حرب التحرير وثورة الديمقراطية   
الأربعاء 1431/12/25 هـ - الموافق 1/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:08 (مكة المكرمة)، 13:08 (غرينتش)

عرض/ هشام موفق
يتضمن كتاب "حرب التحرير وثورة الديمقراطية.. كتابات الأمس واليوم" الذي جاء في شكل مذكرات باللغة الفرنسية، مجموعة من المقالات والمواقف الشخصية من أحداث وطنية ودولية -بعضها صدر في وقت سابق عبر الصحافة الوطنية والدولية، والبعض الآخر ينشر لأول مرة- تلخص التجربة السياسية والنضالية لرئيس الحكومة الجزائرية الأسبق رضا مالك، بداية بمشاركته في ثورة التحرير (1954–1962) وانتهاء باستقالته من رئاسة حزب التحالف الوطني الجمهوري عام 2009.

- الكتاب: حرب التحرير وثورة الديمقراطية.. كتابات الأمس واليوم.
- المؤلف: رضا مالك
- عدد الصفحات: 758
- الناشر: دار القصبة, الجزائر
- الطبعة: الأولى 2010

 
 
ويعد رضا مالك أحد أكثر الشخصيات السياسية الجزائرية إثارة للجدل، خصوصا بمواقفه الرافضة لوجود تيار إسلامي في البلاد، إذ يعتبر مشاركة أحزاب ذات توجه إسلامي في حكومة الجزائر بمثابة "حلف ضد الطبيعة" بين النظام الحاكم والإسلام السياسي.

ولا يتوانى مالك عن لمز الإسلاميين في كل مناسبة، بالرغم من أنه يقول "إنني لست ضد الإسلام"، حيث كشف أنه متأثر جدا ببعض أفكار محمد عبده.

وهذه المواقف جعلت من الرجل أحد أبغض الناس إلى الإسلاميين، خاصة بعدما كان أحد دعاة وأقطاب وقف المسار الانتخابي مطلع العام 1992، عقب فوز حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات البلدية والتشريعية، مما أدى إلى انزلاق البلاد في متاهة ما باتت تعرف "بالعشرية السوداء".

ويتساءل الكثيرون عن منطقية آرائه القديمة والجديدة، فهو من جهة دعا إلى تدخل الجيش من أجل وقف عملية انتخابية قال مسؤولون حكوميون إنها "أنزه انتخابات عرفتها البلاد منذ الاستقلال"، لكنه عاد وطالب الجيش بالانسحاب من الحياة العامة من أجل التأسيس لديمقراطية حقيقية في البلاد.

تاريخ طويل
يملك رضا مالك المولود عام 1931 تجربة سياسية ونضالية ثرية جعلت منه أحد ركائز الدولة الجزائرية الحديثة، فهو حاصل على شهادة ليسانس في الأدب والفلسفة وأحد مؤسسي اتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين عام 1955 بُعيْد اندلاع ثورة التحرير، كما اشتغل في الحقل الإعلامي خلال الثورة كصحفي ثم أصبح مديرا لجريدة "المجاهد" لسان حال جبهة التحرير الجزائرية (1957–1962).

كما كان عضوا في الوفد المفاوض مع فرنسا في اتفاقيات إيفيان عشية استقلال البلاد عام 1962، ليشغل بعد الاستقلال مناصب سامية في السلك الدبلوماسي كسفير بعدة دول هي يوغسلافيا وفرنسا والاتحاد السوفياتي السابق والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، وهو يعد أحد أهم المفاوضين في أزمة تحرير 52 رهينة في السفارة الأميركية بطهران عام 1980.

غادر الرجل الحياة السياسية عام 1984 ليعود مطلع تسعينيات القرن الماضي في عز الأزمة السياسية والأمنية، ليشغل عدة مناصب منها وزير خارجية ورئيس حكومة بين عامي 1992 و1994، وعرف أثناءها بمواقفه المتشددة تجاه الإسلاميين وخاصة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة حاليا، والتي رفض كل مبادرات الحوار معها، وقال عبارته المشهورة "على الرعب أن يغير معسكره" التي جعلت منه أحد أقطاب ما يسمى تيار الاستئصال في الجزائر.

"
الكتاب كشف لأول مرة عن أحداث تاريخية تخللت أكبر ثورات القرن العشرين، منها خلافات بين قياداتها حول شعار الثورة: من الشعب وإلى الشعب
"
ثمانية فصول
إلى جانب أربعة ملاحق هي عبارة عن وثائق تاريخية -بعضها يُنشر لأول مرة- حول مراحل تاريخية حساسة مرت بها الجزائر، وتتضمن مواقفه من قضايا وطنية وحتى دولية، تضمن كتاب رضا مالك ثمانية فصول، أولها بعنوان "الثورة" ويعيد المؤلف من خلاله نشر مقالات صدرت أثناء ثورة التحرير في جريدة المجاهد تتحدث عن مبادئ الثورة ورجالاتها، كما كشف فيه لأول مرة عن أحداث تاريخية تخللت أكبر ثورات القرن العشرين، منها خلافات بين قياداتها حول شعار الثورة "من الشعب وإلى الشعب" الذي حاول الشهيد عبان رمضان تغييره كما قال.

ثاني فصول الكتاب جاء بعنوان "عودة إلى الوراء"، وتحدث فيه عن علاقة المثقفين بثورة التحرير واصفا هذه العلاقة بالجدلية، ليضرب مثالا بالثورة البلشفية التي قامت عام 1917 في الاتحاد السوفياتي سابقا على فكر سيطر على روسيا منتصف القرن الماضي, وقبلها الثورة الفرنسية التي جاءت على وقع فلسفة الأنوار.

ثم انتقل رئيس الحكومة الأسبق إلى الحديث عن الإعلام خلال الثورة، وخص بالذكر جريدة المجاهد التي كانت لسان حال جبهة التحرير الوطني ودورها "كوسيلة إعلام تمثل أيدولوجية الثورة"، كما أعاد نشر مقالات وبيانات له صدرت سابقا تتعلق بدعم حرية التعبير في الجزائر.

أما في الفصل الخاص بالأزمة الأمنية التي عرفتها الجزائر منذ تسعينيات القرن الماضي وكذا الظروف الدولية المحيطة وجاء تحت عنوان "الإرهاب"، فقد أعاد فيه المؤلف التذكير بمواقفه السابقة من أحداث سياسية وأمنية عرفتها البلاد والتي تحدث فيها أيضا عن جذور الإرهاب في الجزائر.

وقال "يعود الإرهاب الإسلامي في الجزائر إلى جذر مزدوج: داخلي وخارجي، ولكن هذين المكونين يلتحمان إلى درجة لا يمكن معها الفصل بينهما"، وعرّج على تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول 2001 ووصفها بأنها "الدرس" من خطورة "الظاهرة الإرهابية".

في الشأن الداخلي عاد رضا مالك إلى قضية توقيف المسار الانتخابي عام 1992 بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، ودافع عن هذا القرار بوصفه من صنّاعه، كما لم يتوان عن انتقاد جوانب في ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي جاء به الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة بهدف وضع حد للأزمة الأمنية.

"
حاول المؤلف الدفاع عن مواقفه المعارضة للإسلام السياسي وأنه ليس ضد الإسلام كما يتصور البعض، بل يقول إنه من المتأثرين بفكر محمد عبده لكنه يرفض التقليد الأعمى
"
أما في الفصل الخامس وهو بعنوان "الديمقراطية"، فتحدث الرئيس السابق لحزب التحالف الوطني الجمهوري عن الخيارات السياسية للنظام الجزائري منذ العشرية السابقة بنبرة انتقاد، وحاول وضع اليد على سبب فشل ما يسمى التيار الديمقراطي بالجزائر في فرض نفسه كبديل على الساحة الوطنية.

واختار المؤلف "الإسلام" عنوانا للفصل السادس من الكتاب، وحاول فيه الدفاع عن مواقفه المعارضة للإسلام السياسي وأنه ليس ضد الإسلام كما يتصور البعض، بل أكثر من ذلك يقول مالك إنه من المتأثرين بفكر محمد عبده، لكنه يرفض التقليد الأعمى.

وفي الفصل السابع يروي المؤلف تجربته الطويلة في العمل الدبلوماسي، حيث تحدث عن السياسة الخارجية للجزائر وعن مفاوضات إيفيان التي أفضت إلى إعلان استقلال الجزائر عام 1962، فضلا عن ملفات أخرى مثل الاتحاد المغاربي وحركة عدم الانحياز.

أما الفصل الأخير فخصصه رضا مالك لإعادة نشر مقالات ومحاضرات له سابقة، تحدث فيها عن شخصيات تاريخية جزائرية وأجنبية على غرار الشهيد عبان رمضان وشخصيات أجنبية أخرى صادفها في مشواره السياسي الطويل.

"لعنة" إيفيان
مما يعاب على "شبه المذكرات" التي أصدرها رضا مالك أنها لم تتطرق إلى "التاريخ الحقيقي" الذي ما زال الشعب الجزائري يسأل عنه إلى حد اليوم، وأهمها ما دار في مفاوضات إيفيان (1960-1962) التي كان المؤلف ناطقا رسميا باسم الوفد المفاوض فيها.

واتفاقيات إيفيان هي ما توصلت إليه المفاوضات التي تمت بين جبهة التحرير الوطني والحكومة الفرنسية، والتي أفضت إلى استقلال الجزائر عام 1962. وبعد مرور نحو نصف قرن عليها، لا يزال الكثير من بنودها محل تستر من الجهتين.

ولمّا طُرح ملف تجريم الاستعمار مؤخرا بمبادرة من حزب جبهة التحرير الوطني (وطني مشارك بالسلطة) وحزب حركة النهضة (إسلامي معارض) ردا على القانون الجمعية العمومية الفرنسية (فبراير/شباط 2005) بـ"تمجيد الدور الاستعماري الفرنسي في شمال إفريقيا"، عرف تجاوبا ونقاشا كبيرا بين النخبة من جهة واهتماما إعلاميا وشعبيا.

"
يعاب على شبه المذكرات التي أصدرها رضا مالك أنها لم تتطرق إلى التاريخ الحقيقي الذي ما زال الشعب الجزائري يسأل عنه حتى اليوم
"
وطُرح الملف على البرلمان الجزائري للمصادقة عليه إلا أن وزير الخارجية الفرنسي السابق برنار كوشنير قال بأن الطرف الجزائري لا يمكنه أن يتبنّى هكذا مشروع لمخالفته بنودا في اتفاقيات إيفيان، وهو ما تم بالفعل، حيث "رفض" رئيس المجلس الشعبي الوطني عبد العزيز زياري تبني المشروع.

ومن هنا، انتظر الجميع رئيس الحكومة الأسبق رضا مالك لأن يدلو بدلوه في الموضوع، خاصة وأنه كان ناطقا رسميا باسم الوفد المفاوض، إلا أنه تحاشى ذلك في هذه المذكرات، مما جعل الكثير من المتابعين يصف كتابه الجديد بـ"شبه المذكرات"، شأنه في ذلك شأن مذكرات اللواء خالد نزار.

حدث هذا في وقت توفي فيه المجاهد لخضر بن طوبال، وهو أحد صانعي المخابرات الجزائرية أثناء الثورة، وأحد أعضاء وفد إيفيان، وقد كشف قبل وفاته أنه قد كتب مذكرات أوضح فيها الكثير من النقاط الغامضة في مسار الثورة الجزائرية، لكن مذكراته "لم يُُسمح لها بأن ترى النور"، حتى بعد مماته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة