الأسرى   
الاثنين 23/11/1433 هـ - الموافق 8/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:35 (مكة المكرمة)، 8:35 (غرينتش)

عرض/ عاطف دغلس
يحاول الأسير المحرر الدكتور ناصر عبد الجواد في كتابة الجديد "الأسرى.. حقوقهم، واجباتهم، أحكامهم"، أن يتحدث عن معاناة وأوضاع الأسرى داخل السجون والمعتقلات من منظور آخر، بعيدا عن تلك الأزمات التي يمر بها الأسرى بشكل شخصي أو حتى جماعي.

ويعالج الكتاب شيئا من احتياجات الأسرى أكثر من كونه يتناول معاناة فردية، بحيث يتناول قصة وطبيعة حياة هؤلاء الأسرى بكل تفاصيلها ليجعل منهم مجتمعا بأكمله له احتياجاته وعليه واجباته ضمن منظومة الكون التي لا بد منها في ذلك الوضع.

- الكتاب: الأسرى.. حقوقهم، واجباتهم، أحكامهم
- المؤلف: د. ناصر عبد الجواد
- عدد الصفحات: 300
الناشر: هيئة علماء فلسطين في الخارج
- الطبعة: الأولى/2012

وتنبع أهمية الكتاب من تأليفه داخل السجن أثناء فترة الاعتقال الطويلة للمؤلف الذي جرّب الأسر بكل معانيه وأنهى شهادة تعليمه العالي وهو مسجون. كما تكمن أهميته باعتباره الأول من نوعه لكونه يعد تأصيلاً شرعياً وحلاً شافياً لمعظم القضايا التي تتعلق بالأسرى المسلمين في سجون الكفار بشكل عام، والأسرى في سجون الاحتلال بشكل خاص، وكذلك تأصيل وضع الأسرى غير المسلمين حين يقعون في أيدي المسلمين بعد معركة عادلة.

والكتاب يحل الكثير من الإشكالات والمعضلات التي تعترض الأسرى في السجون خلال المراحل المتعددة التي يعيشونها خلف القضبان في ظروف استثنائية تختلف عن الحياة العادية التي يعيشها الناس في الحرية، مما يجعلهم بحاجة ماسة إلى ما يسمى "فقه السجون"، حيث يغلب على الكتاب طابع التأصيل الشرعي لمعظم هذه القضايا، والوصول إلى الرأي الراجح فيها وفق الأدلة الشرعية الواردة في الموضوع وأقوال العلماء، ووفق الخبرة الطويلة للمؤلف في هذه السجون والتي استمرت أكثر من 16 عاما.

فصوله ومباحثه
يستعرض الكتاب بين ثناياه أربعة فصول تناولت أربعة مواضيع أساسية، حيث يستعرض الفصل الأول مقدمات عامة عن السجون وتاريخها حتى العصر الحاضر واتفاقيات جنيف، ويورد حديثا وافيا عن قسوة السجون وشدتها، وفضل السجن والأسر في سبيل الله والوطن.

بينما يتناول الفصل الثاني "حقوق الأسرى" انطلاقا من تلك الحقوق الواجبة على الأمة -شعوبا وقادة ومؤسسات- تجاه هؤلاء الأسرى، كالعمل على تحريرهم والإحسان إليهم ومعاملتهم المعاملة اللائقة أثناء أسرهم، ثم وجوب رعاية أهل الأسرى وعائلاتهم وأبنائهم.

ويتحدث الفصل الثالث عن "واجبات الأسرى وأخلاقهم" ويعد -بحسب المؤلف- من أهم الفصول، خاصة أنه يستعرض صفات الأسير التي ينبغي أن يتحلى بها والواجبات المطلوبة منه سواء داخل الاعتقال أو بعد الإفراج عنه، لكونه أصبح رمزا للناس والأجيال.

وينقسم هذا الفصل للحديث عن الواجبات الشخصية التي يجب أن يتمتع بها الأسير من حيث العمل على الارتقاء الذاتي أثناء الاعتقال في المجال الروحي والثقافي والسياسي والصحي، والواجبات على المستوى الجماعي من حيث العلاقة الأخوية بين الأسرى ووجوب انتخاب قيادة لهم لها حق الطاعة، وعدم التفريق في ذلك بين الطاعة الشرعية والطاعة الأدبية، ثم الحديث عن الإضرابات المفتوحة عن الطعام وأحكامها.

ويقع الفصل الرابع الذي يُقدم موضوع أحكام الأسرى الفقهية في عدة مباحث استطاع المؤلف من خلالها تأصيل أهم الأحكام الفقهية المتعلقة بالأسرى والسجون، خاصة الأسرى في سجون الاحتلال، مستفيدا من تجربته الخاصة في هذه الأحكام لكونه أسيرا فلسطينيا في سجون الاحتلال لأكثر من 16 عاما.

وتشمل هذه المباحث "تأصيلات لا بد منها" تتحدث عن الأسرى هل هم أحرار أم عبيد؟ وهل هم مسافرون أم مقيمون؟ وعن أحكام الضرورة للأسير وعن الرخصة والعزيمة.

ثم يتحدث الفصل عن "عبادات الأسير" وما يتعلق بها، خاصة أحكام الصلاة والجمع والقصر، وأحكام الزكاة في مال الأسير والصيام والحج عن الأسير.

يأتي الحديث بعد ذلك عن "أحكام الزواج" ومتعلقاته وأهمية العفة بالنسبة للأسير، وأحكام فقهية عامة مثل التعامل مع العملاء والمنافقين داخل السجون، وحكم عمل الأسير في مرافق السجن، وحكم الطعام الذي تقدمه إدارة السجن.

كما يتناول المؤلف في مبحثه الأخير بهذا الفصل موضوع التعامل مع "الأسرى غير المسلمين" إذا وقعوا في أسر المسلمين، وتقرير مصيرهم بالقتل أو المن أو الفداء أو الاسترقاق.

180 مرجعا
واستعرض المؤلف الذي استند إلى 180 مرجعا في مقدمة كتابه معنى الأسر لغة واصطلاحا، موضحا أن الإسلام حارب ظاهرة السجن ولم يلجأ إليها إلا عند الضرورة القصوى، وذلك لإدراكه أن السجن عقوبة غير إنسانية وتحط من آدمية الإنسان.

القرآن والسنة يتعاملان مع البشر باحترام لإنسانيتهم، وحتى المجرمين من الناس يعاقبهم الإسلام بعقوبات مناسبة تليق بهم كبشر أكرمهم الله وخلقهم في أحسن تقويم

فالقرآن والسنة يتعاملان مع البشر بهذه الروح وبهذا الاحترام، وحتى المجرمين من الناس يعاقبهم الإسلام بعقوبات مناسبة تليق بهم كبشر أكرمهم الله وخلقهم في أحسن تقويم، فلا يلجأ إلى عقوبة السجن إلا عند الضرورة، وحين لا يكون هناك بديل عنها، كمطل المدين الغني حتى يؤدي دَيْنَه، وكالموقوف في التهم حتى تثبت إدانته أو براءته ونحو ذلك.

وأما ما ورد في القرآن الكريم بخصوص الأسرى، فهو يتعلق بالذين يقعون في الأسر بعد معركة عادلة، كضرورة حربية لا بد منها، كقوله تعالى "وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ" (سورة التوبة/5)، وقوله تعالى "فَشُدُّوا الْوَثَاقَ" (سورة محمد/4)، وهو كناية عن الأسر.

ثم ما يلبث المؤلف أن يشير إلى ما توصل إليه من سبقه من العلماء والكتاب عن موضوع الأسر، مستعرضا أبرز وأهم هذه الاجتهادات، ككتاب "الخراج" للقاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، تلميذ أبي حنيفة المتوفى عام 182هـ، و"تأنيس المسجونين" لإدريس بن علي السناني، و"تهذيب النفس في أخبار الحبس" لابن طولون.

الأسر وتاريخه
وتبرز معاني الأسر والسجن وطرق وجوده منذ آلاف السنين وحتى يومنا الحالي في الفصل الأول تحت عنوان "مقدمات لا بد منها". كما يتناول الكتاب تاريخ السجن وما إلى ذلك، فكان الأسرى في الحروب القديمة قبل مجيء الإسلام -خاصة عند الفرس والإغريق- يُقتلون أو يقدمون قرابين للآلهة. وعند عرب الجاهلية كان الأسير بمثابة الرقيق، وكان زعيم القبيلة يختار من الأسرى من يشاء ليكونوا عبيداً له، ويباع الباقون في سوق النخاسة أو يقتلون أحياناً، إلى أن جاء الإسلام وشرع عتق الرقاب، وحث على معاملة الأسير بالحسنى أو العفو عنه.

أما عند اليهود فقد تعاملوا مع أسراهم بطريقة وحشية حسب ما تنص عليه توراتهم، ففيها "وحين تقترب من مدينة لكي تحاربها، استدعها للصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويُستعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حرباً فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، فتغتنمها لنفسك، وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً، فلا تستبقِ منها نسمة ما، بل تحرمها تحريم الحثيين والأموريين والكنعانيين".

أما في العهد النبوي فالراجح أنه لم يكن للرسول صلى الله عليه وسلم ولا لأبي بكر سجن خاص، وأن أسرى بدر تم توزيعهم على الصحابة الكرام في بيوتهم.

ثم ينتقل المؤلف ليتحدث عن الأسر في القرنين السادس عشر والسابع عشر وسن قوانينه، ومن ثم الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالأسرى كاتفاقية جنيف الرابعة التي جاءت عقب الحرب العالمية الثانية.

حقوق واجبات الأسرى
يتحدث الفصل الثاني عن حقوق الأسرى وأن أهمها أن يعمل المسلمون على تحرير أسراهم بكل الطرق، نظرا لأنهم قدموا أرواحهم وأنفسهم لينعم المسلمون بالحرية.

"ولا يقبل الإسلام أن يبقى مسلم واحد أو ذمي أسيراً بيد أعداء المسلمين في أي مكان في العالم، فقد أجمع الفقهاء على وجوب تحرير جميع هؤلاء الأسرى وبكل الوسائل الممكنة".

ثم تحدث عن حقهم في المعاملة الطيبة ووجوب الإحسان إليهم ومعاملتهم وذويهم بطريقة لا تحط من كرامتهم الإنسانية، وتوفير رعاية كاملة لذويهم وعوائلهم من الأفراد والمؤسسات بالمجتمع.

وينقل الكاتب عن الشيخ العلامة يوسف القرضاوي -وقد جرب سجون الظالمين سنوات طويلة- قوله "يجب على المسلمين أن يبذلوا كل ما يستطيعون من أجل فك أسراهم وتحريرهم من الأسر، وتَحَكُّم الأعداء الكفار في رقابهم، فإذا كان الأمر يتطلب فداء بالأسرى من العدو فادوهم، أو المال دفعوا لهم".

الأسرى من المسلمين وحتى غيرهم كاليهود مثلا، لم يلقوا المعاملة الحسنة من أعدائهم إبان الحروب الصليبية، بخلاف المسلمين الذين عاملوا الأسرى معاملة طيبة

غير أن الأسرى من المسلمين وحتى غيرهم كاليهود مثلا لم يلقوا المعاملة الحسنة من أعدائهم إبان الحروب الصليبية، بخلاف المسلمين الذين عاملوا الأسرى معاملة طيبة.

فلم يسلم المسلمون ولا حتى اليهود من معاملة الصليبيين الظالمة، "وحين دخلت الجيوش الصليبية بيت المقدس عام 492هـ عاثت في بيت المقدس فساداً، وأقاموا المذابح والمجازر في ساحات المسجد الأقصى لمن وقع في أيديهم من المسلمين، فقتلوا أكثر من سبعين ألفاً من المسلمين، (وهم في حكم الأسرى حينئذ)، منهم الكثير من العلماء والعباد والزهاد، وحولوا قبة الصخرة إلى كنيسة سموها (هيكل السيد...)، كما لم يسلم حتى اليهود من هذه المذابح، فقد جمعهم الصليبيون في كنيستهم وأحرقوهم أجمعين".

"وما فعله الصرب بأسرى المسلمين في البوسنة والهرسك وكوسوفا في التسعينيات من القرن العشرين، مما رآه العالم كله من تعذيب وتجويع وقتل وتشريد لعشرات الآلاف من هؤلاء الأسرى (والذي سمي بالتطهير العرقي)".

كما أن اليهود عاملوا الأسرى من العرب والفلسطينيين بقسوة وعنف وسلبوا حقوقهم، "فما فعله اليهود الصهاينة بالأسرى المصريين والفلسطينيين بعد العدوان الثلاثي عام 1956، وبعد حرب (يونيو) حزيران 1967 حيث قتلوا بصورة وحشية الآلاف من هؤلاء الأسرى. ومن العبارات المشهورة للجنرال الإسرائيلي موشي ديان: سوف نجعل هذه السجون تُخَرِّج معاقين وعجزة ليكونوا عبئاً على المجتمع الفلسطيني".

أما واجبات الأسرى وأخلاقهم فهي من أهم الصفات التي تحدث عنها المؤلف في الفصل الثالث من كتابه، وقال إنه لم يجد أحدا تناول هذا الموضوع رغم أهميته.

وأدرج واجبات الأسير على المستوى الشخصي كالارتقاء في المجال الروحي بتزكية النفس وزيادة الإيمان وتعميق صلتها بالله، والارتقاء بالجوانب الثقافية والصحية والتربوية والسياسية والرياضية. وعلى المستوى الجماعي ذكر أن العلاقة بين الأسرى تقوم على الأخوة وتقوية الروابط بينهم ووجوب طاعة الأمير أو الأشخاص المنتخبين لإدارة مصالح الأسرى.

وتعد المشاركة الجماعية في الإضراب المفتوح عن الطعام والتي تقررها قيادات الفصائل بسجون الاحتلال، إحدى وسائل النضال الجماعي للأسرى ومن ثم فهي واجب جماعي للأسرى تجاه بعضهم.

"والذي يظهر أن هذه الإضرابات جائزة للضرورة ولا بأس بها، خاصة عندما يستنفد الأسرى كل الوسائل والأساليب المتاحة للوصول إلى حياة كريمة داخل السجون، ولمنع إدارات السجون من الاعتداء عليهم وسحب إنجازاتهم، والتحكم بهم وفق أهوائهم، ونحو ذلك".

سُئل الدكتور يوسف القرضاوي عن الإضراب عن الطعام؟ فأجاب: لا بأس للأسير باللجوء إلى هذا الإضراب ما دام يرى أنه الوسيلة الفعالة والأكثر تأثيراً لدى الآسرين، وأنه الأسلوب الذي يغيظ الاحتلال وأهله، وكل ما يغيظ الكفار فهو ممدوح شرعاً، كما قال الله تعالى "وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (التوبة/120).

التحقيق ومآسيه
وتوصل المؤلف في مبحث "أخلاق ضرورية للأسير" في الفصل ذاته إلى أن فترة التحقيق تعد من أصعب وأقسى مراحل الأسر، لذلك فإن الصمود والوعي بطبيعة التحقيق وأساليبه ومعرفة ألاعيبه وخبايا زنازينه ودور العملاء للاحتلال المعروفين باسم "العصافير"، ضروري للانتصار على العدو ونيل رضى الله تعالى، وأورد الآية الكريمة "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ" (الأنفال/45).

اعتراف الأسير في التحقيق على نفسه تحت الضغط والإكراه لا يضر إلا نفسه، أما اعترافه على غيره فهذه مصيبة المصائب التي ينبغي فيها أن يصمد المعتقل صمود الأبطال

وفرّق المؤلف في هذه المرحلة بين حالتين: الأولى اعتراف الأسير في التحقيق على نفسه تحت الضغط والإكراه فلا يضر إلا نفسه، والثانية اعترافه على غيره.

وقال إن الأمر في الأولى يسير وإن كان الصبر والثبات أفضل، لأن النفس ملك لله فلا يجوز الإضرار بها. أما في الثانية فإن اعترافه على إخوانه أو بعضهم، أو اعترافه بما يلحق ضرراً بدعوته أو تنظيمه، خاصة إذا أدى إلى هلاك نفس أو تأبيد أحد إخوانه في السجون، هو "مصيبة المصائب التي ينبغي فيها أن يصمد المعتقل صمود الأبطال، وأن يبذل كل حيلة لدفع الضرر عن إخوانه، حتى لو ألحق بسبب ذلك ضرراً بنفسه".

احتياجات هامة
وفي الفصل الرابع "أحكام الأسرى" استعرض المؤلف أحكاما فقيهة تعد هامة بالنسبة للأسير، فأورد مثلا قضية الاستمناء أو "العادة السرية" -وهي من أهم القضايا المبحوثة في هذا الفصل- واستدل بأقوال مختلفة للعلماء على حرمة ذلك فعلا لدى الشافعية والمالكية، وكراهته لدى الحنابلة.

وأورد القول الجامع في هذه القضية للأستاذ مصطفى الزرقا رحمه الله: "والحاصل أن القواعد العامة للشريعة تقضي بحظر هذه العادة، لأنها ليست هي الوسيلة الطبيعية لقضاء الحاجة الجنسية، بل هي انحراف، وهذا يكفي للحظر والكراهة، وإن لم يدخل الشيء في حدود الحرام القطعي كالزنا. ولكن تحكم هنا قاعدة الضرورات، فإذا خشي الوقوع في محظور أعظم كالزنا أو الاضطرابات النفسية المضرة، فإنها تباح في حدود دفع ذلك، على أساس أن الضرورة تقدر بقدرها، ومعنى ذلك أن الإفراط في جميع الأحوال غير جائز، لأنه لا ضرورة فيه".

"ولذلك يتطلب من الأسير أن يُصبّر نفسه بالصوم والعفة والابتعاد عن كل ما يثير غريزته، إضافة إلى إرشاد وتوعية ممن هو مسؤول عنه داخل السجن".

وفي قضية "خلوة الأسير بزوجته" يقول المؤلف إنهم رأوا كأسرى وبالخبرة العملية في سجون الاحتلال "أنه ليس من المصلحة الموافقة على هذه الخلوة أو المطالبة بها"، بسبب إمكانية استغلال أجهزة المخابرات لهذه الحالات في أساليبها "الشيطانية" للإسقاط الأمني والأخلاقي بأساليب عديدة كوضع الكاميرات الخفية، "لكن إذا تغيرت الأحوال داخل السجون ووجد الأمان وأخذ الاحتياط اللازم، فعندها لكل حادثة حديث".

كما بحث قضية قتال الأسير مع الآسر ضد آخرين، وفرّق بين ما إذا كان هذا العدو عدوا للمسلمين أيضا أم لا، "فالأصل عدم مشاركة الكفار في القتال معهم ضد الآخرين، لكن ورد عن بعض الفقهاء أنه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين وليس فيه ضرر أو محظور، فلا حرج في القتال معهم ضد كفار آخرين".

ذهب كثير من الفقهاء إلى أن الإمام مخيّر بخصوص الأسرى بين أربعة أشياء: إما القتل أو الاسترقاق أو المن أو الفداء، حسب ما يراه من مصلحة المسلمين

وختم المؤلف كتابه بالحديث عن العمل داخل السجن والجاسوسية وتقرير مصير الأسرى غير المسلمين.

وقال "عند العودة إلى كتب الفقه نجد أن جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة والظاهرية والأوزاعي والشيعة الإمامية والزيدية وغيرهم، ذهبوا إلى أن الإمام مخيّر بخصوص الأسرى بين أربعة أشياء:

إما القتل أو الاسترقاق أو المن أو الفداء، حسب ما يراه من مصلحة المسلمين، عدا النساء والأطفال فلا يجوز قتلهم باتفاق العلماء، سواء كانوا من أهل الكتاب أو الدهرية وعبدة الأوثان أو غيرهم، إلا إذا اشتركوا في القتال. وذهب البعض (الحنفية والمالكية) إلى أنه يجوز للإمام أن يفرض على الأسرى الجزية ويمن عليهم ليكونوا كأهل الذمة في المجتمع الإسلامي.

عقوبة قاسية
ويتوصل المؤلف إلى أن عقوبة السجن تعدّ من أقسى العقوبات على الإنسان، لأنها تفقد الإنسان عنصرا أساسياً من عناصر تكوينه وهو الحرية والاختيار، ومن ثم فهي عقوبة شنيعة بكل المقاييس ينفر منها الطبع الإنساني بل والحيواني "خاصة إذا كانت ظلماً".

فالسجين من الناحية الشخصية يموت كل يوم، ويعيش طوال فترة سجنه في هم وغم ومعاناة، فضلا عن المصيبة الكبيرة التي تحل بأهله وأولاده وبمن يعولهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة