ظله على الأرض   
الأحد 1426/1/25 هـ - الموافق 6/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:35 (مكة المكرمة)، 14:35 (غرينتش)

عرض/عوض الرجوب

"من أحب القدس ومن كرهها.. من ارتكب المجازر في مساجدها وكنائسها وأزقتها.. من أقام فيها ومن مر بها عابرا.. من هدم مباني ومن وضع لبنة فيها.. كل هؤلاء حاولوا نقش أسمائهم على صفحات هذه المدينة الغربية المعشوقة والمكروهة".

 

هذا ما يريده الباحث والكاتب الفلسطيني أسامة العيسة من كتابه الجديد الذي اختار له عنوان "ظله على الأرض.. ألقاب حكام مسلمين في رقوم مقدسية".

 

- اسم الكتاب: ظله على الأرض.. ألقاب حكام مسلمين في رقوم مقدسية

- المؤلف: أسامة العيسة

- عدد الصفحات: 272

- الناشر: دار قدمس، دمشق

- الطبعة الأولى 2004

يقع الكتاب في 272 صفحة إضافة إلى 40 صفحة تضم مصورات وخرائط، منها ثماني صفحات ملونة. وفيه يرصد المؤلف الكثير من الألقاب التي نقشها على جدران مدينة القدس ومعالمها أولئك الذين مروا بها وعاشوا فيها على مدى العصور من حكام وسلاطين.

 

ويشير كاتبه إلى أنه ليس مختصا أو مؤهلا أكاديميا في مجال البحث الأثري، ولكنه منحاز إلى ما يمكن تسميته "بأنسنة التاريخ والآثار"، وهو يجمع بين البحث الميداني والاستطلاع الصحفي وإجراء المقابلات والقراءة الجدلية التاريخية.

 

وقد انتقى المؤلف إحدى الرقومات ليضعها عنوانا لكتابه وهي "ظله على الأرض"، ثم أوضح في الجزء الثاني من العنوان أن ما يحتويه الكتاب هو تلك الرقوم التي نقشها وخطها الحكام المسلمون الذين وصلوا مدينة القدس، منتقدا في بعض أجزاء كتابه بعضا من هذه الرقوم التي اعتبرها دليل استبداد حتى لدى الحكام المسلمين.

 

وبطريقة بحثية علمية لتلك النقوش أو الرقوم كما سماها، أراد العيسة أن يقف على ما أسماه "جذور الاستبداد في العالمين الإسلامي والعربي" من خلال ما اعتبره توثيق هؤلاء الحكام أنفسهم أو بطانتهم ومقربيهم على تلك الرقوم التي ما زالت صامدة في المدينة المقدسة.

 

ويتضمن الكتاب ستة فصول، اختار للأول عنوان "الطريق إلى عاصمة الأنبياء" وهو بحث تاريخي سياسي يتناول معنى الإسراء والتطورات التاريخية اللاحقة حتى فتح القدس.

 

وفي الفصل الثاني يتحدث عن "دراما البطولة والعشق والخيانة" من خلال النقوش في المسجد الأقصى، في حين يتناول الفصل الثالث قراءة جديدة للمعراج تحت عنوان "درب إلى السماء".

 

أما في الفصل الرابع فتناول المؤلف النقوش في قبة الصخرة المشرفة، وفي الفصل الخامس "نجوم في الصحن السماوي" تحدث عن النقوش في ساحات وأروقة وأسبلة الحرم القدسي الشريف. وأخيرا في الفصل السادس "جدلية العشق والخيانة" تناول نقوشا أخرى غير السابقة.

 

"
رغم النيات الحسنة التي تقف وراء المنهج الذي سلكه الباحثون الفلسطينيون والعواطف القومية والدينية التي دفعتهم، فإن منهجهم يحمل بعض مثالب المنهج الأثري الصهيوني المضاد
"
الاهتمام بالرقوم

يمهد الكاتب لفصول كتابه بدراسة حول الإسراء من منظور سياسي، ثم يرصد الألقاب ضمن منهج يجمع بين التحقيق الصحفي الميداني ومنهج بحثي يسميه "أنسنة التاريخ والجغرافيا"، مشيرا إلى أن "هناك ندرة في الاهتمام بالرقوم وبأهميتها لدى الكثير من الأثريين الفلسطينيين، بعكس الأهمية الخاصة التي يوليها لها باحثون أجانب وإسرائيليون بشكل خاص، لأهمية هذه الرقوم الفنية والأثرية والتوثيقية والجمالية والتاريخية واللغوية".

 

أما الاهتمام الذي أبداه بعض الباحثين الفلسطينيين "فكان لسبب آني مستجد بفعل الغزو الصهيوني الذي استخدم العلوم الحديثة وطوع علم الآثار لخدمة أغراض سياسية، وهو سبب مهم، فكان هنالك بعض التوثيق كردة فعل باعتبار الرقوم التوثيقية تعتبر بمثابة وثائق وأدلة على الوجود العربي والإسلامي".

 

ولكن رغم النيات الحسنة التي تقف وراء المنهج الذي سلكه الباحثون الفلسطينيون والعواطف القومية والدينية التي دفعتهم، فإن منهجهم يحمل بعض مثالب المنهج الأثري الصهيوني المضاد. ووقع معظم الباحثين الفلسطينيين الذين نظروا لتاريخ القدس منذ سبعة آلاف سنة في نفس الخطأ وهو النظر بعين واحدة لإثبات حق أو دحض دعاوى أسطورية بحقوق ما.

 

ومن أجل هذه الغاية فإن كل شيء جائز حتى إن بعضهم يتحدث مثلا عن أن سليمان نبي ويتبعه بصفة عليه السلام في فقرة في إحدى الصفحات، وفي فقرة أخرى في نفس الصفحة يجعله ملكا يهوديا غاصبا..!

 

ويجزم الكاتب بأن ذلك المنهج البحثي لم يقتصر على القليل، بل هو جزء من الصورة العامة التي عملت بموجبها أجيال من الباحثين الفلسطينيين، موضحا أنه لم تنجح دارسة ذات مؤهلات أكاديمية أتيحت لها فرصة البحث الأثري الميداني العلمي والتمويل المناسب، في إحراز تقدم ذي بال في الدراسات الأثرية التاريخية، وإنما عاشت على اجترار ما قام به أسلافها.

 

ويعترف العيسة بأن هذا التوصيف قد يكون سوداويا إلى حد بعيد، لكنه يلتمس أعذارا كثيرة لهذه النوعية من الباحثين "الذين يعملون في مواجهة عدو يلجأ إلى الكذب والتزييف، فيجعلهم دائما في حالة استنفار للرد والتفنيد".

 

ولم يكتف الكاتب بذلك بل أعطى مثالا فيما يتعلق بالنقوش وهو إعلان المعهد الجيولوجي الإسرائيلي في بداية عام 2003 عن اكتشاف حجر أثري في المصلى المرواني، وهو جزء من المسجد الأقصى عليه نقوش تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد تشبه أسلوب كتابة سفر الملوك في العهد القديم.

 

وكانت ردة الفعل الفلسطينية واضحة وهي اتهام المعهد بالتزييف لأهداف سياسية، ولم تمض ستة أشهر حتى عقدت دائرة الآثار الإسرائيلية مؤتمرا في القدس أعلنت فيه أن الحجر المذكور فعلا مزيف وأن النقوش التي عليه مزيفة، وذلك بعد أن تم فحص الحجر والنقوش من قبل لجنتين متخصصتين مدة شهرين.

 

بين الماضي والحاضر

ويقف العيسة في كتابه عند الألقاب الكثيرة في الرقوم التي هي موضع الدراسة وتثير الانتباه بشدة، ورغم ذلك لم يتوقف عندها أحد، كما يقول المؤلف الذي يقر أيضا بأنه "من الخطأ علميا.. وربما إنسانيا، محاكمة ظاهرة مثل الألقاب بمعزل عن ظروفها التاريخية".

 

ولفت المؤلف النظر إلى أن "مما يثير الانتباه في التطويع الوظيفي للألقاب دلالته على أننا منذ فترة طويلة ونحن في حضرة ظرف تاريخي واحد وكأنه لا شيء يتغير في هذا الشرق"، موضحا أن "ثمة ألقابا معاصرة حاضرة متشابهة إلى حد التطابق مع ألقاب حكامنا السابقين.

 

ولكن الأهم هو الوظيفة التي تلعبها هذه الألقاب السياسية في تاريخنا حاضرا وماضيا.. وهي تكريس للأبوية السياسية والاجتماعية ولاستبداد مقيم عمره قرون طويلة.. طويلة".

 

"
ما يثير الانتباه في التطويع الوظيفي للألقاب، دلالته على أننا منذ فترة طويلة ونحن في حضرة ظرف تاريخي واحد وكأنه لا شيء يتغير في هذا الشرق، إذ إن ألقابا معاصرة تتطابق مع ألقاب حكام سابقين
"
ومن باب المقارنة بين الماضي والحاضر يقول المؤلف "إذا نظرنا مثلا إلى أي سلوك لأي أمين عام لحزب سياسي عربي (يساري أو يميني) فإننا لا نجده يختلف عن سلوك أي خليفة أو سلطان أو وال أو قائمقام طوال تاريخنا الماضي، مع الأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات الذاتية والفروق في القدرة والتنفيذ، ولكننا نكاد نكون في مواجهة ثقافة واحدة، وكذلك الأمر في سلوك حكامنا القوميين والماركسيين والإسلاميين والملكيين".

 

ومثلما ارتبطت ألقاب الحكام والأمراء السابقين بشكل وثيق بالمقدس الديني فإن الأمر لم يختلف كثيرا لدى الحكام المعاصرين من التقدميين أو الرجعيين، فعلاقتها بالمقدس واضحة ومعظمها ترتقي لصفات الذات الإلهية، وأيضا لقدسية العمل الدنيوي".

 

ويضيف أن ما بقي من تلك الرقوم قليل "ولكنها كانت كافية لتحمل ثقل ألقاب وأوصاف أولئك الفاتحين والمغامرين والعاشقين والخائنين، الصادقين والكاذبين".

 

عشرات الألقاب

ويسرد المؤلف بعضا من تلك الرقوم التي يتناولها في كتابه بالدراسة ومنها "ظل الله في أرضه، مالك رقاب الأمم، مستخدم أرباب السيف والقلم، خصه الله بأرقاب الملوك"، إضافة إلى عشرات الألقاب والأوصاف التي أوردها الكاتب مقارنا بينها وبين سلوك حامليها على أرض الواقع وضمن الشرط التاريخي لفترة حكمهم.

 

ويصنف الكاتب الألقاب التي تركها الحكام على الرقوم في القدس الشريف تحت ثلاثة عناوين رئيسية هي: ألقاب كهنوتية، ألقاب دنيوية (سياسية)، ألقاب شعبية.

 

ويقول إن "هذه الألقاب تتقاطع وتتناغم لخدمة أهدافها الوظيفية المحددة، وتهدف لتثبيت صورة الحاكم كخليفة الله في الأرض، وتقوم بدور السند الأول والرئيس لتكريس الاستبداد باسم الدين، الذي يكون مبررا للاستبداد السياسي، وهو ما يجد تعبيرا له في النوع الثاني من الألقاب التي يمكن تسميتها ألقابا دنيوية".

 

ويرى المؤلف أن "الألقاب تقوم بدور وسائل الإعلام في دول العالم الثالث حيث يعتمد الحاكم على هذه الوسائل وعلى أجهزة المخابرات ليس فقط لتكريس صورته النمطية ولكن لسياسته أيضا".

 

وأضاف ".. لهذا حتى الألقاب التي يمكن أن نسميها ألقابا شعبية والتي يمكن أن يطلقها الناس أو بطانة الحاكم تكون تنويعا وزيادة في ألقاب الاستبداد الديني والسياسي، مثل ألقاب: أبو الفتوحات أو أبو العزائم".

 

ويتابع أن "أصحاب هذه الألقاب ومخترعيها ومانحيها ومقترحيها من مثقفين سلطويين، لم ينجحوا في خداع الجماهير بها، فلم تخضع هذه الجماهير أبدا، ولم تتوقف عن التمرد المنظم وشبه المنظم والعفوي، من خلال ثورات وتمردات وغزوات واعتداءات، فلم تكن هذه المجتمعات راكدة بل كانت في حركة دائبة في مواجهة حكام متسلطين، ولكن تلك قصة أخرى.. لم تسجلها مع الأسف الرقوم الأثرية".

 

اختلافات

ويلفت المؤلف الانتباه إلى أنه في بعض الأحيان يجد اختلافات بين كلمات أو أسماء أو صفات وجدت في هذه النقوش وأخرى وجدت في المراجع التي نقلتها، واختلافات كذلك عن وجودها الفعلي ولا يعرف السبب الرئيسي في ذلك، وإن كان يعتقد أنه ربما يعود إلى خلل ما في القراءة أو النقل، أو ربما الترجمة عن مصادر أجنبية وثقت لهذه الرقوم.

 

ويقول "يمكن تصور الخلل الذي يمكن أن يحدثه هذا الأسلوب، وكان لابد عند ذلك من الرجوع إلى الرقم الأصلي، لتثبيت النص الملائم، ولا أقول (النص الصحيح) بسبب أسلوب الخط المتبع واللغة المستخدمة في كتابة الرقوم والذي يجعل قراءة بعض الكلمات أو الحروف مشكلة".

 

"
الألقاب تتقاطع وتتناغم لخدمة أهدافها الوظيفية المحددة، إذ تهدف إلى تثبيت صورة الحاكم كخليفة الله في الأرض وتقوم بدور السند الأول والرئيسي لتكريس الاستبداد السياسي باسم الدين
"
واكتفى المؤلف برقوم المسجدين الأقصى وقبة الصخرة وحرمهما، رغم أهمية رقوم أخرى كثيرة ومتنوعة خارج الحرم في القدس القديمة ومساجدها وشوارعها وكنائسها وسبلها وأبوابها وسورها العظيم.

 

ولكنه يقول إن بحث ذلك كان متعذرا عليه في ظل ظرف الاحتلال وعدم تمكنه من الوصول إلى القدس إلا تسللا بسبب إغلاقها في وجه الفلسطينيين.

 

وهذا لم يمنع المؤلف من إضافة رقوم أخرى خارج موضوع البحث للتدليل على فكرة، أو لتثبيتها في هذا الكتاب خصوصا إذا كانت مهددة بالإزالة أو التزييف نتيجة النشاط الاستيطاني وتغيير الجغرافيا بالقدس لأسباب سياسية.

 

صعوبات

ولعدة أسباب يشدد العيسة في كتابه على أنه لا يحبذ أن ينظر إلى كتابه هذا فيما يخص الرقوم على أنه مرجع توثيقي. ومن هذه الأسباب أن في الحرم القدسي عدة منشآت مغلقة للترميم أو لأسباب أخرى، وهناك منشآت أخرى مسيطر عليها من قبل المحتلين وهي مغلقة منذ أكثر من 30 عاما وكان من المستحيل الدخول إليها للبحث عن رقوم أو التأكد مما كتبه باحثون عن رقومها.

 

ومن هذه الأسباب كذلك اعتقاده بأن هناك الكثير مما تخبئه الأيام مما يحتاج إلأى معاول الأثريين للكشف عنه في الحرم القدسي، وأيضا وجود رقوم من الصعب قراءتها بسبب عوامل الزمن، مما اضطره لإهمالها، وكذلك ما شابَ جمع الرقوم من قصور بشري. وأخيرا أن الكتاب ذاته لم يطمح لأن يكون مرجعا توثيقيا.

 

وحرص المؤلف على تزويد كتابه بقدر ما استطاع من الصور التوثيقية لمصلحة البحث والتاريخ، خصوصا أنه في رحبة مدينة تتغير بسرعة وهي مرشحة لأن تكون مسرحا لأحداث درامية كبرى بسبب تصاعد الهجمة الاحتلالية.

 

ويحسب العيسة أنه درس هذه الرقوم بأسلوب جديد غير تقليدي، ولكن حرصه على وضع القارئ في الظرف التاريخي لكل نقش والتعريف بهوية صاحبه، جعله يبعد أحيانا عن الموضوع الرئيسي للكتاب.

 

ختاما يعتبر كتاب "ظله على الأرض: ألقاب حكام مسلمين في رقوم مقدسية" جديرا بالقراءة، رغم أنه خطوة أولى في دراسة رقوم تحتاج -رغم جهود العيسة- إلى دراسات أخرى كثيرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة