في الأمم المتحدة.

فما دامت المحكمة قد خلصت إلى أن الالتزامات التي أخلت بها إسرائيل هي التزامات على الدول كلها، وأن هذه الالتزامات هي مبادئ أساسية آمرة في القانون الدولي لا يصح تجاوزها، فإن ذلك يعني أن هذه الالتزامات تتجاوز الرأي الاستشاري غير الملزم الذي يبينها، كما يرى المؤلف، ويرى أن هذه الالتزامات تطبق على إسرائيل وعلى الدول الأخرى بشكل مستقل عن رأي المحكمة.

فتوى المحكمة في قضية الجدار
قبل عرض الوقائع اختارت المحكمة استخدام كلمة جدار (Mur) كما ورد من قبل الجمعية العامة، لأن العبارات الأخرى المستخدمة سور (cloture) وحاجز (Barriere) بمفهومها المادي ليست صائبة حسب الكتاب.

وبعد ذلك، ولتبيان ما إذا كانت إقامة الجدار مخالفة أو غير مخالفة للقانون الدولي قامت المحكمة بتحليل تاريخي مختصر لوضع الأرض المبحوث فيها منذ الحقبة التي كانت فلسطين فيها جزءا من الإمبراطورية العثمانية.

بتاريخ 29/11/1947 صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181 المتعلق بتوصية بخطة تقسيم فلسطين الذي أوصى المملكة المتحدة بصفتها الدولة المنتدبة، وجميع أعضاء الأمم المتحدة بتبني وتنفيذ مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين، ووضع نظام حماية دولية خاص بمدينة القدس.

وبتاريخ 16/11/1948 صدر عن مجلس الأمن القرار الداعي إلى الهدنة في جميع الأراضي الفلسطينية، واستنادا إلى هذا القرار عقدت اتفاقيات عامة للهدنة عام 1949 بين إسرائيل والدولة المجاورة.

"
بموجب القانون الدولي العرفي هناك أراض محتلة تعتبر إسرائيل فيها قوة احتلال، والأحداث المستجدة بعد ذلك في هذه الأراضي لا تغير شيئا في الواقع
"
ومن هذه الاتفاقات الاتفاق المعقود بين إسرائيل والأردن، وبموجب المادتين 5 و6 من هذا الاتفاق تم ترسيم خط الهدنة بين القوات العربية والقوات الإسرائيلية الذي عرف فيما بعد بالخط الأخضر.

وتنص الفقرة الثانية من المادة الثالثة لاتفاقية الهدنة على أن أي عنصر من القوة العسكرية أو شبه العسكرية من أي طرف لا يمكنه أن يتجاوز خط الهدنة لأي سبب.

وبتاريخ 22/11/1967 صدر عن مجلس الأمن القرار 242 الذي دعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في النزاع الأخير.

ومنذ عام 67 اتخذت إسرائيل العديد من الخطوات من أجل تغيير وضع مدينة القدس، وهذا ما دفع مجلس الأمن إلى إصدار القرار 298 عام 1971 الذي أكد أن جميع الأعمال التشريعية والإدارية التي قامت بها إسرائيل لاغية كليا ولا يمكن أن تغير الوضع القانوني للقدس.

وبتاريخ 30/8/1980 أصدرت إسرائيل القانون الذي جعل من مدينة القدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل، الأمر الذي دفع مجلس الأمن إلى إصدار قراره رقم 478 الذي دعا إلى عدم الاعتراف بهذا القانون.

ونتيجة هذا التحليل خلصت المحكمة إلى أنه بموجب القانون الدولي العرفي هناك أراض محتلة تعتبر إسرائيل فيها قوة احتلال، والأحداث المستجدة بعد ذلك ضمن هذه الأراضي لن تغير شيئا في الواقع.

بعد ذلك قامت المحكمة بالإشارة إلى إمكانية تطبيق اتفاقية لاهاي لعام 1907، واتفاقية جنيف الرابعة.

وبالنسبة لاتفاقية لاهاي، وعلى الرغم من أن المحكمة قد ذكرت أن إسرائيل ليست طرفا فيها، فإنها أكدت أن هذه الاتفاقية عبارة عن تدوين للقوانين والأعراف العامة التي كانت تطبق في حالة الحرب، وهي من القواعد التي أقرتها جميع الأمم.

ولهذا تعتبر هذه الاتفاقية صياغة للقوانين والأعراف المطبقة في حالة الحرب، وعليه أكدت المحكمة أن أحكام هذه الاتفاقية اكتسبت صفة العرف الدولي.

أما بالنسبة لاتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين، فقد جادلت إسرائيل في قابليتها للتطبيق على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأعلنت أنها تطبق طوعا الأحكام الإنسانية الواردة في الاتفاقية داخل الأراضي المحتلة، ولكنها تؤكد أنها غير ملزمة قانونا بتطبيقها داخل هذه الأراضي.

واعتمادا على الفقرة 2 من المادة الثانية من هذه الاتفاقية، فإن هذه الاتفاقية تطبق في حالة احتلال أراض تابعة لسيادة دولة متعاقدة، وأن الأراضي المحتلة من قبلها عام 1967 لم تكن من قبل تابعة للسيادة الأردنية، وينتج عن ذلك أن هذه الاتفاقية لا يمكن أن تطبق في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وقد قامت المحكمة أولا بالتذكير بأن إسرائيل قد صادقت على هذه الاتفاقية عام 1951 وأن إسرائيل طرف في هذه الاتفاقية، ثم قامت بالتذكير بأن الفقرة الأولى من المادة الثانية من اتفاقية جنيف الرابعة تطبق عند توفر شرطين: وجود صراع مسلح، وأن تكون هذه الحرب قد وقعت بين فريقين متعاقدين، وبناء عليه تطبق اتفاقية جنيف الرابعة بشكل خاص في كل أراض محتلة أثناء تلك الحرب من قبل الدول المتعاقدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة