تخليص الإبريز في تلخيص باريز   
الخميس 1432/12/1 هـ - الموافق 27/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 8:06 (مكة المكرمة)، 5:06 (غرينتش)


"كما أن البلاد الإسلامية قد برعت في العلوم الشرعية والعمل بها، وفي العلوم العقلية، وأهملت العلوم الحكمية بجملتها، فلذلك احتاجت إلى البلاد الغربية في كسب ما لا تعرفه، وجلب ما تجهل صنعه".

رفاعة رافع الطهطاوي.. واحد من قادة النهضة العلمية في مصر.

ولد الطهطاوي عام 1801م بمدينة طهطا بمحافظة سوهاج بصعيد مصر. حفظ القرآن الكريم في صغره. وبعد وفاة والده اهتم به أخواله العلماء حتى التحق بالأزهر في سن السادسة عشرة.

شاء القدر أن يجلس بين يدي الشيخ حسن العطار، ينهل من علمه ويصقل من حكمته. بل يقف الشيخ وراء ترشيح تلميذه لبعثه فرنسا إماما لها.

في بلاد الفرنجة، شاهد الطهطاوي ما لم يشاهده من قبل.. وكأن الدنيا قد خلقت من جديد.. علوم وعمارة مختلفة.. عادات وتقاليد غير التي يعرفها.. أشياء لم تكن قد خطرت على باله من قبل.

لم يترك الطهطاوي الانبهار ليهزمه، بل أسرع ليتعلم لغة القوم ليأمنهم ويعرفهم، ويرسم بقلمه أفكارهم.

من النقيض إلى النقيض.. من الحلال إلى الحرام.. ومن الشرق إلى الغرب كانت رحلته.. رحلة يلوح فيها صراع بين القديم والجديد.. بين الأصالة والمعاصرة.. إلا أن الرحالة لم يلبث أن ينتصر في معركته.. فكما انبهر.. انتقد.. وكما وصف الجمال.. وصف القبح.

باريس.. عاصمة الفن والجمال.. أيتها المدينة الساحرة ذات العطر الفواح.. كيف أنقل عطرك إلى الوطن.. إلى بلاد العرب.. أي مصفى أحتاج إليه حتى أميز الخبيث من الطيب.. أي الزهور ينبت في أرضي؟ وأيها يموت؟ أين السم في العسل؟ وأيهما سم وأيهما عسل؟

بعد معركة الفكر في بلد النور والجمال، أفاض الله على عبده فألهمه كتابا.. هو "تخليص الإبريز في تلخيص باريز". في علوم فرنسا التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية.. فيه ما لاحظ وما رأى.. ما أحب وما كره.. وفيه مقارنة بين الوطن وعاصمة جمال العالم.

وقف الطهطاوي يشاهد فضل العلوم الطبيعية والرياضية على المدينة وعلى أهلها، فأرجع سبب تقدم المسلمين في العصر العباسي إلى اهتمام الخلفاء بالعلوم وربما اشتغالهم بها.. فالعلم لا تنتشر في عصر إلا بإعانة صاحب الدولة لأهله.

ويميل الطهطاوي إلى تفضيل القلم على السيف، فيقول "بالأقلام تساس الأقاليم".

ويصدح من زمان بعيد قائلا: على الإمام الأزهري أن يهتم بمعرفة علوم كثيرة مختلفة، وألا يكتفي بالعلوم الشرعية فقط.

تحدّث الطهطاوي عن طبيعة الحياة الاجتماعية لأهل باريس ودروبهم الأدبية والفنية، وعن صفاتهم وطبائعهم، من حب للمعرفة وحب التغيير وحب المغامرة ومعرفة الغرباء ونزوعهم إلى العدل والمساواة وحب العمل واحترامهم للنساء وتقديرهم لهن.

عن النساء يقول "الإنسان إذا دخل بيت صاحبه فإنه يجب عليه أن يحيي صاحبة البيت قبل صاحبه، ولو كبر مقامه ما أمكن فدرجته بعد زوجته أو نساء البيت".

كان أهل باريس يقدسون العقل، حتى وصل الأمر إلى أنه ذكر نقلا عنهم أنهم يعتبرون "عقول حكمائهم وطبائعهم أعظم من عقول الأنبياء وأذكى منها".

وانتقد كما مدح، فلم يسيطر عليه إعجاب أعمى،
فقال عن المسرح "فالتياتر عندهم كالمدرسة العامة، يتعلم فيها العالم والجاهل"، وقال "ولم تشتمل التياتر في فرنسا على كثير من النزعات الشيطانية، وكانت تعد من الفضائل عظيمة الفائدة، فانظر إلى اللاعبين بها فإنهم يحترزون ما أمكن عن الأمور المخلة بالحياء، ففرق بعيد بينهم وبين عوالم مصر وأهل السماع ونحوهم".

وقارن بين باريس ومصر مقارنة توحي أنه كان يتمنى أن يكون تغيير مصر اقتداء بالنموذج الفرنسي.

يختتم الطهطاوي كتابه بمجموعة من الملاحظات التي دونها بعد عودته إلى مصر، وأهمها أن الرحلة أنجبت مجموعة علماء منهم من وصل إلى رتبة أساطين الإفرنج بين إدارة الأمور العسكرية، والسياسات المدنية، والأمور البحرية، والخبرة بالطب، والكيمياء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة