الدين ووظائفه السياسية   
الأربعاء 1435/3/22 هـ - الموافق 22/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:45 (مكة المكرمة)، 13:45 (غرينتش)

عرض/ بدر محمد بدر
يناقش هذا الكتاب ما يسميه "عودة ظهور السياسات ذات الصبغة الدينية" في ثلاث دول علمانية ظاهريا هي: مصر والهند والولايات المتحدة، وإلى أي مدى كان تغير نخب الدولة من العلمانية إلى الدين، له أثره على التحول الأيديولوجي في الخمسين عاما الأخيرة، وأيضا مغبات "الاستغلال الذرائعي للدين".

والمؤلف "سكوت هيبارد" باحث أميركي يعمل أستاذا مشاركا وخبيرا متخصصا في السياسة الخارجية الأميركية، وسياسات الشرق الأوسط، والعلاقات الدولية، ويركز في هذا الكتاب على علاقة السلطة (وليس الكيانات السياسية والحزبية) وقيامها باستغلال الدين لتحقيق أهدافها، رغم تبنيها للعلمانية منهجا للحكم.

- العنوان: الدين ووظائفه السياسية
-المترجم: فاطمة نصر
- المؤلف: سكوت دبليو.هيبارد
- عدد الصفحات: 336
- الناشر: مكتبة الأسرة، القاهرة
- الطبعة: الأولى، 2013

ويتكون الكتاب من مقدمة وخاتمة وسبعة فصول، ويحدد المؤلف في المقدمة هدف الدراسة بأنه "إعادة فحص توظيف الدين سياسيا في مصر والهند والولايات المتحدة، وتوفير إطار نظري حمّال أوجه لتفسير السياسة الدينية الحديثة، ومدى سقوط أصول القومية العلمانية في مواجهة "الدين".

تجليات متنوعة
وفي الفصل الأول، يشير المؤلف إلى أن تجليات الدين في السياسة الحديثة بالغة التنوع والتغير، وفي الوقت الذي يوفر فيه الدين أساسا للإصلاح الاجتماعي، فإن بإمكانه دعم مكونات ومؤسسات السلطة، أيضا فإن الحداثة والدولة القومية ليست بالضرورة علمانية، وحتى في الغرب الذي يدّعي العلمانية فمن الشائع أن تستدعي الدولة الدين والوطنية، كي تنمي الولاء المطلق لها.

لقد عمل قادة الدول في أنحاء العالم منذ منتصف القرن العشرين، من أجل إدخال المعايير العلمانية في صلب مؤسسات الدولة، وكان التصور هو أن التحديث شأن علماني، وكان نمطيا يرتبط ببرامج تقدمية للتغير الاجتماعي.

لكن موقف النخبة بدأ في التغير في السبعينيات والثمانينيات، بعد أن تخلت إلى حد بعيد، عن التزاماتها السابقة بالرؤية العلمانية للنظام الاجتماعي، وبالتغيير الاجتماعي التقدمي أيضا.

وفي السبعينيات هيمنت السياسات ذات الصبغة الدينية، وتخلى زعماء تلك الدول عن التزامهم بالمعايير العلمانية، وسعوا إلى تعزيز الرؤى المتزمتة للدين والدولة، من أجل خدمة أهدافهم الخاصة.

في الوقت الذي يوفر فيه الدين أساسا للإصلاح الاجتماعي، فإن بإمكانه دعم مكونات ومؤسسات السلطة، أيضا فإن الحداثة والدولة القومية ليست بالضرورة علمانية

ويرى المؤلف أن إحياء السياسات الدينية في السنوات الأخيرة، ليس مجرد نتاج لفشل المشروع الحداثي، بل هو جولة أخرى من جدل ظل قائما منذ وقت طويل، حول طبيعة النظام الاجتماعي وأساسه.

العلمانية في مصر
وفي الفصل الثاني، يتحدث المؤلف عن صعود العلمانية في مصر في عهد "عبد الناصر" واضمحلالها في عهد "السادات" وكيف أن احتضان "السادات" للإسلام حسم بشكل جوهري الجدل، حول ما إذا كانت الموروثات هي المشكلة أم أنها الحل للعلل التي تعاني منها مصر، وحول ما إذا كان ينبغي لمصر أن تكون دولة علمانية أم دينية.

ويرى المؤلف أن تركيز "السادات" على "الدين" كأساس للدعم الأيديولوجي، قوّض المعايير العلمانية لعهد "عبد الناصر" وأعاد تعريف الأمة من منطلقات إسلامية صريحة، ولم يكن نمط الإسلام الذي تبنته الدولة ودعمته تحرريا أو حداثيا، بل تأويلا متشددا للدين، يماثل الإسلام الذي دعا إليه حسن البنا (!) وهكذا كان الإسلام "المتزمت" هو أحد المعالم الثابتة للسياسة المصرية في العقود التالية، على الرغم من أن كلا من الدولة والمعارضة سوف توظفه لتحقيق أهداف متنافسة!

وتحت عنوان "أسلمة السياسة المصرية" يتناول الفصل الثالث كيف أن نظام "مبارك" استمر في استخدام الدين والمشاعر القومية، من أجل ترسيخ القبول الأعمى لسلطة الدولة، وهو ما أسهم في أسلمة المجال العام، وأدى إلى خلق بيئة سياسية، خضع فيها الأقباط والمفكرون العلمانيون وذوو الآراء الدينية المخالفة لإجماع الأغلبية، للاضطهاد المنظم وغالبا بتواطؤ من الدولة (!).

ويرى المؤلف أن نظام "السادات" استخدم الإسلام للقضاء على اليسار، كما استخدم نظام "مبارك" الدين لنفس الأهداف، وأيضا لمجابهة المتطرفين الإسلاميين, وهو ما أدى لتقويض الأساس الفكري "للإسلام الليبرالي الحداثي" (!) كما قاما أيضا بتشويه الفكرة التي تذهب إلى أن الدين مفتوح أمام الاجتهاد.

ومع ذلك، تم استخدام فزاعة "الأصولية الإسلامية" من قبل الدولة لخنق أي تطور ديمقراطي، وللتصدي لدعوات الإصلاح، وللقضاء على الوسطيين الليبراليين، ومن المفارقة في عهد "مبارك" أن خطر تولي الإسلاميين "المتزمتين" السلطة كان هو المبرر لاستمرار إقصاء الدولة للشعب المصري عن العملية السياسية، وقمع أشكال المعارضة المشروعة.

صعود الهندوسية
ويحاول المؤلف في الفصل الرابع، البحث عن تفسير واضح للصعود المتسارع للقومية الهندوسية، واتسام السياسة الهندية بالطائفية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويعزو ذلك إلى تغير مواقف زعماء الولايات الهندية، من الأفكار العلمانية التي سادت في فترة حكم "نهرو".

لقد كانت مظاهر فصل الإجماع العلماني عن صلب السياسة في الهند تجري دونما توقف، في أعقاب رحيل "نهرو" عام 1966، وعلى الرغم من أن الاعتبارات الانتخابية كانت هي الدافع وراء استيعاب التوجهات القومية الهندوسية واستغلالها، فإن قيادات حزب "المؤتمر" الحاكم اختارت عن عمد التخلي عن التزاماتها المبكرة بالإصلاح الاجتماعي والمعايير العلمانية، على الرغم من الجهد المضني الذي بذله "نهرو"، والد "أنديرا غاندي"، لمأسسة الرؤية العلمانية.

وكانت إستراتيجية "أنديرا" تعتمد على محاباة الهندوس، وهو ما ساعد حزب "المؤتمر" طوال عقد الثمانينيات على الوقوف والاستمرار بدعم من الهندوس، في أعقاب اغتيال "السيدة غاندي". غير أن تلك الأوضاع بدأت في التفكك أثناء تولي ابنها "راجيف" رئاسة الوزراء.

لايزال هناك توجه لدى السياسيين في الهند لاستدعاء الدين، وسيلة لإثبات تمسكهم بالأخلاقيات أو وطنيتهم أو مصداقيتهم كممثلين للشعب الهندي

وفي الفصل الخامس، يتحدث المؤلف عن "الطائفية في صلب السياسة الهندية" والتي أدت إلى حصول حزب "بهارتيا جاناتا" الهندوسي المتطرف على مكاسب سياسية كبيرة في تسعينيات القرن الماضي، نتيجة حصوله على أصوات القوميين الهندوس، حيث اعتقد معظم المراقبين أن ذلك يمثل إطاحة فجائية بالقومية العلمانية، التي تبنتها "أنديرا غاندي".

ولايزال هناك توجه لدى جميع السياسيين في الهند لاستدعاء الدين، وسيلة لإثبات تمسكهم بالأخلاقيات أو وطنيتهم أو مصداقيتهم كممثلين للشعب الهندي، وعلى الرغم من ذلك فإن ثمة ميلا لتجنب تفسيرات الدين الإقصائية الحصرية، كتلك التي ارتبطت بأعمال العنف.

ولاتزال هشاشة الديمقراطية الهندية، ومخاطبة المشاعر الدينية والطائفية السائدة، تحول دون التوصل إلى أحكام شاملة حول مستقبل البلد، غير أن التوجهات التي سادت مؤخرا في انتخابات 2004 و2009 تشير إلى أن المشروع العلماني مازال قوة قابلة للحياة في المجتمع الهندي.

العلمانية الأميركية
ويتناول الفصل السادس صعود واضمحلال العلمانية الأميركية، حيث ظل الدين ملمحا مركزيا في السياسة الأميركية، على الرغم من الفصل المؤسسي بين الدولة والكنيسة، ويمكن القول بأن العناصر المتسامية للقومية الأميركية تعمل في لحظات الاعتدال كـ"دين مدني" يمد الحياة العامة بالإيمان والمعنى، حيث كان هذا الفهم غير الطائفي للدين السمة المميزة للإجماع الليبرالي، لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ويشير المؤلف إلى أن السياسات الدينية الإقصائية في زمن "نيكسون" سعت عامدة لاستيعاب القومية الدينية الحصرية الإقصائية، التي كان من سبقوا "نيكسون" قد تجنبوها إلى حد بعيد، وهذه السياسة قلبت الإجماع الليبرالي رأسا على عقب، وبهذا ساعد "نيكسون" على وضع نهاية للنظام العلماني، لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد كان مسؤولو الحزب الجمهوري يأملون، من خلال حشدهم للغالبية السكانية على أسس ثقافية، بالتقابل مع الأسس الطبقية، في تقليص الاعتبارات الاقتصادية كأساس لتصويت الناخبين، وتوفير أساس شعبي لدعم سياسات الحزب المحافظة.

وعلى الرغم من أن شعبية "نيكسون" اليمينية لم تثمر إلا بعد انقضاء عقدين، فإن الأمر كان قد قضى، وهذا ما أعد المسرح السياسي لرئاسة "رونالد ريغان" و "جورج دبليو بوش".

ويفصل المؤلف في الفصل السابع والأخير الحديث عن القومية الدينية في زمن "ريجان/بوش" حيث يرى أن توظيف مسؤولي الحزب الجمهوري للأفكار والنشطاء، كان أحد الملامح الرئيسة لصعود الأصولية الدينية، ومن غير الممكن فصل هيمنة المسيحية الإنجيلية على الحياة العامة الأميركية، عن محاولات المسؤولين السياسيين استخدام التأويلات الكهنوتية المحافظة للدين، من أجل المصادقة على الأجندة السياسية المحافظة.

وكما حدث في الهند فقد أدت الإفراطات، التي ارتبطت بها الاستخدامات السياسية للدين المتزمت إلى إصلاح في المسيرة، وإحياء سياسات تميل إلى الوسطية، ومن ثم فإن رئاسة "باراك أوباما" تجسد عودة إلى "الدين المدني" الذي كان أكثر شيوعا في منتصف القرن العشرين، والذي يمنح العدالة الاجتماعية والاهتمام بالفقراء، أولوية على القضايا التي تنقسم حولها الآراء.

انطلق المؤلف من رؤية يسارية علمانية، باعتبارها القاعدة للنظم السياسية الحديثة، وأن توظيف واستغلال "الدين" أفسدها، في حين أن الأديان السماوية هي أصل، والعلمانية فكرة طارئة يمكن أن تنجح أو تفشل

وفي الخاتمة، يؤكد المؤلف أن الدين بلا شك هو ملمح أصيل في صلب الحالة البشرية، وله وجود مستقل بحيث لا يمكن التحكم فيه بسهولة، غير أن الأهمية المستمرة للدين في السياسة الحديثة، تنجم عن حقيقة أن الكثيرين يجدون منفعة جمة في تعزيز وجود الدين في المجال العام.

وهذا ينطبق على الحالات التي يستخدم فيها الدين لحشد المشاعر الشعبية، تأييدا لأحد نماذج النظام الاجتماعي الموجودة، أو على الحالات التي يتم فيها استخدام الدين من أجل تغيير نظام اجتماعي ما.

ملاحظات نقدية
ويتبقى لنا أكثر من ملاحظة على الكتاب، أولها أن العنوان الأنسب والأدق ينبغي أن يصبح "التوظيف السياسي للدين" وليس العنوان الحالي، ومنها أن المؤلف تعامل مع "الدين" كمفهوم واحد، وليس كعقائد متنوعة ومتعددة، ما بين سماوي وأرضي، وما بين دين له عقائد ومجموعة من القيم الخلقية.. إلخ، وبخاصة دين "الإسلام" الذي يحمل من الربانية والشمول والتفاصيل والتاريخ، ما لا يوجد في غيره.

ومن الملاحظات أيضا أن المؤلف انطلق من رؤية يسارية علمانية، باعتبارها القاعدة للنظم السياسية الحديثة، وأن توظيف واستغلال "الدين" أفسدها، في حين أن الأديان السماوية هي أصل، والعلمانية فكرة طارئة يمكن أن تنجح أو تفشل.

وتعامل المؤلف كذلك مع تجاوب السلطة مع الإرادة الشعبية المتدينة في الدول الثلاث، باعتبارها "توظيفا" و "استغلالا" للدين، مع أن المفترض والطبيعي أن تعبر الأنظمة عن إرادة شعوبها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة