ساحل القراصنة   
الثلاثاء 1426/7/18 هـ - الموافق 23/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 23:06 (مكة المكرمة)، 20:06 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
وقعت في عام 1818 الحملة البريطانية على الخليج العربي بقيادة القبطان فرانسيس لوخ من أجل توجيه ضربة عسكرية قوية وحاسمة للوجود العربي في الخليج، ينقل هذا الكتاب من مذكرات فرانسيس لوخ وجورج سادلير وقائع هذه الحملة، وما تبعها من حملة عسكرية برية لتصفية تحالف السعوديين والقواسم في رأس الخيمة، ثم معاهدة عام 1920 بين بريطانيا وشيوخ ساحل الخليج العربي.

الخليج العربي: تاريخ عسكري

-اسم الكتاب: ساحل القراصنة

-عدد الصفحات: 253

-تأليف: تشارلز بلغريف 

-ترجمة:. عيسى أمين

-الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت

-الطبعة: الأولى/2005

كانت السواحل العربية الممتدة بين قطر وعمان مصدر إزعاج للبريطانيين في الهند، فقد كانت تحت سيطرة العرب الخبراء بالطرق المائية والجزر والشعاب المرجانية التي تجعل الملاحة على غيرهم صعبة، وفي أحيان كثيرة ومنذ القرن الثامن قبل الميلاد كان القراصنة والمتمردون على الإمبراطوريات والدول المهيمنة يجدون ملجأ وقواعد لهم في الخليج.

وفي عام 690 ق.م أرسل الملك الآشوري سنحاريب أسطوله لتأديب المجموعات البحرية التي كانت تعترض قوافل التجارة في الخليج والمحيط الهندي وبحر العرب التي كانت تنطلق من العراق ومدن الساحل مثل القطيف، وفي عام 320 ق.م أبحر أسطول الإسكندر المقدوني الذي بني في البنجاب عبر المحيط الهندي إلى الخليج ومنه إلى الأهوار.

وفي عام 116م قاد الإمبراطور الروماني تراجان حملة بحرية إلى سواحل الخليج العربي، وبعده بمائتي سنة أرسل إمبراطور فارس شابور حملة بحرية لمواجهة العرب في هجر والأحساء.

وفي العصر الإسلامي كان الخليج في كثير من الأحيان مركزا للمستقلين عن الدولة المركزية والمتمردين عليها، مثل الإمامية في عمان، والقرامطة، وثورة البصرة التي كان قوامها من الزنوج العبيد في جنوب العراق وسواحل الخليج.

وانطلق القرامطة من البحرين إلى مكة عام 928م ونكلوا بأهلها وخلعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى الأحساء، ثم خضع الخليج لسلطة هرمز الفارسي حتى القرن الثالث عشر الميلادي.

وفي القرن الخامس عشر وصل الرحالة والمستكشفون البرتغاليون إلى الخليج، وتبعتهم الأساطيل العسكرية التي سيطرت على موانئ الخليج نحو مائة وخمسين عاما، حتى أنهت وجودهم الإمبراطورية البريطانية عام 1622م.

وخلال أكثر من ثلاثمائة سنة من الهيمنة البريطانية على الخليج العربي حدثت حروب ونزاعات مع العرب والفرنسيين والهولنديين والأتراك.

وفي مرحلة من مراحل الصراع في أواخر القرن الثامن عشر حدث تحالف سعودي-قواسمي شكل قوة برية وبحرية تهدد البريطانيين وحلفاءهم، وفي تلك المرحلة أيضا تشكلت قوى قبلية حكمت أجزاء من الخليج، ومازالت تحكم حتى اليوم، آل ثاني في قطر قرابة عام 1860، وآل خليفة من العتوب الذين سيطروا على البحرين عام 1783، وآل سعود الذين سيطروا على نجد وأجزاء من الخليج أيضا عام 1775، وآل مكتوم في دبي في عام 1860.

المجموعات البحرية العربية
"
كان الخليج في العصر الإسلامي في كثير من الأحيان مركزا للمستقلين عن الدولة المركزية والمتمردين عليها
"

واجهت شركة الهند الشرقية البريطانية التي كانت تدير عمليات تجارية واستعمارية واسعة في الهند مشكلات كبرى مع البحارة العرب الذين كانوا يهاجمون سفنها المارة عبر الخليج قادمة من البصرة وإليها.

وشكل البريطانيون والفرنسيون والهولنديون في نهاية القرن السابع عشر تحالفا عسكريا بحريا برغم الخلاف والتنافس الكبير بينهم لمواجهة المجموعات البحرية العربية في الخليج العربي والمحيط الهندي.

وكان القواسم في رأس الخيمة أقوى المجموعات العربية وأشدها بأسا وأكثرها خبرة بالملاحة البحرية، وقد أقاموا القلاع على المدن الساحلية، وسيطروا على عدد من الجزر المهمة في مضيق هرمز، بل وعلى الساحل الإيراني المقابل.

ومع نهاية القرن الثامن عشر كان النشاط البحري العربي قد تزايد وأخذ يهدد الأسطول الهندي (البريطاني أساسا بمشاركة فرنسية وهولندية)، وفي عام 1797 هاجمت سفينتان عربيتان سفينة لشركة الهند الشرقية كانت راسية في ميناء بوشهد الإيراني، وفي عام 1804 غرقت سفينة أخرى محملة بالبضائع، وألقى القواسم القبض على بحارة السفينة واحتجزوهم في رأس الخيمة.

وفي عام 1805 صودرت سفينتان في البصرة، وتواصلت مهاجمة السفن العابرة والراسية في السواحل والجزر والقنوات المائية.

وفي عام 1806 قررت حكومة الهند البريطانية أن تتخذ مجموعة من الإجراءات والسياسات الجديدة بالتحالف مع عائلات وقوى حاكمة عربية في المنطقة، ووقعت اتفاقية في بندر عباس مع القواسم تقضي بعدم التعرض للسفن الإنجليزية واحترام العلم الإنجليزي ومساعدة السفن البريطانية التي تلجأ إلى سواحل الخليج.

ولكن الاعتداء على السفن البريطانية تواصل ولم يتوقف، وفي عام 1809 أرسلت حكومة بومباي حملة عسكرية بحرية بقيادة ليونيل سميث ابن مدير شركة الهند الشرقية، وكانت القوة تتكون من ألف جندي بريطاني وألف جندي هندي مدعومة بالمدفعية وثماني سفن مجهزة للنقل والقتال، ولكن إحدى السفن المحملة بالقنابل والقذائف غرقت في بداية الحملة.

كانت هذه الحملة دبرت بالتنسيق مع سلطان عمان لمواجهة الوهابيين، واقتحمت الحملة البريطانية العمانية رأس الخيمة، وأحرقت فيها ستين سفينة، وكذلك جميع منازل المدينة، وفي اليوم التالي توجه الأسطول إلى لنجة ثم إلى لفت وقشم.

وانسحب القواسم إلى الطرق والقنوات المائية البعيدة والمنزوية، ولم تتضرر قوتهم العسكرية، وبدؤوا على الفور مقاومة مراوغة للبريطانيين، وحدثت كارثة في مدينة تناحي فقد قتلت القوات البريطانية عددا كبيرا من خيالة سلطان عمان ظنا منها أنهم من القواسم والوهابيين.

 ثم وصلت قوة وهابية بقيادة مطلق المطيري وقضت على الجيش العماني تماما الذي تخلى عنه البريطانيون وتركوه يواجه مصيره أمام المطيري الذي وصفه الكابتن موريزي من الحملة البريطانية بأنه كالأسد المتعطش لفريسته، ولكنه يصفه في موقع آخر بأنه رجل رقيق وحضاري، وله شخصية المحارب الشجاع والدبلوماسي القائد.

 وكان المطيري يريد فك التحالف بين البريطانيين والعمانيين، وأن يتفاوض مع البريطانيين، ولكن المفاوضات فشلت، وعادت المواجهات مرة أخرى بين البريطانيين والمجموعات العربية.

"
كانت توجد تحت مياه البحر المالحة عيون ماء عذب يغوص الرجال إليها ليملؤوا القرب المصنوعة من جلد الماعز
"
حملة عام 1818 البريطانية
انطلقت الحملة البريطانية بقيادة الكابتن فرانسيس إي. لوخ الذي تشكل أوراقه ومذكراته مادة الكتاب الأساسية، وكانت هذه الحملة تهدف إلى وقف النشاط العسكري للمجموعات العربية التي قدرت بعشرين ألف مقاتل يستخدمون نحو 60 سفينة كبيرة ومئات السفن الصغيرة.

وبدأت الحملة عملها بالاستيلاء على إحدى السفن العربية المعادية وجرها إلى مسقط، وأسر مجموعة من العرب المقاتلين.

كانت الحملة تقوم على سفينتين مزودتين بستة وعشرين مدفعا، ويديرها 125 ضابطا وبحارا، وقد توجهت بعد عمان إلى البحرين ثم إلى البصرة.

وبقي لوخ في بوشهد في انتظار الحملة القادمة من بومباي، وفي نفس الوقت انهار اتفاق بريطانيا مع القواسم.

يصف لوخ مسقط كما شاهدها، فيقول إن أهلها نظيفون وكرماء، وشاهد في مينائها أكثر من خمسمائة سفينة تتراوح حمولتها بين المائة والثلاثمائة طن، ومن بينها سفن وفرقاطات عسكرية.

وكانت تجارة عمان في ذلك الوقت رائجة مع زنجبار وسواحل أفريقيا الشرقية، وكانت السفن تنقل التوابل والغذاء والعطور والمنتوجات الصينية، وتتميز السفن العربية كما يصفها لوخ بسرعتها وإمكانية تنقلها في المياه الضحلة، والبحارة العرب يعرفون كل السبل والعوائق المرجانية والرملية في مياه الخليج.

وفي هذه الفترة كانت البحرين تحت حكم الأخوين عبد الله وسلمان آل خليفة من العتوب الذين سيطروا على البحرين منذ عام 1783 وطردوا الحامية الفارسية منها، وقد تحالفوا في فترة من الزمن مع العمانيين ضد الوهابيين، ثم العكس.

وكانت في البحرين في ذلك الوقت مدينتان، المنامة والمحرق، وتحيط بهما أسوار عالية، وتبنى بيوتها من الأحجار البحرية وتطلى باللون الأبيض، وتزين بأقواس وأعمال الجبس، وتغطى نوافذها بالمشربيات.

وكان مصدر الرزق الأساسي في البحرين مستمدا من صيد اللؤلؤ والاتجار به وصيد السمك للغذاء، وتوجد تحت مياه البحر المالحة عيون ماء عذب يغوص الرجال إليها ليملؤوا القرب المصنوعة من جلد الماعز.

وقد هاجم لوخ بالتعاون مع حاكم البحرين سفينتين للقواسم كانتا راسيتين في المنامة، إحداهما اسمها "البغلة" وتتسع لنحو 500 طن، ويبلغ عدد بحارتها 150 بحارا، والثانية اسمها "بتيل" وعدد بحارتها يتراوح بين 70 - 100 بحار، ودمرت السفينتان وأهديتا إلى شيخ البحرين مكافأة له على عدم تعاونه مع القواسم.

"
كانت البصرة تستخدم محطة للقادمين من موانئ البحر المتوسط ومن حلب في قوافل تحمل المسافرين والسلع والرسائل
"
البصرة
غادرت الحملة بقيادة لوخ البحرين إلى البصرة، ويصفها بأنها كانت رحلة طويلة ومرهقة، وقد اصطدمت السفينة "إيدن" ثلاث مرات بالرمال والصخور، وفي النهر واجهت السفينة دوامات عنيفة جعلتها تستدير وتوشك على الاصطدام بضفة النهر.

ويقول إنهم شاهدوا من السفينة لبؤة على مسافة 150 مترا منها، والوحوش تطارد فرائسها.

ووصلت "إيدن" أخيرا إلى البصرة، وتوقفت عند الرصيف الرئيسي، وانتقل البحارة إلى سفينة أخرى محلية اسمها "الثعبان" لينتقلوا إلى المقيمية البريطانية في وسط المدينة.

كانت البصرة في بداية القرن التاسع عشر كما يصفها لوخ متداعية ورثة تحاول النهوض، وكان عدد سكانها نحو مائة ألف، من العرب والفرس والترك والأرمن والهنود واليهود، وقليل من الأوروبيين من الزوار والقسس والتجار.

بنيت البصرة على نهر دجلة والقنوات والجداول المتفرعة منه، وكانت محاطة بجدران دفاعية تتخللها أبراج للمراقبة، وتشغل مساكن المدينة ربع المنطقة المغلقة، أما المساحة الباقية فتغطيها بساتين النخيل وأشجار الفاكهة، وكانت المساكن مبنية من الآجر المحروق، وسقوفها مغطاة بجذوع النخل لخلو البصرة من الأخشاب.

وفي الشتاء تتوافر الأطعمة والصيد البري، وتشتهر المناطق المحيطة بالبصرة بالصيد، وكان يقصدها كثير من الزوار والرحالة بغرض الصيد.

كانت البصرة تستخدم محطة للقادمين من موانئ البحر المتوسط ومن حلب في قوافل تحمل المسافرين والسلع والرسائل، وقد أسس أول مركز إنجليزي في البصرة عام 1640 (المقيمية البريطانية)، وكان مبنى المقيمية محاطا بإسطبلات ضخمة لاستخدامه في تجميع الخيول ونقلها إلى الهند، وكان عدد الخيول المصدرة إلى الهند بمعدل 1500 رأس سنويا، وذلك بالرغم من أن الباب العالي في تركيا كان يمنع تصدير الخيل من الموانئ التابعة للدولة العثمانية.

وانتقل لوخ من البصرة إلى بوشهد، وكانت رحلة سهلة، وقد وصلت في تلك الفترة كما يقول سفينة عمانية، وكانت أول سفينة تجارية تعبر الخليج دون حماية، فقد كانت السفن من قبل تبحر في مجموعات أو مخفورة، وذلك خوفا من هجمات القراصنة، وبدأت تتواصل سفن شركة الهند الشرقية قادمة من رأس الخيمة في إشارة إلى بداية مفعول الحملة البريطانية.

وأمضى لوخ أسابيع في بوشهد يشارك في الصيد باستخدام الصقور التي كانت تنقض على الغزلان وتوقعها على الأرض وتؤخرها حتى تلحق بها الكلاب السلوقية، وفي البحرين كان القناصة يستخدمون الصقور فقط.

وشاهد لوخ أيضا سفينة شيخ بوشهد التي بنيت حديثا، وكانت تتسع لنحو ستمائة طن، وقد زار سفينة لوخ "إيدن" واستقبله الكابتن في غرفة القيادة، وقدم له الفواكه والقهوة التي أثارت إعجاب الشيخ، وأبدى استحسانه للطريقة التي أعدت بها، ولكن المؤلف بلغريف الذي عمل مستشارا لشيخ البحرين بين عامي 1925 و 1957 يقول إن شيوخ الخليج يبدون إعجابهم بالقهوة الأوروبية على سبيل المجاملة والتهذيب، ولكنهم لا يرغبون عادة في القهوة المعدة على الطريقة الأوروبية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة