عراق المستقبل   
الأحد 15/3/1426 هـ - الموافق 24/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:54 (مكة المكرمة)، 11:54 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة

يحاول مؤلفا الكتاب أن يقدما تصورا لمستقبل العراق قائما على أن عراقا موحدا يعني بلدا لا يمكن الدفاع عنه، ومن الأفضل  تقسيمه، ويقدمان تصورا سياسيا وتاريخيا للمقدمات والخلفيات التي أنشأت هذا الواقع غير المستقر.

 

- عنوان الكتاب: عراق المستقبل

- المؤلفان: ليام أندرسن وغاريث ستانسفيلد

- المترجم: رمزي ق. بدر

- المراجع: ماجد شبّر

- عدد الصفحات: 424

- الناشر: دار الوراق للنشر، لندن

- الطبعة العربية الأولى: 2005

أزمة العراق في السياق التاريخي

يستعرض الكتاب تاريخ العراق الحديث بدءا بعام 1920، تاريخ قيام الدولة الحديثة، ومرورا بعام 1932 عام الاستقلال الرسمي عن الانتداب البريطاني، ويشير إلى أن ثورة 14 يوليو/تموز 1958 التي كانت حدثا كبيرا في تاريخ العراق، أسست لتراجع في مساحة الاهتمام بالعشائرية والقبلية والتمايز الديني والطائفي وحتى العرقي.

 

ولكن العقلية القبلية عادت مرة أخرى بمجيء البعث إلى الحكم، واستمرت هذه الفترة نحو 35 عاما، مارست قيادات البعث في أثنائها حسب الكتاب العمل من منطلق طائفي وقبلي ومناطقي وفئوي أدى إلى التدهور الكبير الذي أصاب العراق، وبخاصة في البنية الاجتماعية.

 

ولكن العراق يتألف من تقسيمات طائفية يشكل الشيعة نحو 60% منها، والسنّة 35%، والنسبة الباقية (5%) مزيج من المسيحيين والمجموعات الدينية الأخرى، وقد جعل ذلك مهمة الحكام في العراق صعبة للغاية.

 

يقول المؤلفان "بالنظر لعمق هذه التقسيمات المجتمعة، ليس من المدهش أنه لم يكن أي حاكم للعراق قادرا على صياغة رؤية واضحة وشاملة لهوية وطنية لشعب عراقي ذي توصيفة خاصة".

 

ويقول المؤلفان إنه من الممكن أن تنبثق عن العراق المعاصر ثلاثة كيانات متميزة (الأكراد، والشيعة، والسنة) وسيكون كل منها متجانسا وقابلا للحياة كدولة مستقلة لكن التقسيم لا يخدم أي فئة أو طائفة أو عرق مهما كبر أو صغر، فالجميع في هذا التقسيم خاسرون.

 

"
الدور الكبير للملك المجرد من السلطة الحقيقية هو أن يكون رمز وحدة للعراق، لكنه فشل في توفير القواعد لظهور عراق موحد قوي مستقر في الوسط المناسب، وقد اعترف الملك في سنواته الأخيرة بهذا الفشل
"
مرحلة الملكية الهاشمية

عند انهيار الإمبراطورية العثمانية بحلول نهاية الحرب العالمية الأولى، قام الحلفاء المنتصرون بتقسيم البلاد العثمانية بينهم، حيث هيمنت فرنسا على لبنان الكبير، وبقيت الهيمنة البريطانية على ولايات بغداد والبصرة والموصل.

 

ومن أجل الإشراف على ممتلكاتها الجديدة، احتاجت بريطانيا قائدا عربيا مقبولا يحمي مصالحها من دون تكبد تكاليف اقتصادية غير ضرورية، فالتفتت إلى الأمير الهاشمي فيصل الذي كان محاربا إبان الثورة العربية ضد العثمانيين مما منحه نفوذا طبيعي في العالم العربي.

 

ولإضفاء الشرعية على حكم فيصل، نظّم البريطانيون اقتراعا كانت نتيجته هي حصوله على 96%، وهكذا في آب 1921، عيّن رجل لم يكن زار العراق من قبل، قائدا جديدا للأمة بصورة رسمية.

 

وكان من المفترض أن الأكراد، كوجود عرقي بارز في الشرق الأوسط، سيمنحون دولتهم الخاصة، وهي حصيلة المعاهدة المبرمة بهذا الخصوص – معاهدة سيفر الموقعة في آب 1920 بين الحلفاء المنتصرين والإمبراطورية العثمانية المهزومة، وكانت هذه الدولة ستشمل الأكراد في ما يسمى الآن تركيا مع أكراد العراق، وسيتم السماح للكيان الناتج- دولة كردستان العراق- أن تطلب الدخول إلى عصبة الأمم خلال سنة من توقيع المعاهدة.

 

لكن حلم الأكراد في كيان مستقل خاب فورا، حيث اكتسحت حركة وطنية في تركيا قادها مصطفى كمال أتاتورك بقايا الحكم العثماني وأعادت تثبيت التحكم التركي في المناطق الكردية في القسم الجنوبي الشرقي من تركيا.

 

وبعد ذلك طالب أتاتورك بالموصل كمنطقة تركية ودعم مطالبته بغزوه للمنطقة، لكن البريطانيين الذين واجههم احتمال فقدان التحكم في ولاية الموصل الغنية بالنفط أوقفوا التقدم التركي بنجاح، وطردوا الأتراك عبر ما سيسمى فيما بعد الحدود التركية- العراقية، وفي عام 1925 اعترفت لجنة عصبة الأمم المتحدة بشرعية هذه الحدود.

 

كان الحكم البريطاني يمارس صلاحيات واسعة من خلف الستار عن طريق جهاز من المستشارين السياسيين الذين يعينون لمختلف إدارات الحكومة لضمان أن تكون المصالح البريطانية ممثلة داخل النظام.

 

وكان الدور الكبير للملك المجرد من السلطة الحقيقية، هو أن يكون رمز وحدة للعراق، لكنه فشل في توفير القواعد لظهور عراق موحد قوي مستقر في الوسط المناسب، وقد اعترف الملك في سنواته الأخيرة بهذا الفشل.

 

بعد وفاة الملك فيصل عام 1933، تبوأ ابنه غازي العرش، لكن غازي الذي كانت تنقصه مواهب والده، تمتع بحب الشعب، بسبب كرهه للبريطانيين المقنع بقناع رقيق، وكان غيظ البريطانيين منه شديدا، وبخاصة عندما بدأ بنشر أفكار موالية للعرب وعواطف مضادة للبريطانيين في كل أنحاء الشرق الأوسط.

 

لذلك لم يقتنع الكثير بالرواية الرسمية البريطانية عن موته إثر غيبوبة عندما اصطدمت سيارته بعمود هاتف، واستنتجوا أن البريطانيين قد اغتالوه.

 

وشهدت تلك المرحلة هيمنة سنية في الوزارات وداخل القوات المسلحة، وقد ظهرت قوة كبرى منظمة هي الحزب الشيوعي العراقي(ICP) الذي لم يكن مسموحا له بالاشتراك في الانتخابات، واعتمد على التزامات قيادته الأيديولوجية بتشكيل نسيج متماسك. وفي أواخر الأربعينيات أصبح أفضل قوة سياسية منظمة في العراق.

 

وبعد إنشاء إسرائيل في عام 1948، كانت الطريقة الأكثر ثباتا لتوحيد شعب العراق العربي هو تركيز الاهتمام على العداء لإسرائيل.

 

"
بالرغم من أن حكم البعث قد فعل أكثر من أي حكم سابق لدمج المقومات العربية لدولة العراق في وحدة وطنية متماسكة، فإن المقومات الكردية تمّت معاملتها بقسوة ثم جرى عزلها
"
عراق الثورة والجمهورية

لقد كان الانقلاب العسكري في عام 1958 علامة حاسمة في تاريخ العراق، فقد جلبت "الثورة" إلى السلطة شخصا فرديا هو اللواء عبد الكريم قاسم الذي ظهر أنه التجسيد الصحيح للتنوع العرقي والطائفي في العراق، حيث كان والده عربيا سنيا ووالدته كردية شيعية.

 

لكن سلسلة من الانقلابات والانقلابات المضادة حدثت في العقد الأول من الجمهورية العراقية، وظهرت من وسط الفوضى قوة واحدة منتصرة، هي حزب البعث، الذي برهن على أنه قادر على ضبط النظام في العراق.

 

وقد كان الانقلاب العسكري الذي أطاح بالملكية الهاشمية في عام 1958، شعبيا وعنيفا وساهمت فيه أحزاب عدة اتفقت على الحاجة إلى تصفية جميع آثار النظام السياسي السائد.

 

كان حزب البعث قوة صغيرة في السياسة العراقية عام 1958، على عكس الحزب الشيوعي الذي ازدادت هيمنته على الشارع بقوة عام 1959، لكن تعبئة الدعم للقضية القومية العربية، كان من أهم الأسباب التي أدت إلى توسيع حزب البعث على حساب الحزب الشيوعي.

 

وقد شهدت المرحلة أحداث عنف، كان التعذيب والإعدام فيها مألوفا، وتم التركيز على تمزيق الحزب الشيوعي وقواعد دعمه، كما حدثت محاولات لسحق المقاومة الكردية.

 

حكم البعث: المرحلة الأولى

عمل حزب البعث في السنوات العشرين الأولى من حكمه على ترسيخ قبضته في السلطة والحفاظ عليها، وكان الكثير من أساليب الحكم التي استخدمها تحويرا للنظريات التقليدية وليست جديدة. وكما هي الحال دائما، كان العراق يحكمه السنة، وكان استخدام المحسوبية في التوظيف أكثر اتساعا وتأصيلا مما كان عليه في السابق.

 

لكن هذا الأسلوب نشأ مع البريطانيين وليس مع البعث، فقد كان البريطانيون أيضا يعتمدون كثيرا على مبدأ "فرّق تسد" لتحويل العراق إلى مجموعات يائسة تنكفئ على نفسها، ويتجنبون بذلك ظهور معارضة متحدة.

 

ولعب صدام اللعبة نفسها- وبخاصة في كردستان العراقية- لكن بنجاح أكبر، وقد تحوّل الحكم الدكتاتوري إلى عبادة فرد، وبذلك تحطمت الروابط المجتمعية التقليدية بصورة مدروسة.

 

وبالرغم من أن حكم البعث قد فعل أكثر من أي حكم سابق لدمج المقومات العربية لدولة العراق في وحدة وطنية متماسكة، فإن المقومات الكردية تمّت معاملتها بقسوة ثم جرى عزلها.

 

شهدت هذه المرحلة الحرب الإيرانية- العراقية التي استمرت ثمانية أعوام، وقد كلّفت العراق تكاليف باهظة.

 

"
إذا كان للقضية العراقية أن تحل فعلا، فإنها ستتطلب أكثر من استبدال نظام دكتاتوري خاصة أن الجهود المستمرة لإبقاء دولة العراق موحدة قد ولدت عنفا ودكتاتورية
"
تدمير العراق

في أعقاب الحرب العراقية الإيرانية، تدهورت العلاقات بين العراق والكويت، ثم كان غزو العراق للكويت في 2 أغسطس/آب 1990، وقد صدرت عقوبات الأمم المتحدة في أغسطس/آب 1991 ضد العراق، ودفع ثمنها الشعب العراقي.

 

ولعل أبرز حدث في هذه المرحلة هو نهاية حقبة صدام بحلول مايو/أيار 2003، وقد شهدت هذه الفترة بدء تقسيم العراق، وأعطي الأكراد حكما ذاتيا في الشمال.

 

وأصبح العراق بحلول عام 2003 دولة جامحة يصعب حكمها في غياب صدام حسين، وأصبحت قضية شيعة العراق وسيلة دعائية استغلها البيت الأبيض لتصوير صدام وكأنه شيطان، وبقي الارتباط الإقليمي للسنّة مع الدول العربية الأخرى يوفر لمهندسي مستقبل العراق واقعا بنيويا من الصعوبة التغلب عليه.

 

وقد كان للعصبية القبلية أثرها في الدولة العراقية الأولى وخاصة محافظة الأنبار، المدينة العراقية القديمة التي بنيت في زمن الاحتلال الفارسي للعراق قبل الإسلام، ويسكنها العرب السنّة ويتمتع فيها التيار السلفي بتأييد كبير.

 

كان  النظام السياسي العراقي تعامل مع التيار السلفي في فترة الحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988، لأن النظام كان بأمس الحاجة إلى هذا التيار لمساندته في الحرب ودعم مجهوده، خصوصا أن ذلك التيار يعتبر الشيعة كفرة قتلهم واجب بل يقربهم إلى الله.

 

أكراد العراق

وضع الأكراد أقلية غير عربية في دولة عربية بصورة أساسية، إضافة إلى منافسيهم الداخليين المتأصلين والمستمرين، يعني أن التاريخ الكردي العراقي منذ تشكيل العراق يتميز بسلسلة من الكوارث والمآسي الواحدة تلو الأخرى.

 

وإذا كان للقضية العراقية أن تحل فعلا، فإنها ستتطلب أكثر من استبدال نظام دكتاتوري، خاصة أن الجهود المستمرة لإبقاء دولة العراق موحدة قد ولدت عنفا ودكتاتورية.

 

وببساطة قد لا تكون هناك أي طريقة أخرى لضمان الدمج الإقليمي للدولة العراقية، لذلك إذا كان من الواجب ألا يفشل العراق كدولة فإنه مكتوب عليه أن يحكم بالقمع، والبديل هو تقسيم دولة العراق.

 

وربما كانت كردستان تمثل الدم المتقيح الذي يلغي شرعية دولة العراق، ولكنه قد يكون الآن التعويذة السحرية لفترة انتقالية من خلال تقسيم مدبر.

 

ولا يمكن لأحد أن ينكر أن للأكراد مشاكلهم الخاصة الداخلية الخطيرة، ومع ذلك فقد استطاعوا أن يتولوا السلطة في كيان قابل للعيش مدة عقد من السنين بمساعدة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وباستثناء إسرائيل وتركيا، قد تكون كردستان أقرب ما يكون إلى إدارة كيان ديمقراطي في الشرق الأوسط.

 

ومما لا شك فيه أن نجاح الديمقراطية العراقية (إن نجحت فعلا) سيكون هو الإنجاز المذهل لإدارة بوش، وإذا لم تنجح، فسيشعر العراق والشرق الأوسط بخيبة أمل كبيرة.

 

"
إذا كان من الواجب ألا يفشل العراق كدولة فإنه مكتوب عليه أن يحكم بالقمع، والبديل هو تقسيم دولة العراق
"
مأزق الديمقراطية

حاولت الولايات المتحدة تحويل العراق إلى الديمقراطية وتحويل الشرق الأوسط إليها بدرجة أقل، بقوة السلاح. وقد أعطت خيارات عدة للديمقراطية حاولت ومازالت تحاول أن تطبق أحدها على الواقع العراقي، وبذلك وجدت نفسها تحتل بلدا ينتظر الإيفاء بوعودها.

 

وبعد فشل مجلس الحكم العراقي في تأدية وظيفته بدأ التمرد السنّي في نوفمبر/تشرين الثاني 2003 الذي أمتد بعد ذلك واتسع إلى أبعد من الأقلية العربية السنية من سكان العراق.

 

في الوقت نفسه، كانت الأكثرية الشيعية تتأهب للسلطة، خاصة مع ظهور صوت رجل الدين الموقر آية الله السيستاني الذي يعتبر أكثر الأصوات نفوذا في عراق ما بعد صدام.

 

وقد ظل الأكراد محافظين على استقلالهم الذاتي في شمال العراق، وبدأ الشمال يزدهر اقتصاديا أكثر مما كان خلال التسعينيات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة