إمبراطورية الأكاذيب   
الأربعاء 1425/11/11 هـ - الموافق 22/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 14:37 (مكة المكرمة)، 11:37 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة


يقدم هذا الكتاب محاولة لفهم سياسة الولايات المتحدة الأميركية، وما أحدثته هذه الدولة الإمبراطورية على خارطة العالم من تغيرات وانقلابات، وخاصة بعد الحرب على العراق، ويحلل الخطاب الأميركي الجديد الذي صاغته المجموعة المهيمنة على الإدارة الأميركية من "المحافظين الجدد" التي تمثل في حقيقتها تيارا أيديولوجيا ذا نزعة دينية أصولية، ويتحكم بها اعتقاد أن للولايات المتحدة دورا رسوليا لتغيير العالم وفرض قيمها عليه من خلال استغلال قوتها الفائضة.

 

العنوان: إمبراطورية الأكاذيب.. مصطلحات الخداع الأميركي بعد 11 أيلول

تأليف: نبال خماش

عدد الصفحات: 235

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروتالطبعة الأولى 2004

عسكرة السياسة الخارجية

كانت الإستراتيجية الأميركية في أثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي تقوم على مبدأ "الاحتواء والردع" وهي إستراتيجية مارستها الإدارات الأميركية المتعاقبة باقتدار من خلال أجهزتها المتعاونة، ولكن إدارة الرئيس جورج دبليو بوش تخلت عنها لتستبدلها بإستراتيجية مختلفة تقوم على مبدأ "الحرب الوقائية"، وهي إستراتيجية قائمة على مهاجمة الأطراف المستهدفة سياسيا وعسكريا وبشكل انفرادي كلما سنحت الفرصة.

 

هذه الإستراتيجية وضع معالمها ورسم حدودها تيار المحافظين الجدد الذي يتزعمه نائب وزير الدفاع بول وولفويتز، ومستشار الوزارة ريتشارد بيرل، وقد وجد هذا التيار في أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 فرصة مناسبة لإعادة تقديم إستراتيجيته هذه، مع أنها كانت قد عرضت سابقا على الرئيس جورج بوش بعيد انتخابه إلا أنه رفضها.

 

ونتيجة لأحداث أيلول تم اتخاذ قرار رسمي في البيت الأبيض بخوض حربين الأولى بسرعة ضد أفغانستان، والأخرى بعد أشهر من انتهاء الأولى موجهة ضد العراق الذي ستستخدم أراضيه بعد الاحتلال كقاعدة عسكرية للجيش الأميركي تمكن الإدارة الأميركية من ممارسة ضغوط مباشرة على عدد من الدول العربية وفي مقدمتها سوريا.

 

"
الهدف الأساسي من الحملات الترويجية لإشاعة الديمقراطية في المنطقة ليس النهوض بالإنسان العربي وإنما الضغط على الحكومات العربية لتصبح أكثر مرونة واستعدادا لتلبية كل ما يطلب منها
"
الإصلاح والديمقراطية

تركز الحملات الإعلامية الأميركية على استهداف تحقيق الديمقراطية والإصلاح في الدول العربية، لكن الرأي السائد في العالم العربي هو أن الهدف الأساسي من الحملات الترويجية لإشاعة الديمقراطية في المنطقة ليس النهوض بالإنسان العربي ومساعدته في سبيل تحقيق أحلامه بالحرية والديمقراطية، وإنما الضغط على الحكومات العربية لتصبح أكثر مرونة واستعدادا لتلبية كل ما يطلب منها، وإلا فسيتم استبدالها بأنظمة أكثر تبعية.

 

ويعرض المؤلف وثائق ودراسات أعدتها الإدارة ألأميركية من بينها إستراتيجية العمل الجديد New Work Strategy وفق خطة إستراتيجية مدروسة داخل الوطن العربي، بالإضافة إلى برنامج الإصلاح العربي Arab Reform الذي يهدف في محصلته النهائية إلى مخاطبة العقول العربية المؤثرة في صياغة السياسات وصناعة وتوجيه الرأي العام لتحسين صورة الولايات المتحدة الأميركية، وتشكيل العقل العربي بمواصفات أميركية.

 

وفي هذا السياق استخدمت مصطلحات تعبر عن توجهات وأفكار جديدة، مثل وسائل الضغط Certain Means of Pressure التي تتبعها أميركا، بناء تحالف للقيم المشتركة Building coalition for common values، تحالف الراغبين The Coalition of the willing، التخلي عن القديم Out With The Old، التسجيل الخاص Special Registration

 

تطوير الخطاب الديني

تركز خطة تطوير الخطاب الديني على تقليل الاهتمام بالجانب الديني في الحياة الاجتماعية العامة لدى العرب والمسلمين، وأن يبرز الدور الديني كمعيار ثانوي في أساليب الحياة الاجتماعية للمواطنين وأن إحدى الوسائل الأساسية للقضاء على الجانب الديني هي في إغراق الشعوب العربية والإسلامية بأنماط مختلفة من الحياة العصرية الغربية، وهذا يتطلب نشر أنماط جديدة من التنمية في هذه المجتمعات تعتمد على الأسلوب الغربي من خلال توصية بأن يتم اختيار عدد من رجال الدين الكبار الذين يرفضون الإرهاب ولديهم تفسير عقلاني للدين ليكونوا محاضرين رئيسيين في دورات تدريبية متخصصة.

 

بالإضافة إلى التركيز على مراجعة بعض مفردات الخطاب الإسلامي وليس على موضوعاته فقط، ذلك أن المفردات الواردة في "القرآن الكريم" و"السنة النبوية" وفق الوثيقة الأميركية هي التي تشكل السلوك العام والتفصيلي للأفراد، بل إن هذه المفردات هي التي ينجم عنها "الإرهاب".

 

"
لفظة الجهاد يجب أن يتم قصر معناها على جهاد النفس مع الالتزام بالعبادات فقط وبالتالي يجب ألا يمتد معناها إلى القتال أو التحريض عليه أو أية تفسيرات أخرى
"
ومن أمثلة هذه المفردات التي تحتاج إلى مراجعة في تفسير معناها كلمة "الجهاد" ذلك أنه وفق ما هو وارد في الوثيقة وبعد أن تشاور أعضاء اللجنة مع عدد كبير من أبناء الجالية الإسلامية في الولايات المتحدة، رأوا أن لفظة "الجهاد" يجب أن يتم قصر معناها على جهاد النفس مع الالتزام بالعبادات فقط، وبالتالي يجب ألا يمتد معناها إلى القتال أو التحريض عليه أو أية تفسيرات أخرى.

 

أما لفظة "اليهود" فيجب أن يكون التفسير هو أنها تدل على أقوام لا يقصد بهم اليهود أو الإسرائيليون الذين يعيشون في عصرنا حاليا، وإنما المقصود بهم قوم من البدو المتنقلين الذين عاشوا في الماضي السحيق، وأن أسباب الخلاف بين هؤلاء اليهود وأصحاب الرسول محمد في ذلك الماضي غير معروفة على وجه الدقة حتى الآن، وأنه لا يجوز أن يمتد العداء مع اليهود الذين يعيشون حاليا بسبب عداء غير مفهوم تم في الماضي القديم.

 

تجفيف منابع الإرهاب

تحدثت الوثائق الأميركية أيضا عن موضوع منابع الإرهاب، ودعت إلى التركيز على أماكن العبادة، وحازت المساجد على مساحة بارزة من الخطة الأميركية في المنطقة المتعلقة بتطوير الخطاب الديني.

 

وقد أشارت الخطة إلى ضرورة أن يتحول المسجد إلى مؤسسة اجتماعية تربوية بدلا من كونه أداة للتحريض وبث الكراهية في مواجهة الآخرين.

 

وتؤكد الوثيقة على ضرورة ألا يقتصر دور المسجد على الجوانب الدينية بل يجب أن تلحق به حدائق للأطفال والسيدات وأن تمارس بجواره مختلف الألعاب الرياضية، وأن يلحق بهذه "المؤسسة الاجتماعية" إدارة كاملة لتلقي التبرعات، وأن يكون ممثل للدولة هو المسؤول الأول عن هذه الإدارة.

 

أما إمام المسجد فترى الخطة أنه يجب ألا يكون هو المتحكم في هذه "المؤسسة" وإنما يجب أن تديرها إحدى الشخصيات العامة، كما شددت الخطة على ضرورة وضع رجال الدين المسؤولين عن الدعوة تحت رقابة أجهزة الدولة لضمان قيامهم بالتوجيه الديني المناسب الذي يقضي على نزعات التطرف.

 

"
تبنت إدارة بوش سياسة الهجمة الاستباقية وتحرر القوة من أي التزام قانوني أو أخلاقي بهدف السيطرة على الموارد العالمية الحيوية بحجة القضاء على الإرهاب وإزالة أسلحة الدمار الشامل
"
توظيف أحداث 11 أيلول

إن إدارة الرئيس الأميركي بوش الابن، حسب ما جاء في هذا الكتاب قد وجـدت فـي أحداث 11 سبتمبر/أيلول فرصة سانحة لإسباغ مظهر الشرعية على كافة سياساتها الداخلية والخارجية.

 

وكان أن رعت وتبنت سياسة الهجمة الاستباقية وانفلات القوة من عقالها وتحرر هذه القوة من أي التزام قانوني أو أخلاقي بهدف السيطرة على الموارد العالمية الحيوية بحجة القضاء على الإرهاب وإزالة أسلحة الدمار الشامل، وقد وجدت هذه الإدارة في الحدث المأساوي فرصة ذهبية لإخفاء الأزمات الداخلية العميقة، وبالأخص تلك المتعلقة بالنمو الاقتصادي وانتشار الفقر والبطالة واستحواذ الأغنياء على النسبة الأكبر من الدخل الإجمالي للولايات المتحدة الأميركية.

 

وفي كلمته التي ألقاها في معهد بروكينغز رأى آل غور نائب الرئيس السابق بيل كلينتون أن إدارة بوش الابن لاقتصاد الولايات المتحدة تشبه السائق الذي ضل الطريق، ولا يريد التوقف ليسأل عن الاتجاهات، وأضاف أن الرئيس يتشبث بخطته القديمة ويستمر في السباق في الاتجاه الخاطئ ويستمر في تخبطه الاقتصادي في الوقت الذي يرتبط في عنقه 300 مليون أميركي.

 

واستشهد آل غور بمؤشرات اقتصادية تفيد بتدهور الاقتصاد خلال إدارة بوش منها تبديد فائض الميزانية الفدرالية الذي كان يقدر بحوالي 5 تريليونات دولار على مدى 10 سنوات والانخفاض في كل ريع الاستثمار في المشروعات وخسارة أسواق الأسهم أكثر من ربع قيمتها، وانخفاض القوة الشرائية بنسبة 10% لأولئك الذين يتقاضون أقل الأجور.

 

وأشار غور إلى ازدياد أقساط التأمين الصحي بنسبة 27% في أعلى زيادة على مدى 30 سنة في عمليات حبس الرهون العقارية، وانخفضت حصة الدخل الموجهة للأميركيين الأشد فقرا وازداد فقرهم.

 

حرب الأفكار

يعبر مصطلح "حرب الأفكار" عن اعتراف ضمني بأن الحملة العسكرية الأميركية على "الإرهاب" فعلت أقصى ما تستطيعه، وأن هذه الحملة فشلت -على الأقل حتى صدور الوثيقة- في أن تكسب الحرب رغم استخدمها ترسانة أسلحة هي الأكثر تطورا في العالم، واعتمادها على نظام أمني واستخباري هو الأكثر تقنية وحداثة.

 

ومن هنا كان نشر هذه الوثيقة بمثابة تحول خطير وتغير كبير للأميركيين عما كانوا اعتادوا سماعه من تصريحات وبيانات متفائلة بتحقيق انتصارات عسكرية ميدانية، معتمدة على مبدأ القوة ومتجاوزة مبدأ وفكرة القانون في العلاقات الدولية.

 

"
لو اتجهنا من الأرجنتين إلى اليابان ومن روسيا حتى السنغال فسنذهل من جموع الساخطين على تنصيب أميركا نفسها شرطيا على العالم وتهوينها من شأن الاتفاقات والمؤسسات الدولية
"
لماذا يكرهوننا؟

صدر هذا السؤال على نحو يبدو عفويا عن الرئيس بوش، ثم أصبح شعارا للمثقفين الأميركيين وعنوانا لمناقشاتهم التي انبثقت منذ 11 من سبتمبر/أيلول، وكان المقصود بهذا الخطاب في مرحلته الأولى الشعوب العربية الإسلامية وغدا هذا المصطلح العنوان الأبرز لعدد من المقالات الافتتاحية في الصحافة الأميركية التي تطوعت للإجابة عن هذا السؤال بقولها لأنهم حاقدون على ما لدينا من حداثة وحرية، وفي مرحلة تالية انتقل الضمير المستتر لهذا الشعار قاصدا الأوروبيين بسبب موقفهم المعارض للسياسة الأميركية المتطلعة لضرب العراق.

 

أما الكاتب الأميركي نكولاس كرستوف فقد نشر في النيويورك تايمز عن ذات الموضوع "لو اتجهنا من الأرجنتين إلى اليابان، ومن روسيا حتى السنغال فسنذهل من جموع الساخطين على تنصيب أميركا نفسها شرطيا على العالم، أو من إسرافها في استخدام النفط العالمي وتهوينها من شأن الاتفاقات والمؤسسات الدولية".

 

والجديد في مشاعر الاستياء أو الكره أو عدم التقدير هو مشاعر القارة الأوروبية التي ارتبطت تاريخيا مع الولايات المتحدة بمزيج عاطفي من مشاعر التقدير والإعجاب، ناهيك عن أجواء التضامن والتعاطف مع ما حل بالأميركيين عقب اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول، ولم يكن مستغربا آنذاك أن تصدر صحيفة أوروبية لها انتشارها الواسع مثل صحيفة لوموند الفرنسية تحت عنوان كبير متضامن مع ما حل بالأميركيين "كلنا أميركيون".

 

لكن مشاعر التضامن والتقدير هذه ما لبثت أن انقلبت رأسا على عقب، وبات الأوروبيون غير معنيين بما يحل بجيرانهم على الضفة المقابلة من الأطلسي، جراء لا مبالاة الإدارة الأميركية وعدم اكتراثها بالمواقف الأوروبية حيال الحرب ضد الإرهاب أو على العراق أو الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل.

 

ولم يبق سوى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي يعتقد الأميركيون أنه أهم زعيم أوروبي واقف في خندقهم، فيما يعتقد كثير من الأميركيين بأن الفرنسيين عادوا ليناهضوا السياسة الأميركية، وأن المستشار الألماني شرودر لم ينجح في الانتخابات الألمانية لولاية ثانية لولا اتكاؤه على عدائه لأميركا لسبب واحد وبسيط هو تفضيل الفرنسيين والألمان الحل السلمي في أزمة العراق، وهو موقف سياسي إستراتيجي قرئ في البيت الأبيض على أنه صادر عن موقف كراهية لأميركا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة