فلسطينيون في إسرائيل   
الخميس 1432/8/14 هـ - الموافق 14/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:00 (مكة المكرمة)، 13:00 (غرينتش)

عرض/ وديع عواودة

طفت على السطح في إسرائيل بالعقد الأخير تحذيرات رسمية، سياسية وأكاديمية من تنامي قوة المواطنين العرب فيها وتشكيلهم خطرا إستراتيجيا مختلفا يهددها كدولة يهودية بل تهديدا وجوديا من الداخل. "فلسطينيون في إسرائيل" كتاب عبري لمؤلفه الباحث المحاضر في جامعة حيفا بروفيسور دان شيفطان ينضم لهذه الرؤية.

-الكتاب: فلسطينيون في إسرائيل (مكافحة الأقلية العربية بالدولة للدولة اليهودية)
-الكاتب: بروفيسور دان شيفطان (جامعة حيفا)
-عدد الصفحات: 844
الناشر: زمورا-بيتان, تل أبيب
-الطبعة: الأولى/ 2011

ويشير شيفطان المعروف بمواقفه المتطرفة إلى أن المواطنين العرب في إسرائيل شهدوا تحولات داخلية جوهرية علاوة على تأثرهم (آمالهم ومكانتهم) بتحولات درامية في المنطقة ولدى المجتمع اليهودي.

وضمن قراءة الأسباب يشير لولادة جيل ما بعد النكبة والذي لم يذق طعمها ولم تصبه صدمتها بخلاف آبائهم الذين شكلوا في الخمسينيات بقايا "جيل خائف، مهزوم وفقير وغير مثقف". ويضيف "كبر الأبناء في إسرائيل وشكلوا قاعدة لترميم المجتمع الفلسطيني رغم قسوة الظروف".

لكن التغيير الأهم، برأي شيفطان، مصدره خارجي ويكمن بالتوقعات والتطلعات السياسية التي أثارتها الناصرية وبعض المكاسب العربية كتحرير الجزائر.

ويقول شيفطان إن الأحداث العالمية والإقليمية لجانب التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي قد أملت لحد كبير وسائل عمل المواطنين العرب في إسرائيل.

منتصبو القامة
ويشير إلى أن المجتمع العربي استكمل عملية ترميم الذات واستعاد حيويته بالستينيات والسبعينيات وازداد عددا في الثمانينيات وعزز مكانته السياسية، والاقتصادية، والثقافية والمهنية وبات واثقا من نفسه اليوم ولا يكتفي بالفتات ويخوض نضالا قوميا ذكيا.

في كتابه المطّول يقر الباحث بأن قوة الردع الإسرائيلية تصدعت تدريجيا بنظر العرب والفلسطينيين بعدما استنتجوا أن قدرة الإسرائيليين على التحمل قد تراجعت.

وعلى غرار كتاب آخر يرى باختلاف الجيل الشباب المعتد بالنفس عن سابقه جيل الآباء المهزومين (كتاب " جيل منتصب القامة" للباحثين خولة أبو بكر وداني رابينوفتش) يرى شيفطان أن ما يميز مسيرة فلسطينيي الداخل الراهنة هو تعاظم الثقة بالنفس لدى الجيل الصاعد والمثقف منهم الذي غير أساليب مطالبه وسط انتقال منهجي من الاهتمام بالمساواة المطلبية للمجال القومي ونحو فتح ملفات 48. ويشير أن مطالبتهم بـ"العدالة التاريخية" من الدولة يعتبر بعيون اليهود خطرا وجوديا على وجودهم القومي.

"
يزعم المؤلف أن إسرائيل كانت تستعد لتليين صبغتها اليهودية لتسهل على مواطنيها العرب فجاءت انتفاضة الأقصى عام 2000 وأوقفت ذلك
"
نظرية المواجهة
ويعتبر أن فلسطينيي الداخل غيروا نظرية المواجهة بعد انهيار فكرة الاستقواء بالجار العربي والإقليمي لإخضاع إسرائيل خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، خروج مصر من الصف العربي، الحرب العراقية الإيرانية وتبدد خيار المواجهة العسكرية الحاسمة.

وبرأيه المستند لـ"نظرية المؤامرة" فإن الانتفاضة الأولى واتفاقية أوسلو تفسران ظهور المواقف الراديكالية لديهم لأنهما بعثتا آمالا بإمكانية زعزعة أركان الدولة اليهودية مما ترك آثارا على اليهود.

ويشير أن هذه المسيرة بلغت ذرى جديدة خلال اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 وأثناء حرب لبنان الثانية وفي "الوثائق الرؤيوية" الصادرة عن النخب العربية عام 2007 والداعية لتقاسم الموارد المادية والرمزية بين الشعبين في إسرائيل فضاق حتى المتسامحون اليهود ذرعا حيال تفجر المواقف الراديكالية هذه.

ويزعم أن إسرائيل كانت تستعد لتليين صبغتها اليهودية لتسهل على مواطنيها العرب فجاءت انتفاضة الأقصى عام 2000 وأوقفت ذلك.

ومضيا في تحريضه وتضخيمه للخطر الداخلي بروح مؤتمرات الأمن القومي في هرتزليا يعتبر أن المواطنين العرب يطرحون بذلك تحديا صعبا أمام الأغلبية اليهودية.

الاندماج العميق
وبلهجة تهديدية يرى أن المواطنين العرب في العقد الأخير الذي سماه زميله الباحث الإسرائيلي البروفيسور سامي سموحة بـ"العقد المفقود" قد فقدوا فرصة الاندماج العميق داخل إسرائيل كدولة يهودية وهو هدف مفيد للدولة ولهم من وجهة نظره.

منوها أن هناك فتحة ضئيلة كانت مفتوحة أمام هذه الفرصة ما لبثت أن أغلقت بسرعة بفعل مسيرات وتفاعلات داخلية لدى العرب واليهود معا.

"
يرى الكاتب أن لب الصراع والنزاع بين الأغلبية اليهودية والأقلية العربية يكمن بصورة وهوية إسرائيل وأهدافها كدولة قومية للشعب اليهودي
"
في محاولة شبه دعائية للقول إن إسرائيل كدولة يهودية قوية وصامدة رغم كل التحديات الداخلية والخارجية يرى أن خيار الاندماج بالدولة اليهودية صعب للهضم بالنسبة للمواطنين العرب ولا يعد بحل مشاكلهم القومية.

وضمن استنتاجاته الأبرز يرى الكاتب أن لب الصراع والنزاع بين الأغلبية اليهودية والأقلية العربية يكمن بصورة وهوية إسرائيل وأهدافها كدولة قومية للشعب اليهودي.

الحليب والدم
ويوضح شيفطان أن فلسطينيي الداخل يواصلون إلغاء الدولة اليهودية أو ينتقلون لنزع شرعيتها طالما لم تعد عقارب الساعة للوراء على أساس أن تلبية رغبتهم وتسوية مظلمتهم لن تتأتى إلا بزوال الخطأ العتيق المتمثل بإقامتها ويروون بكافة ثماره مسمومة ولا بد أن يأتي العقاب ولو بعد حين.

ويرى أن فلسطينيي الداخل يطالبون بذلك عمليا من الأغلبية اليهودية أن تنتحر وإتلاف المشروع القومي الذي أسس الدولة ومن أجله كان أبناؤها مستعدين للتضحية بحليبهم ودمهم.

ويشير إلى أن أغلبية يهودية مطلقة متمسكة بالهوية اليهودية للدولة ومستعدة لبعض التعديلات الطفيفة التي لا تلبي مطالب العرب زاعما أن تمسكها وقوتها يمكّنان الأغلبية على ممارسة الدولة القومية التي أنشأتها مقابل معارضة فلسطينيي الداخل والعرب والقوى الدولية المشاركة بنزع شرعيتها.

ويؤكد الكاتب ذو التوجهات اليمينية المتشددة الذي يحاول في كافة فصول الكتاب إثبات "مناعة إسرائيل" أن كثيرا من الإسرائيليين يعتقدون خطأ بإمكانية مصالحة فلسطينيي الداخل بتحسن أحوالهم الاقتصادية أو ببوادر حسن نية رمزية تعدل صيغة الدولة اليهودية زاعما أنه رغم ذلك فإن الإسرائيليين مستعدون للصراع وتسديد ثمنه.

تناظر وهمي
ويعتبر أن جاهزية أغلبية اليهود لـ"تحويل مناطق تمت السيطرة" عليها عام 67 تنبع من الالتزام ببقاء إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية.

ويتهم القيادات السياسية أمثال د. عزمي بشارة وأتباعه بإخفاء هدفهم الكبير خلف مزاعم ليبرالية إنسانية ويزعم أن كفة الأغلبية اليهودية هي الراجحة رغم الدعم الخارجي المتوقع للأقلية العربية، والذي يثقل على اليهود ويشجع فلسطينيي الداخل على مواصلة تشبثهم بمواقفهم الراديكالية.

"
يزعم الكاتب أن الدعم الخارجي للأقلية العربية، والذي يثقل على اليهود يشجع فلسطينيي الداخل على مواصلة تشبثهم بمواقفهم الراديكالية
"
ويقول إنه لا أساس من الصحة للادعاء بأن هناك تماثلا وتناسبا بين قوة الأغلبية والأقلية بهذا المضمار لأن حكومات أوروبا أيضا تساند إسرائيل ولأن الحملات الدولية لنزع شرعية إسرائيل لم تضعف تمسك الأغلبية اليهودية بدولته القومية.

ويرى أن تمسك أغلبية الإسرائيليين بموقفهم المذكور سيضع فلسطينيي الداخل أمام معضلة: هل يواصلون التشبث برؤيتهم الحالية التي تعتبر تنازل إسرائيل عن يهوديتها شرطا للتسليم بمكانتهم كأقلية في الدولة والاندماج فيها كمواطنين مخلصين خلال معاركها؟

قرار التقسيم
شيفطان الذي ينضح كتابه بالمجهود الدعائي المتساوق مع الموقف الرسمي يزعم أن فلسطينيي الداخل يقفون أمام خيارين إما التكيّف للواقع المخيب لآمالهم القومية الطموحة وبين مواصلة النضال الذي لا تعرف نهايته وتحوم علامات سؤال حول احتمالاته".

وضمن التساوق الدعائي مع الرواية الصهيونية الرسمية يتهم شيفطان كل الفلسطينيين بإضاعة فرص تاريخية للفوز بجزء من البلاد وتسهيل مهمة إسرائيل بتحقيق غاياتها.

ويعتبر أن رفض العرب والفلسطينيين لقرار التقسيم قد أفاد إسرائيل بتسببه لحرب عام 48 مكنتها من التخلص من أعداد كبيرة من الفلسطينيين المقيمين فد حدود الدولة اليهودية.

كما يشير إلى أن الفلسطينيين كافتهم ومن ضمنهم فلسطينيو الداخل، ما زالوا متشبثين بطباعهم الإيجابية المميزة القائمة على خطاب المحقين وعلى الصمود حتى استرداد الحقوق.

مذبحة أوسلو
وينبه أنهم حتى بعد توقيع اتفاقية أوسلو حرص فلسطينيو الداخل على عدم الالتزام -بعد تحقيق الأهداف العينية الحالية (دولة مستقلة بحدود 1967)- بالتنازل عن مطالبهم بزعزعة أسس الدولة القومية اليهودية بواسطة وسائل ديموغرافية بالأساس (العودة الزاحفة والمطالبة بحق العودة) في ظل تهديد مثابر باستخدام "الإرهاب" قاصدا الكفاح المسلح أو الانتفاضة طالما لم تتنازل إسرائيل كفاية عن هويتها.

ويشير إلى أن نفي ورفض الدولة اليهودية هو ما يجمع بين قيادة فلسطينيي الداخل والحركة الوطنية الفلسطينية لافتا إلى أن الجديد بذلك يكمن بتعزز قوة الظاهرة وبمنزلتها في وعيهم ويعتبر أن نزع الصفة اليهودية عن إسرائيل وسيلة خطيرة لقتلها منوها أن ذلك بات راية المواطنين العرب فيها".

"
يرى الكاتب أن تنازلات إسرائيل في أوسلو عن ثوابتها وتضحيتها بأبقار مقدسة كثيرة, هي التي أدت للتحول الدرامي في موقف فلسطينيي الداخل وبلورة رؤيتهم المتشددة
"
وبرأيه فإن تنازلات إسرائيل في أوسلو عن ثوابتها وتضحيتها بأبقار مقدسة كثيرة كعدم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، ورفض الدولة الفلسطينية، وتقسيم القدس وعدم الخوض بتاتا بقضية عودة اللاجئين، هي التي أدت للتحول الدرامي في موقف فلسطينيي الداخل وبلورة رؤيتهم المتشددة. ويتابع "واستنتج العرب أن بقرة الالتزام بالدولة اليهودية سيحين دورها".

ويبدي المؤلف سروره بإغلاق "مذبح أوسلو" بعد عودة الوعي للإسرائيليين وإصابتهم بالخيبات، رغم إحياء البقرات المذبوحة". وضمن مجهوده الدعائي يعرض شيفطان بطريقة غير مباشرة على فلسطينيي الداخل التنازل عن مطلبهم وقبول الدولة اليهودية مقابل تحسين جذري بأحوالهم الاقتصادية.

يهود بولندا وبريطانيا
يحمل شيفطان الضحية العربية مسؤولية المشروع الصهيوني ويقول إن تشبث المواطنين العرب بإلغاء الدولة اليهودية يدخل علاقات الشعبين داخل إسرائيل لطريق مسدود ولنزاع نهايته غير مرئية، موضحا أن اليهود لا يستطيعون قبول ذلك وأن العرب غير قادرين على التراجع عن موقفهم.

وتارة يلوح شيفطان بورقة الترغيب بـ"الثمار الاقتصادية والديمقراطية" مقابل التسليم بيهودية الدولة وتارة يلجأ للترهيب بما يعكس لغته ومنهجيته غير الأكاديمية.

وفي خضم محاولة إقناع قيادة فلسطينيي الداخل بالتسليم بيهودية إسرائيل يقارن بينهم وبين اليهود في بولندا الذين سلموا بطابعها المسيحي دون إشهار مطالبهم القومية.

وفي محاولة استباقية لحماية مزاعمه ومقارناته الغريبة يقول ردا على موقف فلسطينيي الداخل بأنهم سكان أصلانيون بأن اليهود "عادوا لوطنهم التاريخي".

كما يسوق مثالا أكثر فجاجة بإشارته لمواطني بريطانيا اليهود الذين بقوا مخلصين لها رغم معاداتها للهجرة الصهيونية".

وبلهجة انفعالية يكرر شيفطان مزاعمه الدعائية بالقول إن اليهود في إسرائيل لن يتنازلوا عن يهوديتها لاعتبارات وجودية.

معضلة اليهود
ويرى أن التيار المركزي في الأغلبية اليهودية يواجه معضلة في كيفية الرد على تشبث الأقلية العربية بمناهضتها الفعالة للدولة القومية اليهودية.

ويقول إن التيار المركزي هذا يخشى أن يكون الدواء أسوأ من الداء، موضحا أن المس بالنسيج الديمقراطي لإسرائيل من خلال رد يهودي غير محسوب، من شأنه إلحاق ضرر بالغ بها في العالم.

في المقابل يرى أن الأكثرية اليهودية باتت تدرك مع تنامي قوة وجرأة فلسطينيي الداخل تدرك للمرة الأولى أن تحدي فلسطينيي الداخل ليس مرحليا بل يتكرس واقعا للمدى البعيد".

ويعتبر أن وضعا خطيرا نشأ بعد العام 2000 بعدما تكشف أنه لا احتمالات وآمال السلام ولا انهيارها قد أدى لتراخي موقف المواطنين العرب مشددا أنه ليس هناك حلا متوفرا ومعرفا لهذا الانكسار بعلاقات الشعبين داخل إسرائيل.

"
لا يملك الطرفان اليوم -برأي الكاتب- قاعدة مشتركة للعيش كمواطنين في دولة واحدة ولا حتى تسوية وقتية أو تعايشا سلميا نتيجة تناقض مطالبهم الأساسية
"
ويحرض شيفطان المؤسسة الحاكمة على عدم إبداء أي تسامح مع المواطنين العرب عند كل "تضامن عنيف يسجلونه مع العدو" خلال حرب مستقبلية زاعما أنهم المسؤولون عن تكريس واقعهم الاقتصادي المأزوم نسبيا نتيجة أسباب ثقافية تتجلى بكثرة الإنجاب وبعدم خروج المرأة للعمل.

وبرأيه لا يملك الطرفان اليوم قاعدة مشتركة للعيش كمواطنين في دولة واحدة ولا حتى تسوية وقتية أو تعايشا سلميا نتيجة تناقض مطالبهم الأساسية.

احتواء واستعداء
ويختتم شيفطان كتابه بطرح تصوره للحل لمواجهة "الخطر الداخلي" بعدما تخلص الأغلبية اليهودية من وهم "الحل" المفقود، بعدة طرق أهمها تشريع يكفل عدم تدمير الطابع اليهودي للدولة بجريرة المساواة المدنية علاوة على احتواء بالترغيب بدلا من الاستعداء.

ويوضح كمن يحاول إقناع الإسرائيليين بمقولته، إن المساواة المدنية للعرب تخدم الديمقراطية الإسرائيلية رغم أنها لن تخفف من عداوتهم للطابع اليهودي لإسرائيل.

كما يقترح استكمال الجدار المحيط بكل الضفة الغربية بغية وضع العراقيل أمام الجهات العربية داخل الخط الأخضر التي تلعب دور الوكيل للكفاح الفلسطيني ضد إسرائيل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة