تقرير التنمية البشرية لمصر 2008   
الخميس 1429/5/25 هـ - الموافق 29/5/2008 م (آخر تحديث) الساعة 12:45 (مكة المكرمة)، 9:45 (غرينتش)

عرض/عبدالحافظ الصاوي

يبقى المؤشر الحقيقي لقياس الجهود المبذولة على كافة الصعد داخل أي دولة من خلال وجود مردودها على حياة الناس من أجل الارتقاء بهم إنسانياً وحضارياً.

وتأتي أهمية تقارير التنمية البشرية في هذا الإطار، فمن خلال مؤشرها الكلي أو مجموعة المؤشرات الفرعية، يمكن الوقوف على مناطق الضعف والقوة داخل أي مجتمع.

-الكتاب: تقرير التنمية البشرية لمصر 2008 (العقد الاجتماعي في مصر: دور المجتمع المدني)
-إعداد: مجموعة من الباحثين برئاسة هبة حندوسة
-الصفحات: 294
-دار النشر: مطبوعات البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة, القاهرة
-الطبعة: الأولى/مايو 2008
وقد أخذت مصر منذ عام 1996 في إصدار تقرير قطري خاص بها، يتناول قضايا التنمية البشرية فيها، وكان الإعلان عن التقرير العاشر في هذه السلسلة في منتصف مايو/آيار الحالي، ليتناول قضية يكثر حولها الجدل هنا وهناك، بين مؤيد لدور المجتمع المدني ومتخوف من أن تكون هذه الدعوة بمثابة تبرئة للحكومات من القيام بدورها، وأن الدور المطلوب من المجتمع المدني لا يعدو أن يكون معالجة أخطاء وسلبيات تقوم بها الحكومات.

وتقرير عام 2008 لمصر الذي يعد ثمرة للتعاون بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد التخطيط القومي أتى ليمثل استكمال موضوع التقرير السابق له والذي صدر في عام 2005 بعنوان "نحو عقد اجتماعي جديد"، فتقرير عام 2008 يتناول دور المجتمع المدني في تنفيذ العقد الاجتماعي الجديد.

وعلى مدار الفصول الاثنى عشر التي حواها التقرير وكذلك مجموعة الإطارات الداخلية التي بلغت نحو 92 إطاراً أتت كلها لتدعو وتؤكد على أهمية وضرورة دور المجتمع المدني، كما تم التركيز على دور المجتمع المدني في تنفيذ مجموعة البرامج الـ55 التي طرحها تقرير عام 2005، وتحقيق الأهداف التنموية للألفية.

جدل حول الطرح والمفهوم
أثار التقرير نفس المشكلات الموجودة على الساحة الأكاديمية من عدم وجود تعريف محدد على وجه الدقة للمجتمع المدني، ومنها على سبيل المثال مدى اعتبار كل من النقابات والأحزاب السياسية ضمن المجتمع المدني أم لا.

وقد اعتمد التقرير المفهوم الذي يستبعد الأحزاب السياسية باعتبارها تسعى للسلطة، وأما النقابات فقد اشترط التقرير بالنسبة للوضع في مصر أن تتحرر بعض النقابات من السيطرة الحكومية (كما هو الحال في نقابات المعلمين ونقابات العمال) وأن يكون اشتغال النقابات المهنية وغيرها بالسياسة في إطار ما يمس اختصاصاتها المهنية وليس الشأن العام السياسي.

مثل أن تهتم نقابة الصحافيين بقضايا الحرية والديمقراطية الخاصة بممارسة المهنة، أو تهتم نقابات الأطباء والمهندسين بقضايا زيادة الأجور والرواتب أو الارتقاء بالمستوى المهني لأعضائها.

ويغلب على التقرير التركيز على دور الجمعيات الأهلية، والاتحاد العام لها، وهو ما يثير عددا من الاعتراضات على كون هذه الجمعيات لا تمثل المجتمع المدني بكامله ولكنها تمثل أحد روافده، فهناك العديد من المنظمات لم تندرج بعد تحت لواء الجمعيات الأهلية، إما برغبتها أو بفضل العوائق الحكومية التي تعرقل تسجيل هذه الجمعيات.

"
التقرير أشار إلى الدور الذي يمارسه الأمن المصري في إعاقة تسجيل وعمل العديد من الجمعيات الأهلية خاصة تلك المعنية بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ويؤكد أن هذا الدور الممنوح للأمن من خلف الستار غير قانوني
"
وسجل التقرير ذلك الدور الذي يمارسه الأمن المصري في إعاقة تسجيل وعمل العديد من الجمعيات الأهلية خاصة تلك المعنية بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن هناك دورا مؤثرا للأمن المصري في مدى السماح بإصدار تراخيص لهذه الجمعيات أو السماح بممارسة بعض أنشطتها، ويؤكد التقرير على أن هذا الدور الممنوح للأمن من خلف الستار غير قانوني.

ولكن الملمح البارز الذي ركزت عليه بعض فصول التقرير هو تبرئة المجتمع المدني ومنظماته من شبهة تنفيذ أجندة أجنبية، خاصة ما يثار حول قضية التمويل، ويؤكد التقرير، أن التمويل الأجنبي للمجتمع المدني ضئيل جداً مقارنة بالتمويل المحلي. ولكن النتيجة التي توصل إليها التقرير يصعب تعميمها على كافة الجمعيات، خاصة فيما يتعلق بتمويل بعض الجمعيات العاملة في مجال حقوق الإنسان، فمعظم أو غالب تمويلها يأتي في إطار منح خارجية.

وقد تكون النتيجة صحيحة بنسبة كبيرة فيما يتعلق بمصادر التمويل للجمعيات الدينية والتي تركز على أعمال البر ومساعدة الفقراء، فغالبية مصادر تمويلها إن لم تكن كلها تأتي من جيوب المواطنين المصريين.

وناشد التقرير منظمات المجتمع المدني بالتركيز على مشروعات التنمية، واعتبار أن مساعدة الفقراء من المدخل الحقوقي وليس من مبدأ البر والإحسان.

كما اشترط التقرير لكي يتحقق أداء أفضل لمنظمات المجتمع المدني في مصر خلال المرحلة المقبلة، أن تتحلى بالسمات والخصائص المتعارف عليها والتي أقرتها منظمة اليونسكو، من حيث كون ممارسات المجتمع المدني مبتكرة، وأن تحدث فرقاً ملحوظاً في تطوير البيئة الاجتماعية والاقتصادية، وأن يكون لها أثراً مستداماً، وأخيراً أن تكون قابلة للتعميم والتكرار.

رسائل ست
على الدولة مراجعة مسؤولياتها فيما يتعلق بتقديم الخدمات الاجتماعية، وعليها أن تتخلص من احتكارها لتقديم بعض هذه الخدمات لصالح منظمات المجتمع المدني. خاصة فيما يتعلق بالتعليم والصحة وتقديم الإقراض متناهي الصغر.

ويدعو التقرير في هذا الصدد إلى تحقيق مشاركة كل من الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني من أجل تحقيق أداء أفضل للتنمية البشرية.

إذا كان تقرير عام 2005 قد قدم برامج للعقد الاجتماعي بلغت 55 برنامجاً، وأُنشئ من أجلها مركز باسم "العقد الاجتماعي الجديد" يتبع مجلس الوزراء مباشرة، فإن التقرير هذا العام يقدم ست رسائل ليؤكد على دور المجتمع المدني في تنفيذ العقد الاجتماعي الجديد خاصة المرتبط منها بالأهداف التنموية للألفية والتي حدد لها تاريخ 2015 لإنجازها، وهذه الرسائل الست هي:

"
التقرير يعتبر منظمات المجتمع المدني هي الأداة الأكثر فعالية من أجل تحقيق مؤشرات الأهداف التنموية للألفية وتنفيذ برامج العقد الاجتماعي الجديد في مصر، وأكد أهمية وجود حملة قومية لإنجاز ذلك
"
•منظمات المجتمع المدني هي الأداة الأكثر فعالية من أجل تحقيق مؤشرات الأهداف التنموية للألفية وتنفيذ برامج العقد الاجتماعي الجديد في مصر.

•منظمات المجتمع المدني هي الحكم الأفضل لاستعادة الثقة بين الدولة والمواطن، ويبين التقرير أهمية وجود علاقات تشابكية بين منظمات المجتمع المدني، وأن تتسم عملية إدارة هذه المنظمات بالديمقراطية والشفافية فيما يتعلق بالجوانب المالية، حتى تستطيع القيام بالدور المأمول منها، وتحظى بثقة المواطنين.

•على الدولة مراجعة مسؤولياتها فيما يتعلق بتقديم الخدمات الاجتماعية، وعليها أن تتخلص من احتكارها لتقديم بعض هذه الخدمات لصالح منظمات المجتمع المدني.

خاصة فيما يتعلق بالتعليم والصحة وتقديم الإقراض متناهي الصغر، ويدعو التقرير في هذا الصدد إلى تحقيق مشاركة كل من الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني من أجل تحقيق أداء أفضل للتنمية البشرية.

•تستطيع المرأة المطالبة بزيادة مشاركتها السياسية والاقتصادية بشكل أفضل من خلال منظمات المجتمع المدني.

•التحدي الأساسي لمنظمات المجتمع المدني الخريطة الحالية لعملها، أنها تتركز بشكل كبير في بعض المناطق ولا يوجد لها أثر في مناطق أخرى، يحتاج بالفعل سكانها لوجود منظمات المجتمع المدني.

حيث تبين من خلال الإحصاءات المنشورة بالتقرير أن كلا من محافظات القاهرة والإسكندرية والجيزة والشرقية على التوالي هي الأوفر حظاً في عدد الجمعيات الأهلية بينما في الصعيد، حيث الفقر المدقع، فالصعيد يشمل أفقر ألف قرية في مصر، ولكن نصيبه من الجمعيات الأهلية ضئيل، وفي بعض الأحيان نادر أو غير موجود.

•أهمية وجود حملة قومية لإنجاز الأهداف التنموية للألفية، وتنفيذ برامج العقد الاجتماعي الجديد.

مؤشرات التنمية البشرية
يبين التقرير أن أداء مصر في التنمية البشرية تحسن خلال السنوات الماضية، فبعد أن كان ترتيب مصر على المؤشر العالمي في المرتبة 120 أصبح هذا العام 112.

ولكن هذا التحسن على المستوى القطري، كان متفاوتاً بين المحافظات، وكما بين التقرير وجود مجموعة من المؤشرات الإيجابية والسلبية في مجال التنمية البشرية في مصر منها:

1-أن نسبة الخدمات الصحية المقدمة للنساء تتحسن بشكل ملموس فعدد النساء اللاتي يلدن على أيد متخصصين، بلغت 80% عام 2006 بعد أن كانت نحو 56.5% عام 2001.

"
الأداء التنموي يفتقر إلى التوزيع الجغرافي العادل بين المحافظات، فالمحافظات الأعلى حظاً في تحقيق التنمية البشرية هي المحافظات الحضرية والعاصمة، بينما تركزت المحافظات الأقل حظاً في التنمية البشرية في الصعيد
"
كما انخفضت حالة الوفاة للسيدات أثناء عمليات الولادة من 60.7 لكل مائة ألف حالة إلى نحو 52.9 لكل مائة ألف حالة في عام 2006، كما تحظى نسبة 70% من السيدات المصريات برعاية طبية أثناء الحمل، بعد أن كانت نحو 60% عام 2001.

2-يرصد التقرير ارتفاع سن الزواج كأحد العوامل الإيجابية، حيث أن النساء اللاتي يلدن دون سن الثامنة عشرة قد انخفض إلى الربع في عام 2006، وكذلك انخفض عدد النساء اللاتي تزوجن دون سن الثامنة عشرة.

كما أن معدل الخصوبة قد تراجع إلى 3.1 حالة ولادة لكل سيدة، عام 2005 بعد أن كان 4.1 ولادة لكل سيدة عام 1991، ويشدد التقرير على أهمية تحقيق معدلات خصوبة أقل خلال المرحلة القادمة.

3-ارتفع معدل التعليم بالنسبة للإناث وأصبحت الفجوة الموجودة في التعليم بين الجنسين قابلة للتلاشي في عام 2014، فمعدل القراءة والكتابة في الفئة العمرية من 15 – 24 عاما ارتفع لنحو 80.1% عام 2005، كما بلغت نسبة الإناث للذكور في التعليم الابتدائي 93%.

4-هناك خمس محافظات يرتفع فيها أداء التنمية البشرية على رأسها محافظة بورسعيد، ثم يتلوها بعد ذلك كل من السويس، والقاهرة، والإسكندرية، ودمياط، بينما كانت المحافظات الخمس الأقل حظاً للتنمية البشرية هي الفيوم، والمنيا، وأسيوط، وسوهاج، وبني سويف.

وهو ما يعني أن الأداء التنموي يفتقر إلى التوزيع الجغرافي العادل بين المحافظات، فالمحافظات الأعلى حظاً في تحقيق التنمية البشرية هي المحافظات الحضرية والعاصمة، بينما تركزت المحافظات الأقل حظاً في التنمية البشرية في الصعيد.

هناك مجموعة من العوامل السلبية التي تتسبب في انخفاض المؤشرات الفرعية للتنمية البشرية في مصر، ومنها أن نحو 14.7% من الأطفال في عمر 6- 15 سنة لم يلتحقوا بالتعليم الأساسي أو تسربوا منه، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى اتجاه الفقراء إلى إلحاق أبنائهم في هذه السن بسوق العمل. وكذلك اتساع المناطق العشوائية داخل المدن.

5-يتضح سبب انخفاض معدلات التنمية البشرية في محافظات الصعيد إذا ما عرفنا حالة الفقر هناك والتي بينها التقرير فيما يلي: "يتركز الفقر بشكل كبير في صعيد مصر فبينما يمثل هذا الإقليم 25% من إجمالي السكان، كان نصيبه من نسبة السكان الأشد فقراً هي تقريباً 66% بالإضافة إلى أن 95% من القرى الأشد فقراً تقع في صعيد مصر.

وتقع 762 قرية من بين الألف قرية الأشد فقراً في محافظات المنيا وسوهاج وأسيوط في حين أن 59 قرية من المائة الأفقر تقع في سوهاج وحدها.

وتبلغ متوسط نسبة الفقر في الألف قرية الأشد فقراً 52% في حين أن هذه النسبة في المائة قرية الأشد فقراً هى 77%، وترتبط النسب العالية للفقر بنسب عالية من البطالة والأمية وارتفاع معدل الإعالة وكذلك وجود نقص في الخدمات الأساسية".

"
الروح السائدة الآن في المجتمع المصري هي الاتجاه نحو الحلول الذاتية أو الفردية، والانصراف عن الحلول الجماعية أو الاهتمام بالشأن العام، فضلاً عن أن الثقافة التي بثتها التجربة الاقتصادية بتبني اقتصاد السوق دفعت للأنانية وتعظيم حب الذات
"
6- هناك مجموعة من العوامل السلبية التي تتسبب في انخفاض المؤشرات الفرعية للتنمية البشرية في مصر، ومنها أن نحو 14.7% من الأطفال في عمر 6 – 15 سنة لم يلتحقوا بالتعليم الأساسي أو تسربوا منه.

ويرجع ذلك بشكل كبير إلى اتجاه الفقراء إلى إلحاق أبنائهم في هذه السن بسوق العمل, وكذلك اتساع المناطق العشوائية داخل المدن.

فعلى الرغم من أن القاهرة تشهد معدلات منخفضة من الفقر، فإن التوقعات تشير إلى أن يرتفع بها معدل الفقر من 4.6% حالياً إلى 7.6% بحلول عام 2015.

يأتي الطرح الذي قدمه التقرير، في إطار أن هناك استعدادا كاملا من قبل الشركاء الثلاثة (الحكومة، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني) وتناسى أن الواقع العام يدفع إلى عدم تحقيق هذه المشاركة.

فالروح السائدة الآن في المجتمع المصري هي الاتجاه نحو الحلول الذاتية أو الفردية، والانصراف عن الحلول الجماعية أو الاهتمام بالشأن العام، فضلاً عن أن الثقافة التي بثتها التجربة الاقتصادية بتبني اقتصاد السوق دفعت للأنانية وتعظيم حب الذات.

كما أن الآثار السلبية المترتبة على اتباع اقتصادات السوق تتعاظم يوماً بعد يوم، دون التنبيه إلى سبب الداء وذهبنا نعالج ظواهره.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة