الشخصية الجزائرية   
الثلاثاء 1428/10/18 هـ - الموافق 30/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 12:41 (مكة المكرمة)، 9:41 (غرينتش)

عرض/سكينة بوشلوح

تتعدد سبل الحديث عن الهوية، وفي تعددها يقوم الإشكال، لاسيما إذا كان المقصد يتعلق بإبراز أحوال روحية وفكرية وسيكولوجية جماعية تميّز بها قبيل من البشر، تكرس له الوجود على رقعة من الأرض عُرف بها وعرفت به.

وللحديث عن الهوية الجزائرية أصدر الباحث الدكتور سليمان عشراتي كتابه "الشخصية الجزائرية.. الأرضية التاريخية والمحددات الحضارية" ترسم فيه شيئا من الشواهد والمظاهر الاجتماعية والفكرية الجزائرية التي قد تقربنا ولو خطوة من فهم الشخصية الجزائرية وما يعتريها من حال تجمد الرؤى حيال مسائل الهوية والتاريخ، الأمر الذي عمق في نفوس الكثير من الجزائريين حساسية إزاء محاذير وطنية ووحدوية، جعلتهم يرتابون في كل مسعى يدعو إلى التنوع والاختلاف حتى وإن كانت المقاصد بريئة وفيها إغناء وإثراء.

وانطلاقا مما تفرضه الطبيعة التحليلية للموضوع، عمد المؤلف إلى تقسيم كتابه تقسيما ابتعد به عن المنهج الأكاديمي المعهود في نظام الفصول والأبواب والمباحث، وفضل تقديمه في شكل طرح لأفكار متسلسلة يرتبط التالي منها بالأول ارتباط تحليل واستنتاج.

- الكتاب: الشخصية الجزائرية
- المؤلف: سليمان عشراتي
- الصفحات: 287
- الناشر: ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر
- الطبعة: الأولى/2007

الأصل.. واقع وافتراض
المراحل الأولى من التاريخ البربري الإسلامي لا تزال مجهولة التفاصيل، وتحتاج إلى جهود المنقبين من أجل إعادة تشكيل الصورة التي عرفتها الأحداث في ذلك المنعطف الحاسم، إذ بمعرفة الكيفية التي تمت بها وقائع الفتح الإسلامي تتحدد كثير من ملامح الشخصية الجزائرية وتتجلى القابلية التي وراء هذا الانخراط الحيوي في الدين الإسلامي الذي ميز البربر وجعلهم يغدون حماة لعقيدته ومبلغين لشريعته عبر الآفاق.

من هذا المنطلق يشير المؤلف إلى أن المؤرخين الجزائريين يقررون انفراد الأصل البربري عن الأصل العربي، إذ إن منحدر كل منهما يأخذ تفرعا يبتعد به عن الآخر.

وإذا كان أمر الأصول الأولى للأقوام والجماعات ومنحدرهم السلالي والموطني يعد من باب الظنيات أو التقديرات التي تظل في حاجة إلى السند التوثيقي العلمي كي تتقرر صحتها، فإنه من المؤكد أن أصل البربر وموطنهم قد عرف افتراضات مختلفة عزت نسبتهم إلى هذا المنحدر أو ذاك دون أن تتوافر لتلك الافتراضات شواهد قطعية تحسم في أمر النسبة والمنشأ.

وشأن البربر في هذا -يؤكد المؤلف- هو شأن الشعوب قاطبة، إذ إن تاريخ الإنسانية وحركتها لا يزالان يعتمدان على الحدس والاستقراءات التقريبية التي تفيد بها بقايا آثار الحفريات والإيعازات الخبرية القديمة التي لا تستطيع أن تلقي بالضوء الساطع على فجر هذا التاريخ ولا على المسارات والتوزعات التي عرفتها البشرية منذ طفولتها فوق هذا الكوكب.

وهنا يلاحظ الدكتور سليمان عشراتي أن الإحالة التاريخية إلى كثير من نسابة البربر على منحدرهم الأصلي، قد تميزت بحرصها الجلي على إبراز مشرقيتها، فهي تجعل موطنهم الأول اليمن أو بلاد العرب أو فلسطين.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى يؤكد أن حادث الفتح الإسلامي شكل معلما مركزيا في تاريخ البربر، وكان من نتائجه المتواترة -على صعيد تحديد الانتماء والتواصل العرقي- أن تحولت شجرة النسب عند كثرة منهم صوب المشرق، إذ غالبا ما تنتهي بجذورها إلى المنبع الإسلامي إما بالأصالة وصراحة النسب العربي وإما بالتبعية والموالاة لذلك النسب.

ولعل ما كان عليه العرب من عز ونبل وغلبة باعتبارهم أهل العقيدة الإسلامية، يعتبر مسوغا يفسر هذا الموقف الانتسابي الذي يعرب عنه البربر.

إن حالة التساوي العرقي التي تكرست منذ منطلق الدعوة الإسلامية ألغت النظرة الامتيازية للعرق، إذ سادت روح الأخوة بين المسلمين ولم تنجم بينهم النعرات الشعوبية إلا حين ضعُف الوازع الديني وهان شأن العرب باحتلال الصدارة الاجتماعية والسياسية من قبل طوائف أعجمية كان الوازع الديني لديها منعدما، فلم تتردد في ممارسة ضرب من التميز الشعوبي والقومي ثأرا لما أحست أنه لحقها في كنف الفتح والسيادة العربية.

وكل ذلك نال مما كان للجنس العربي من اعتبار ديني وريادي، وزهد الأقوام الأخرى في الانتساب إليه، اللهم إلا ذلك الانتساب الذي كان الحبُّ الراسخ للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ولآله الكرام ودعوته الغراء من بواعثه.

"
حالة التساوي العرقي التي تكرست منذ منطلق الدعوة الإسلامية ألغت النظرة الامتيازية للعرق، لما ساد من روح الأخوة بين المسلمين، ولم تنجم بينهم النعرات الشعوبية إلا حين ضعُف الوازع الديني وهان شأن العرب
"
وعليه يخلص المؤلف إلى أن الحرص على الانتساب إلى اليعربية أمر مدني اندماجي وليس عرقيا، إذ تحولت العروبة إلى جنسية ثقافية وحضارية بفضل الدين، ولم تعد عرقا ولا عصبية تحتكر الشأن الروحي والزمني وتنبذ الأمم والأجناس الأخرى، تماما كما كان شأن تحول القرشية بالقياس إلى العرب والمسلمين.

فقد اكتسبت هذه القبيلة المركزية الطابع المرجعي المقدس بعدما استوعبت خصوصية دينية تجاوزت بها التعصب القبلي (الملأ) الذي كان لها قبل الإسلام، والذي ربما كان وراء أحداث شقاقية في عهد الدولة الإسلامية، حين انبعثت القرشية سلوكا ملكيا واستبداديا لا أخوة فيه.

وفي ختام الموقف لا يجد المؤلف حرجا في التأكيد أن واقع الامتزاج العرقي الذي أحدثته الهجرات والنزوح الجماعي -وفي كلا الاتجاهين- يفند كثيرا من فرضيات صفاء النسب وصراحته.

إذ إن الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا دشن مرحلة عارمة من التداخل الجنسي ليس فقط بين البربر والعرب، ولكن بين أعراق شملت أقواما مشرقية وآسيوية وأوروبية وأفريقية مختلفة، وشكلت من الجميع محصلة بشرية تنتمي إلى دين تعمقتها شعائره وإلى حضارة تلبستها مقوماتها المدنية والثقافية واللسانية.

من عصبية بدوية إلى سيادة مدنية
في مستهل حديثه عن الارتباط الاجتماعي، يشير عشراتي إلى أن الانتساب البربري أو اليعربي انتساب يحيل في حالتيه على البداوة، إذ السلف لم ينشؤوا فقط بدوا، ولكن ثقافة البادية والعقلية الرعوية والزراعية قد لازمتهم عهودا طويلة قبل أن يدركوا مستوى من التمدن والاستقرار.

ولأن حركة التاريخ ووقائع الاجتماع ظلت بشمال أفريقيا عرضة للتقلبات، بقي إنسان هذا الشمال بدوره عرضة للنكسات، وهو ما انعكس بالسلب على عملية التراكم الحضاري التي ظلت تنحدر من خلال تداعيات التغلب وتصارع العصب وما يسببه ذلك من إخلاء للعمارة وانزياح عبر الفضاء.

وذلك هو بعينه واقع التبدي الذي طفقت عجلة الزمن تدور عليه في شمالنا، لاسيما منذ العصور الإسلامية الوسطية وما أحدثه منطق التغلب من فتن كانت حربا على المدنية.

ومن ثم يشير المؤلف إلى أن روح القبلية استرسلت وطبعت تاريخنا ومدينتنا في المعاش والاجتماع، حتى إن الأحياء التي تنشأ في المدن والقرى إلى اليوم ما زالت تتراص وتتكتل وفق انتماءات قبلية.

والسبب أنه قر لديه من خلال موروث التجارب والأخبار أن لا دولة تقوم ولا اجتماع سياسيا يتحقق إلا إذا تداعت له العشائر الأوْلى فالأوْلى ورفعت له شارة وراية، وهو ما يراه واضحا في تاريخنا الراهن من خلال العمل الحزبي والسياسي الذي دشنت به مرحلة الديمقراطية في الجزائر، إذ دلت تجربة الأحزاب الجزائرية على أن السياسة ما زالت تكتب بشفرة القبلية والتعصب.

لقد كان تداعي الأحزاب يتم على إيقاع قبلي جهوي، وكان الوازع التجمعي الذي وسم تلك التكتلات وازعا دمويا وجهويا، وكان زادها من البرامج هو حديث القبيلة و"الدشرة" (القرية) ولا شيء بعده. ومن ثم أعاق بروزَ الدولة الوطن بروزُ الدولة القبيلة التي أبخست الوطن حظه من المدنية وعمقت محنته.

ومتأثرا بابن خلدون وفي لاحق حديثه عن العصبية القبلية، يرى المؤلف أن السلطان يجنح إلى الانفصال عن العصبية ما إن تستوي السبيل في وجهه ويقر له القرار، مما ينحرف بالروابط إلى حال من التكلف والنفاق.

"
روح القبلية استرسلت وطبعت تاريخنا ومدينتنا في المعاش والاجتماع، ومن ثم أعاق بروزَ الدولة الوطن بروزُ الدولة القبيلة التي أبخست الوطن حظه من المدنية وعمقت محنته
"
وهذا ما يجعل السلطان يمعن في سلوك خطة المباعدة، فيتحول الأمر إلى خلق اجتماعي تتطبع به الفئات والطبقات، لأنه يسري من السلطان ورجاله إلى فئة العلماء والوجهاء، وتتحول بذلك المؤسسة الاجتماعية في ظل الوضع العام إلى بوتقة تتدافع فيها المصالح بعناد خفي أو ظاهر ينعكس بالسوء على السلطان حين تنحل الدولة أو يهون شأنها فيكون الخروج والتمرد والهدم وهجر المنازل.

وفيما يخص المجتمع الجزائري يقرر المؤلف أن وطأة التاريخ قوية على صعيد الروابط والقيم الاجتماعية، فواقع التبعية السياسية للأجنبي والحرمان الهيكلي والتمرسي (الخبراتي) هو ما جعل النفسية الجزائرية تعاني شحا عاطفيا في علاقتها بالسلطان، أي بالدولة.

والإنسان الجزائري -حسب رأيه- ظل على مدى التاريخ يبحث عن السند المادي والمعنوي العمومي الذي تمثله الدولة القومية، لأنه عاش دائما مستريبا من الدولة فاقدا للثقة بها، مما أورثه إحساسا مزمنا بالصعلكة المدنية والسياسية تجاهها إذا صح التعبير.

لذا فهو دائما يحمل مشاعر الحب والكراهة للدولة، يحن إليها لأنه قضى زمنا طويلا في البحث عنها، ويكرهها لأنه عانى من وطأتها، فهو في نهاية الأمر ما زال ساذجا حيال المعاني الثقيلة المرتبطة بالمدنية وفي مقدمتها "الدولة".

ويعلل المؤلف موقفه هذا باستقراء تاريخ المنطقة وتحليله، إذ يرى أن عصر الإمبراطورية المرابطية الموحدية بالنسبة إلى الفرد الجزائري عصر تأهيب وتحضير لتقبل اللفحات الحضارية الراقية، لأنه ساهم في صنعها بصورة فعلية من خلال نهوضه بالشأن السياسي وإدارته لمرافق الحكم والدولة على نحو عملي مباشر، مما قرب إليه وإلى قبائل المنطقة روح الأبهة السلطانية المجبولة على نوازع الخيلاء.

غير أن ملابسة المدنية لم تستمر، إذ بسقوط الإمبراطورية الموحدية تعرّى ظهر الجزائري من جديد، ولم يعد يجد العاصم القاهر الذي يقيه تصدعات المغالبة التي عرفها لاحقا.

وحين جاء الأتراك كانت الصلة بينهم وبين السكان في غالب الأحيان صلة رسمية بسبب تباين اللسان والمنشأ الجغرافي على الأقل، أما حين حل الاستعمار الفرنسي فقد اتسع حال الإحساس بالحرمان والظلم والغبن، وكانت الأحوال غير العادلة والمليئة بالأذى تحفر في مشاعر الجزائريين صورة للسعادة المفقودة، فتحت عيون الجزائريين على أحوال من الغطرسة والتعالي التي ستصبح بفعل التمادي أحوالا شبه طبيعية.

ومن هنا ستعيش الجزائر المستقلة بداية شاذة لانحراف القيم في أخلاق الرجال بعدما أصبحوا حكاما ومسؤولين، إذ وجد كثير منهم أنفسهم يتصرفون تحت وطأة الصور المختزنة في مواجدهم للسيادة كما عايشوها تحت القهر وكما عاينوها في سلوك أسياد الأمس.

عقلية الجزائري عبر واقع التحول والتراكم
الحديث عن العقلية الجزائرية يتجاوز الحديث عن العقل المحض الذي هو تلك الفاعلية الإدراكية والتجديدية التي يتعامل بها الإنسان مع محيطه، إذ العقل يشمل ويستوعب خصائص أخرى متصلة بالشخصية في عمومها.

ومن ثم يقرر الدكتور عشراتي أن مفهوم العقلية في التداول الجزائري لا يعني معنى محددا، ولكنه يومئ إلى جملة معان تتعدد على نحو تقريبي بالذهنية الاجتماعية وبمستواها الثقافي وارتقائها المعرفي ومزاجها ودرجة استجابتها التي باتت ضحية لوتيرة الحركة المتسارعة التي تتفاعل بها حياتنا المعاصرة مع موروثنا القيمي والأخلاقي الذي يمثل زمام عقليتنا.

"
أمام العولمة الزاحفة والبداوة المتحكمة تستطيع نوازع التأبي التي تطبع الجزائري أن تحمله على الانتفاض من أجل أن يصحح الاعوجاج، ويسترد للشخصية الجزائرية هويتها بعد عهود طويلة من الهدم والتفكك
"
إن الظواهر المدنية المستجدة والمتكرسة بصورة آلية أوشكت كما يذكر الكاتب أن تأتي على بنية التقاليد التي تأصلت بها الشخصية الجزائرية، وتمحوها وتستعيض عنها بجلباب مصنوع من القيم الورقية التي لا يروج لها إلا منطق الأخذ بالتقليعات الموسمية.

من هنا تعذر على المؤلف أن يقوّم فداحة ما تهدره حركة التطور الدائبة من مقدرات معنوية ومادية صميمة، لأن حركة الهدم والإتلاف القيمي هذه التي تستهدف البنية العقلية من تراث الجزائر تجد في متغيرات الوضع الدولي الملابس لنا بصورة عضوية من خلال الإعلام الأجنبي والتبعية المعرفية، ما يصعد من وتيرتها على الدوام، خاصة بعدما استكان لها الإنسان الجزائري وترك أمواجها تتقاذفه بمأساوية وهوج.

وفي خضم هذا الواقع يرى المؤلف أن الأجيال الصاعدة وجدت نفسها تعيش شبابها من غير ما تحضير، وراحت ترتب مواعيدها بالارتجالية والتقليد الأخرق للأجنبي، لأنها لم تجد ميزانا أهليا أصيلا يتكفل بفرحها ويضفي عليها البهجة والدفء، وكل ذلك بسبب الانفتاح الشامل على الإعلام الدولي المصدر إلينا بتخطيط من قبل العالم الإمبريالي.

ويضيف المؤلف أن ما يعيشه المجتمع الجزائري على صعيد القيم المعنوية، يعيشه أيضا على صعيد المقومات المادية الأخرى من حيث الهدر لها والتفريط فيها، فالاستهلاك الغاشم لقيمه العتيقة يتوازى مع استهلاك أهوج وشرير لمقدراته المادية الأخرى من طاقة وماء وبساط سهلي فلاحي وتراث حضاري أركيولوجي.

ويرى المؤلف أن ذلك المنطق تسرب إلى عقلية الجزائري لطول ما ناء به كاهله من أعباء الحرمان والعناء، فاكتسب نفسية وصولية باكية شاكية.

وأمام هذه العولمة الزاحفة والبداوة المتحكمة وبنظرة متفائلة، يقرر المؤلف أن نوازع التأبي التي تطبع الجزائري هي التي ستحمله على الانتفاض من أجل أن يصحح الاعوجاج، ويسترد للشخصية الجزائرية هويتها بعد عهود طويلة من الهدم والتفكك.

فالمجتمع الجزائري مجتمع لا يركن إلى رتابة الحياة لأنه على مدار القرون الطوال عاش مكافحا لا تخمد فيه الثورة إلا ليعاود المنافحة عن إنسانيته.

وهنا يختم المؤلف بالتساؤل عن ما إن كانت الانطلاقة الراهنة تكفل للمجتمع الجزائري المضي الذي لا رجعة بعده، والانخراط الصادق في مهام إنجاز الشأن التاريخي واجتياز المكانة المشرفة وتبوؤ المركز الكريم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة