الجريمة المقدسة   
الجمعة 16/1/1434 هـ - الموافق 30/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:41 (مكة المكرمة)، 11:41 (غرينتش)

عرض/ زياد منى

لا بد بداية من التعبير عن شعورنا بالإحباط عند النظر في قائمة الإصدارات العربية حيث يجد المرء أن معظمها، أو لنقل كلها، عدا بعض الاستثناءات القليلة، هي إما تجميع لجمل ممجوجة ومكررة منذ العصر الطباشيري! وبالعامية: (صف حكي)، أو أنها خطابات حماسية في هذا المجال أو ذاك. نستثني من هذا النقد الكتب العلمية المترجمة.

كتاب عصام سخنيني "الجريمة المقدسة" لا يقع بين تلك المؤلفات التي لا يستفيد منها أحد، سوى باعة الورق ودور النشر، والجهل والتجهيليين. كتابه مهم لأنه يقدم رؤية قديمة إلى حد ما، ضمن أطر جديدة جمعية تمسك بخيوط الموضوع وتصنع منه نسيجًا متكاملاً.

-الكتاب: الجريمة المقدسة: الإبادة الجماعية من أيديولوجيا الكتاب العبري إلى المشروع الصهيوني
-المؤلف: عصام سخنيني
-عدد الصفحات: 192
-الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر
-الطبعة الأولى/ 2012

رغم ادعائي باطلاع واسع على موضوع المؤلَّف، وعلى مادته الأصلية، أي الدعوة لإبادة الغير باسم القدوس، وبأمره، أي نيابة عنه، واطلاعي الواسع على المؤلفات الغربية في المادة، إلا أن الزميل الباحث قدم الجديد في كتابه هذا سنفصله لاحقًا، من دون التخلي عن المصطلح الاعتراضي، التحببي، وهو (لكن)، وسنترك هذا الآن لنعود إليه في ختام قراءتنا.

الكتاب
موضوع الكتاب يتركز على مفهوم (الإبادة الجماعية) كما ورد تعليمًا قدسيًا في كتاب اليهودية المقدس المسمى بالعربية (التوراة)، وبلغة الأخيرة (مع أنها لم تكن لغة محكية وإنما نمط أدبي متباين المستوى يرتقي أدبيًا في مراثي إرميا على سبيل المثال، أو في إيروتيكا سفر نشيد الإنشاد المنسوب لابن يسي).

فكتاب اليهودية المقدس، كما نعلم لا يمنح اللغة أو اللهجة التي كُتب بها اسمًا حيث يطلق عليها مرة صفة (شفت كنعن - شفة كنعان)، وفي حين آخر يصر على أنها (لشون كنعن).

المؤلف ينطلق من تعاليم الإبادة الجماعية القدسية كما ترد في بعض أسفار التوراة وينقل للقراء تطبيقها العملي القدسي في فلسطين على يد الجماعات الإرهابية الصهيونية ضد أهل البلاد العرب وأجدادهم، كائنًا اسمهم ما كان، والتي عاشوا فيها، واستحالت بفعل مشقة وجهود أياديهم التعبة المشققة الدامية "أرضًا تفيض لبنًا وعسلاً" بحسب علم إله التوراة. المكانة الاستثنائية المعطاة لفلسطين أرضًا وشعبًا في المؤلَّف، وبالتالي تاريخًا وماضيًا اجتماعيًا، ضحية الصهيونية، تتضح في اسم الكتاب وفي عناوين الفصول الخمسة الأخرى أو المتبقية، حيث قسم المؤلف كتابه إلى ثمانية فصول تلي مقدمة.

المهم، وبالتالي، الإبداعي، في كتاب المؤلف، منطلقه النظري بخصوص مفهوم (الإبادة الجماعية) تحريره من الحصرية الصهيونية التي تحاول فرض مفاهيمها شديدة الاعوجاج على تاريخ البشرية ومآسيهما. هذا نعثر عليه أولاً في الفصل الأول (تعريفات وتحديد مفاهيم)، وفي الفصل الثاني (إبادة الجنس فيأإيديولوجيا الكتاب) لكنه يعود ليظهر مجددًا في فصول أخرى.

ثمة فهم عام، لكنه ليس صحيحا أو دقيقا، يرى أن (الإبادة الجماعية) تعني إفناء جماعة بشرية محددة. الصهيونية، كونها حركة استعمارية غربية، تمكنت، بفضل موقعها المركزي في بنية الفكر الغربي الاستعماري من حصر هذا المفهوم، لفترة طويلة في جريمة النازيين بحق كثير من يهود أوروبا.

فمن المعلوم أن الطرف الأول سمح لبعض يهود أوروبا الشرقية والغربية بالرحيل إلى (فلسطين المحتلة، أرض الميعاد الوهمية) وإلى الأرض الموعودة التي كانوا حقًا يحلمون بها، وهي الولايات المتحدة الأميركية التي أصدرت وقتها قرارًا بحصر أعداد المهاجرين (لغاية في نفس يعقوب، كما يقال)، والذي تكرر بعد هزيمة المعسكر الشيوعي في تسعينيات القرن الماضي عندما استصدر الرئيس الأميركي بوش الأب قانونًا يحظر على (اليهود) المغادرين المعسكر المهزوم الهجرة إلى بلاده إلا بعد إقامتهم فترة محددة في الكيان الصهيوني.

عصام سخنيني يوضح في مؤلفه، اعتمادًا على أبحاث قانونية وفكرية-فلسفية أنجزها علماء متخصصون في هذا المجال، عدم صحة حصرية معنى المصطلح كما هو متداول ويصل إلى استنتاجات صحيحة بأنه يعني أبعد بكثير من مهموم الإبادة المادية. وهو يثبت، أيضًا اعتمادًا على المفاهيم القانونية والفلسفية، أنه يعني، إضافة إلى إبادة الجنس، أيضًا: التطهير العرقي والترحيل الجماعي والذي عادة ما يكون شديد الارتباط بفرض إبادة الذاكرة الفردية والجماعية، وبالتالي إلغاء التاريخ الحقيقي لصالح آخر مختلق ومزور، ويضاف إلى ذلك منع الشعب من ممارسة حقه في العودة إلى دياره ووطنه. وهنا يستعين بالمصطلح الدقيق لذلك وهو (إبادة الذاكرة).

قيام المؤلف بربط كل هذه المفاهيم بعضها ببعض، ومن ثم بالكارثة التي ألحقها الاستعمار الغربي، بتواطؤ حكام نظام سايكس/بيكو العرب، بشعب فلسطين العربي في عام 1948، عمل مهم وإبداعي، ويشكل في نظري الأساس الصلب للكتاب.

الأمر الآخر المهم في الكتاب إشاراته المستفيضة إلى نمط من الإبادة الجماعية تناوله علماء غربيون متخصصون، ولم يسبق لي أن قرأت عنه في المراجع العربية المتخصصة. هو "إبادة الجنس الرمزية"، ويعني أن قتل رموز وطنية أو الاعتداء عليها إنما يدخل ضمن مفهوم أو مصطلح "الإبادة الجماعية".

"إبادة الجنس الرمزية" تعني بالإضافة لقتل الرموز الوطنية الاعتداء على الأشياء التي ترمز لشعب ما، وتعطيه معنىً وأملاً مثل الأرض والمجتمع والأطفال والطفولة

"إبادة الجنس الرمزية"، ودومًا بحسب الكاتب والمرجعيات العلمية التي اعتمد عليها، تعني في الوقت نفسه الاعتداء على الأشياء التي ترمز لشعب ما، وتعطيه معنىً وأملاً مثل الأرض والمجتمع والأطفال والطفولة، والنشطاء في مختلف المجالات الاجتماعية والسياسية، والقادة.

بناءً على ذلك فإن إبادة الجنس الرمزية التي يمارسها العدو المغتصِب بحق أهل الأرض وورثتها الشرعيين ما هي إلا عملية حرق وعي الشعب الفلسطيني، والتي لا يمكن أن تعني أي شيء سوى حرقه فعليًا، والاستنتاج الأخير لنا.

من الأمور الأخرى التي تدخل في صلب الإبادة الجماعية أو الإبادة الجماعية الرمزية، اختلاق أو اصطناع الآثار، إضافة إلى تزويرها عبر إجبارها على البوح بما لا تحويه، وقدم المؤلف بضعة أمثلة تطبيقية تظهر المقصود، ومن ذلك على سبيل المثال مقبرة مأمن الله في القدس المحتلة وغيرها من الآثار والنقوش التي عثر عليها في فلسطين المحتلة.

هذا، وغيره، يجعل الكاتب يصل إلى استنتاج وضعه في المقدمة، بأن خصائص المشروع الصهيوني البنيوية هي:
1- الكولونيالية.
2- استعارة قدسية من مفردات (الكتاب العبري)، والمصطلح يعود للمؤلِّف.

لكن..
المؤلف حصر بحث سوء استخدام الأبعاد القدسية لمفهوم (الإبادة الجماعية) بفلسطين، مع أن التاريخ يحوي أمثلة كثيرة على ذلك، وكنا تناولنا هذا الموضوع سابقا في عرضنا في هذه الصفحة كتاب د. منير عكش "أميركا والإبادات الجنسية" الذي يحوي معلومات مهمة للغاية تمنح القارئ فرصة فهم الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي كيفية التعاطي معها ومع سياساتها العالمية والإقليمية الخاصة ببلادنا. كتاب عصام سخنيني يساعدنا على فهم العقل الإسرائيلي-الصهيوني.

(لكن) مرة أخرى.
- المؤلف ذكر أن (الكتاب) يطلق على ما يعرف في التراث اللغوي العربي (التوراة). الصحيح هو أن الاسم يطلق على كتب اليهودية والمسيحية المقدسة. المفردة يونانية قديمة والإغريق توهموا أن الكتاب يصنع في الساحل الشامي بمدينة جبيل الواقعة حاليًا في أراضي الجمهورية اللبنانية، ولذا أطلقوا عليها اسم (بيبلوس). الصحيح أن أوراق الكتابة في المشرق العربي كانت تصنع في مصر وتصدر عبر جبيل. والقول (الكتاب) يعني، لاهوتيًا أم الكتب.

- المؤلف ذكر في ص 29 أن عدد الأسفار يتباين بسبب دمج بعضها ببعض. الحقيقة هي أن الكنيسة الكاثوليكية تعترف بأسفار محددة (منها أسفار المكابيين على سبيل المثال) بأنها أصيلة، بينما الكنيسة البروتستانتية لا تعترف بها وتعدها، مع غيرها، منحوتة، أي ما يعرف بالأبوكريفا.
-  (يهوه) ليس اسم إله بني إسرائيل وإنما أحد الأسماء التي يطلقها "العهد القديم" على الذات الإلهية، ويضاف إليها (إلوهيم)، (هإلوهيم)... إلخ.

-  المؤلف يتحدث عن الكنعانيين، لكن الأبحاث التاريخية لا توفر أي دليل، مباشر أو غير مباشر على وجود شعب بالاسم، تمامًا مثل الآراميين. فثمة لغة (آرامية) كانت متداولة في المشرق العربي (وسفرا عزرا ونحميا مكتوبان بها)، بينما لم يوجد شعب آرامي.

المؤلف يتحدث عن الكنعانيين، لكن الأبحاث التاريخية لا توفر أي دليل، مباشر أو غير مباشر على وجود شعب بالاسم، تمامًا مثل الآراميين

- في ص 75 يتحدث المؤلف عن شرق الأردن كونه كيانًا تاريخيًا منفصلاً، بينما سياق الحديث التاريخي يفرض التعامل مع الإقليم كما كان يعنيه. في الواقع هو شكَّل، وفق (الكتاب)، جزءًا من أرض إسرائيل التوراتية الخرافية، وكان يعرف باسم ‘عبر الأردن’ وهو الاسم الإنجليزي الأصلي، وحبذا لو أن المؤلف استعان بالمراجع الأصلية ‘العبرية’ وبالتأويلات التلمودية ذات العلاقة.

- المؤلف أشار إلى عدة مؤلفات مهمة منها العائدة إلى إيلان بابيه (وهو معاد شجاع للصهيونية وليس فقط لسياسات إسرائيل الصهيونية كما كتب المؤلف في ص 102) وكذلك إلى الأب الراحل مايكل برير، وهي مترجمة إلى العربية صدرت في دمشق وبيروت والقاهرة وقد تمت مراجعتها في هذه الصفحة، وكان من الأفضل إحالة القارئ إليها.

-  ثمة كثر من المعادين للصهيونية، خصوصًا من اليهود الإسرائيليين يرون أن مصطلح النكبة حيادي ولا يدل على الجاني وفظاعة الجريمة التي ارتكبتها الصهيونية بحقنا وحق بلادنا ويطالب باجتراح مصطلح بديل واضح.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة