استيقظوا!   
الأحد 1434/1/26 هـ - الموافق 9/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 17:37 (مكة المكرمة)، 14:37 (غرينتش)

عرض/ بوعلام رمضاني
يدعو المؤرخ والمحلل الاقتصادي نيكولا بافراز في كتابه "استيقظوا!" -الذي يتصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعا في فرنسا- إلى حتمية التجاوب مع المتغيرات العالمية الكبيرة وتطبيق الإصلاحات الضرورية من أجل تفادي الانهيار الاقتصادي الوشيك خاصة بفرنسا.

فالانسداد السياسي والاقتصادي الفرنسي المستمر الذي تعيه كل الأطياف الأيديولوجية المحلية يتكامل مع أطروحات نيكولا بافراز التي سبق أن قدمها في كتابه "فرنسا التي تسقط" الصادر قبل عشرة أعوام، وهي الأطروحات التي تؤكد أكثر من أي وقت مضى -حسب صاحبها- أن تمادي فرنسا في الهروب نحو الأمام وانتهاج سياسية النعامة بالتنكر لحداثة اقتصادية عالمية سيؤدي حتما إلى تدمير جهازها الإنتاجي وإلى الإفلاس والبؤس الاجتماعي، الأمر الذي سينعكس على مكانتها أمام ألمانيا والدول الجنوبية الصاعدة، ويتسبب في جرها لأوروبا كاملة نحو السقوط القاتل.

-الكتاب: استيقظوا!
-المؤلف: نيكولا بافراز
-عدد الصفحات: 177
-الناشر: فايار
-الطبعة: الأولى 2012

وهنا يدعو الكاتب إلى استبدال الجيل "العدمي" الذي تسبب في الخراب الحالي بجيل جديد باستطاعته رفع التحدي ومجابهة الحاضر بواقعية، وتجاوز خطاب الماضي الخرافي، وعدم اللف والدوران حول مشكلات حقيقية ترفض النخب الحالية الاعتراف بها ودراستها والتعامل معها، والتجند الجماعي من أجل التعاطي معها في أوروبا التي أضحت مختبرا مثاليا للحداثة السياسية والاقتصادية العالمية غير المتناقضة مع قيم الثورة الفرنسية، على حد تعبيره.

مع ذلك، الصورة ليست سوداء إلى هذه الدرجة لأن تصحيح المسار -وفق الكاتب- ما زال ممكنا بحكم توفر فرنسا على مقومات النهوض من خلال إبداع عقد إنتاجي واجتماعي وسكاني وأوروبي يحوّل الفرنسيين من متفرجين على القرن الواحد والعشرين إلى ممثلين يتعاملون مع العالم كما هو شريطة الاستيقاظ من سبات دام طويلا.

وللإشارة فقبل "استيقظوا!"، ألف المحلل الاقتصادي نيكولا بافراز كتبا سارت في نفس الاتجاه الذي يقدمه كتابه الجديد، ومن أبرزها "بعد الطوفان.. الأزمة الكبيرة للعولمة" و"أزمة.. فوضى ونهاية العالم" و"عالم جديد.. فرنسا قديمة" و"البطالة من المسؤول؟" و"يتامى الحرية" و"الثلاثينيات البائسات" و"العجز العمومي.. نحن الدولة" و"إبداع البطالة".

التنكر الفرنسي
انطلق الكاتب من مقولة سولنجنتسين "امسحوا.. ساعاتكم لأنها متأخرة عن وقتنا" مبرزا تأخر الفرنسيين عن ما أسماها بـ"المتغيرات الكبرى للرأسمالية والنظام الجيوسياسي والصعود القوي للبلدان المنبثقة".

وذكر جملة من المعطيات تكشف عن "الكذب" الفرنسي والتمادي في التنكر لواقع اقتصادي "ليس إيجابيا وليس سلبيا بالمطلق لكنه حقيقة مفروضة تاريخيا وسياسيا".

ومضت فرنسا تكذب على نفسها حينما أصرت منذ ثلاثة عقود على التشبث بنموذج اقتصادي واجتماعي يناقض النمو ويولد البطالة ويفجر الديون ويفرض التبعية حيال ألمانيا والأسواق المالية، بحسب المؤلف.

وأضاف أن فرنسا تمادت في تنكرها للواقع الاقتصادي المسيطر رغم كل علامات الإنذار المبكر التي زادت عند التحاقها باليورو ودعوتها إلى الحد من العمل القاتل للتنافسية وحماية القطاعات العمومية غير الخاضعة للمنافسة الدولية على حساب تزايد النفقات التي بلغت نسبة قياسية (56.6%) من الناتج المحلي الخام.

الجيل "العدمي" -كما وصفه الكاتب- الذي تسبب في الخراب الحالي، يمكن أن يستبدل بجيل جديد باستطاعته رفع التحدي ومجابهة الحاضر بواقعية وتجاوز خطاب الماضي الخرافي

عدوى التنكر تتجاوز المستوى الاقتصادي، ويفسرها الكاتب بهوس فرنسا بالمساواة والتباهي بنوعية الخدمات العمومية في الوقت الذي تؤكد فيه الدراسات والاستطلاعات تدهور مجال التعليم بكافة مستوياته والصحة والأمن والعدالة.

وينتقد الكتاب فرنسا التي لم تؤثر في أحداث العالم منذ مطلع الثمانينيات، كما أنها مستمرة في رفض العولمة وفي تعميق أزمة اليورو اللصيقة بضعف بنياتها في مجالات السيطرة على المال العمومي وبصلابة سوق العمل وبرفض منطق المستثمرين التنافسي، الأمر الذي لا يساعد على بلورة إستراتيجية منسجمة للخروج من الأزمة.

تمزيق حجاب التنكر
وأمام هذا الواقع، وبعد ثلاثة عقود من الكذب والتنكر -يقول الكاتب- لم يعد من الممكن التمادي في القفز على الحقائق الاقتصادية المفجعة التي تهدد مصير فرنسا وأوروبا كاملة ومنها انهيار المؤسسات المالية والدول.

فالوضعية الفرنسية أخطر مما يقول قادتها وهي في صلب الأزمة التي تعاني منها إسبانيا وإيطاليا، ولم يعد أمامها إلا المقاومة بالاتكاء على ألمانيا شريطة النجاح في إصلاح نموذجها الاقتصادي والاجتماعي وتكوين وحدة سياسية معها.

ولن يتم ذلك إلا باتخاذ الفرنسيين قرار تمزيق حجاب التنكر بهدف تفادي السقوط في أحضان الدينامية التي عصفت بإيطاليا وإسبانيا. ومثل المريض الذي يمر بمراحل التنكر والغضب والمساومة والانهيار قبل الاعتراف بمرضه الخطير وقبول العلاج، لابد -بحسب الكاتب- لفرنسا المتأرجحة اليوم بين التنكر والغضب من فتح عيونها على الأمر الواقع وتبديد أوهامها وأحلامها بعد تأكدها من فشل مناورة مساومتها لألمانيا، الأمر الذي يؤدي بها إلى الانهيار على الطريقة اليونانية.

ومضى الكاتب في استعراض وجهة نظره، وقال إنه لم يعد أمام القادة الفرنسيين إلا بديل فتح العيون وتوعية المواطنين لخوض معركة التاريخ بإعادة بناء أوروبا وفرنسا اعتمادا على إمكانات وطاقات حية وواعدة عوض البحث عن كبش فداء والبكاء على أطلال الماضي والتباهي بخصوصية اجتماعية فرنسية والعيش على هامش حداثة وجودية والمضي في سياسة النعامة غير المجدية والتنديد المجاني.

شبح إسبانيا وإيطاليا
عمّق المحلل الاقتصادي نيكولا بافراز مسار تنبيهه للمسؤولين والمواطنين الفرنسيين، ودفعهم إلى الاستيقاظ في ظل بروز شبح الانهيار على الطريقة الإسبانية والإيطالية، بقوله إن كل مؤشرات السقوط متوفرة، "وإذا كانت فرنسا لا تعاني اليوم من أزمة سيولة مالية تؤدي إلى الإفلاس، فإن الركود الناتج عن ثلاثين عاما من التراخي ينبئ باقتراب ساعة التشكيك في قدرة فرنسا على تجاوز اختلال الموازنة وانفجار الدين العمومي (90% من الناتج المحلي الخام) ومواجهة البطالة الماضية في الارتفاع".

لن تسلم فرنسا من المصيرين الإيطالي والفرنسي في حال تماديها في عدم الحسم، علما بأن كل تقارير المؤسسات المالية الأوروبية والعالمية تؤكد أن أزمة الدين الفرنسي أمر لا مفر منه

ويضيف الكاتب أن فرنسا "لن تسلم من المصيرين الإيطالي والفرنسي في حال تماديها في عدم الحسم، علما أن كل تقارير المؤسسات المالية الأوروبية والعالمية تؤكد أن أزمة الدين الفرنسي أمر لا مفر منه".

وحتى ينبه الكاتب أكثر الفرنسيين، مسؤولين ومواطنين، إلى حجم الخطر التاريخي الذي يتهدد بلدهم إذا لم يستيقظوا قبل فوات الأوان، راح يقارن وضعية اليوم بأزمة ثلاثينيات القرن الماضي والحرب العالمية الثانية أو الحرب الباردة.

وقال "اليوم لم يعد أمام المواطنين والأمم والمؤسسات إلا خيار طريق الخلاص الذي مكن ملايين الشعوب من دخول باب التنمية والقضاء على البؤس بقبول وتطبيق قواعد الحداثة الاقتصادية المفروضة".

وبلغت قناعة الكاتب بجدوى النهج الليبرالي الذي يدعو له لتمكين أوروبا وفرنسا من تفادي العيش على هامش ما أسماه بتاريخ الزمن من جديد بقوله "هما أكبر الغائبين في الساحة الدولية القائمة على صراع القوتين الأيديولوجيتين والنوويتين الكبيرتين"، ويعود رفضهما للتغيير الذي فرضته العولمة حسب تقديره "إلى الخشية من الخسارة السريعة المدى بدل التفكير في الربح الطويل المدى تحت وطأة نقص النظر والتحدي المجاني".

الخطر داخلي
الخطر الذي يتهدد فرنسا وأوروبا ليس خارجيا، بل هو داخلي محض وناتج عن عمى انتحاري ومخادعة ذاتية ستؤدي إلى الموت تحت وطأة الرفض غير الواضح.

فرنسا، التي ترفض الإصلاحات والشدة والصرامة وتفضل السلبية والاتكال على الآخرين لاتخاذ القرارات الحاسمة على حساب كرامة المواطنين وتنامي العنف والتطرف في مجتمع ديمقراطي مسدود الآفاق، تتحمل مسؤولية عدم الاعتراف بأخطائها الخاصة رغم تجارب التاريخ التي أكدت أن المصدر الرئيسي للأزمات يبقى داخليا نتيجة تآكل المؤسسات وفقدان الثقة في قدرة الأنظمة والأفراد على التجدد والإصلاح، وهذا ما تؤكد صحته مقولة القديس أغسطين "لا تذهب إلى الخارج وابحث في داخلك لأن الحقيقة تكمن في داخل الإنسان".

وعزز الكاتب قناعاته المذكورة بأمثلة الأمم التي تأخرت رغم إمكاناتها كالدول النفطية والسيئة اقتصاديا والأخرى التي تقدمت وتطورت في محيط عدائي كاليابان وكوريا الجنوبية.

ليخلص إلى أن المحن الكبرى هي التي تدفع الأمم إلى مقاربات نهضوية تحديثية مثل ما حدث لفرنسا عام 1918، وبريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وفرنسا ما بعد التحرير، والصين انتقاما من الإهانة والديمقراطيات الأوروبية الجديدة الناتجة عن سقوط جدار برلين، وإسبانيا ما بعد فرنكو، وتشيلي ما بعد الجنرال بينوشي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة