مافيا إخفاء الأموال المنهوبة   
الأحد 4/12/1432 هـ - الموافق 30/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 13:47 (مكة المكرمة)، 10:47 (غرينتش)
عرض/ بدر محمد بدر
 
مؤلف هذا الكتاب هو كاتب صحفي ومحقق بريطاني, اكتشف أثناء رحلة عمل عادية إلى دولة الغابون (وسط أفريقيا), الخيوط الأولى لمافيا إخفاء وتهريب الأموال المنهوبة في العالم, فقرر أن يبحث عن المزيد من المعلومات والأسرار والخفايا، التي جمعها في هذا الكتاب.
 
والكتاب الذي بين أيدينا يكشف النقاب بوضوح عن أسلوب جديد للسيطرة السياسية على العالم, من خلال ما تمارسه "مافيا" تهريب الأموال عبر الملاذات الضرائبية الآمنة أو ما يسمى بـ"الأوف شور" "offshore"، التي يمر من خلالها حوالي ثلثي إجراءات التجارة العالمية, وإذا كانت هناك قناعة لدى الملايين في العالم بأن ثمة ما هو فاسد في النظام الاقتصادي العالمي, فإن هذا الكتاب يبحث في المصدر الأصلي لهذه العلة.
 
-الكتاب: مافيا إخفاء الأموال المنهوبة
-المؤلف: نيكولاس شاكسون
-المترجم: د. فاطمة نصر
-عدد الصفحات: 378
-الناشر: دار سطور الجديدة, القاهرة 
الطبعة: الأولى 2011
الأوف شور

وتعبير الـ"offshore" يطلق على بعض الجزر القريبة من الداخل الأوروبي، مثل جزر البهاما وجرسي والكايمان, التي كانت جزءا من مستعمرات سابقة, ورغم أنها تتمتع في غالبيتها باستقلال ظاهري عن البلد الأم, فإنها مرتبطة عن كثب بالعواصم المالية والسياسية الكبرى, وتعد هذه الأماكن ملاذات آمنة لإيداع أموال الكبار وأموال الجريمة والأموال المنهوبة, حيث تضمن سرية المودعين، ولا تكاد تخضع أموالهم لضرائب تذكر, وهذه الملاذات ليست مقصورة على تلك الجزر, بل هي موجودة في قلب العواصم الكبرى, ولذلك يستخدم تعبير "الأوف شور" للدلالة على تلك الملاذات الآمنة للأموال.
 
ويقول المؤلف إن عالم "الأوف شور" يحيطنا من كل جانب، ويمر أكثر من نصف التجارة العالمية, على الأوراق على الأقل, من خلال الملاذات الآمنة, وأكثر من نصف الأصول المصرفية، وثلث الاستثمارات الأجنبية للشركات متعددة الجنسية تمر عبر "الأوف شور", وحوالي 85% من التعاملات المصرفية وإصدار السندات يحدث في مكان يسمى اليورو ماركت, وهي منطقة "أوف شور" غير تابعة لأية دولة, وفي العام 2010 قدر صندوق النقد الدولي أن الميزانيات العمومية لجزر المراكز المالية الصغيرة وحدها يبلغ مجموعها 18 تريليون دولار (أي 18 مليون مليون) أي ما يساوي ثلث حجم الناتج المحلي للعالم كله.

وذكر تقرير مكتب المساءلة الحكومي الأميركي في العام 2008 أن 83 من أكبر مائة شركة أميركية لها أفرع في الملاذات الآمنة, واكتشف بحث أجرته في 2009 شبكة "عدالة الضرائب" أن 99 من أكبر مائة شركة أوروبية كانت تستخدم أفرعا "أوف شور", وفي كل من تلك البلاد, كان أحد البنوك هو أكبر مستخدم لتلك الأفرع, ولا توفر أماكن "الأوف شور" فقط تهربا من الضرائب, بل أيضا توفر السرية, والهروب من القواعد المالية التنظيمية, وفرصة لتجاهل السلطات القضائية الأخرى, أي في البلاد التي يعيش فيها غالبية سكان العالم.
 
ثلث التجارة العالمية
ويشير الكتاب إلى أن ثلث إجراءات التجارة الكوكبية العابرة للحدود تتم داخل الشركات متعددة الجنسية, وتخسر البلدان النامية ما يقدر بحوالي 160 مليار دولار سنويا أمام هذه الشركات, من خلال تزييف عملية تحديد الأثمان, وكمثال على ذلك فإن أكبر ثلاث شركات موز في العالم، التي يقدر حجم أنشطتها في بريطانيا بحوالي 750 مليون دولار, لم تدفع ضرائب سوى 235 ألف دولار فقط في العام 2006, وفي العام 2007 أكدت دراسة لمكتب المراجعات المحاسبية القومي ببريطانيا أن "أكثر من 230 من أكبر 700 رجل أعمال في البلد، لم يدفعوا أي ضرائب على الإطلاق في العام السابق", وتعد هذه القدرة على القيام بالتلاعب في تحديد ثمن التعاملات المضللة السبب في كون الشركات متعددة الجنسية, تنمو بمعدل أسرع كثيرا من منافسها الأصغر.
 
"
عالم "الأوف شور" ليس مجموعة من الدول المستقلة، التي تمارس حقوقها السيادية في سن قوانينها، ووضع أنظمتها الضريبية, بل هي مجموعة من شبكات النفوذ التي تتحكم فيها القوى العالمية العظمى
"
ويشير المؤلف إلى أن جزر فرجين البريطانية التي لا يتعدى سكانها 25 ألف نسمة, تستضيف أكثر من 80 ألف شركة، وهي شركات ورؤوس أموال تهاجر إلى حيث تستطيع الحصول على أفضل أنظمة ضرائبية, وبالتالي فإن عالم "الأوف شور" ليس مجموعة من الدول المستقلة، التي تمارس حقوقها السيادية في سن قوانينها، ووضع أنظمتها الضريبية وفقا لما تراه مناسبا, بل هي مجموعة من شبكات النفوذ التي تتحكم فيها القوى العالمية العظمى, خاصة بريطانيا والولايات المتحدة, كل شبكة منها متداخلة بعمق مع الأخريات.
ويكشف الكتاب أن هناك حوالي 60 منطقة اختصاص قضائي وقانوني في العالم تتميز بالسرية, مقسمة إلى أربع مجموعات؛ أولهاا: الملاذات الأوروبية, وثانيتها: المنطقة البريطانية التي تتمركز في حي المال بلندن, وتمتد في أنحاء العالم وتتشكل دون إحكام حول الإمبراطورية البريطانية السابقة, أما الثالثة: فهي منطقة بؤرتها الولايات المتحدة, وتضم المنطقة الرابعة بعض الأماكن الغريبة التي لا تندرج تحت أي مصنفات مثل الصومال والأورغواي، التي لم تحقق نجاحا يذكر.
 
وتعد لوكسمبورغ التي لا يعرفها سوى القليلين، والكائنة في غرب أوروبا (حوالي نصف مليون نسمة)، واحدة من أكبر ملاذات الضرائب في العالم اليوم, وفي مارس/آذار 2010 أشارت استخبارات كوريا الجنوبية إلى أن رئيس كوريا الشمالية "كيم يونغ إيل" قد خبأ حوالي أربعة مليارات دولار في أوروبا, من مبيعات التكنولوجيا النووية والمخدرات والاحتيالات التأمينية والتزييف والمشاريع التي تستخدم العمالة القسرية, وقالت المخابرات إن دولة "لوكسمبورغ" كانت الوجهة النهائية المفضلة لتلك الأموال.
 
أيضًا تمثل هولندا ملاذا ضريبيا أوروبيا رئيسيا آخر, وفي العام 2008 تدفق حوالي 18 تريليون دولار، من كيانات "أوف شور" هولندية, أي أربعة أمثال الناتج المحلي الهولندي, أيضا تلعب عدد من الدول الأوروبية الصغيرة -من أبرزها موناكو وليشتنشتاين- أدوارا هامة كملاذات آمنة، مع بعض المشاركات لأماكن غير معروفة.
 
حي المال في لندن
ويقول المؤلف إنه ليس من قبيل المصادفة أن يكون حي المال والأعمال في لندن هو مركز الجزء الأهم من نظام "الأوف شور" البريطاني, الذي يتكون من ثلاث طبقات, ويقدر أحد التقارير الموثوقة أن الحسابات الكلية لذلك التجمع البريطاني تصل إلى أكثر من ثلث جميع الأصول المصرفية الدولية, وإذا أضفنا حي المال والأعمال، فسيصبح المجموعة الكلي النصف تقريبا.
 
"
حي المال والأعمال في لندن، هو مركز الجزء الأهم من نظام "الأوف شور" البريطاني, الذي يتكون من ثلاث طبقات, ويقدر أحد التقارير الموثوقة أن الحسابات الكلية لذلك التجمع تصل إلى أكثر من ثلث جميع الأصول المصرفية الدولية
"
ويعمل نظام "الأوف شور" الذي يتخذ من الولايات المتحدة مقرا له على مستويات ثلاثة أيضا؛ المستوى الفدرالي: حيث تلوح الولايات المتحدة بمدى من الإعفاءات الضريبية، وضمانات السرية، وقوانين مصممة لجذب أموال الأجانب بأسلوب أوف شور، فمثلا بإمكان بنوك الولايات المتحدة أن تقبل بشكل قانوني عائدات لبعض الجرائم، مثل التعامل في الأملاك المسروقة، طالما أن تلك الجرائم ترتكب بالخارج، ويتم إجراء ترتيبات خاصة مع البنوك، للتأكد من عدم إفشائها هويات الأجانب، الذين يتركون أموالهم في الولايات المتحدة.
 
وهناك شبكة صغيرة من توابع الولايات المتحدة في الخارج، مثل جزر فرجين وجزر مارشال وغيرها، إضافة إلى أن منهاتن الأميركية تعد أهم الملاذات الضريبة في العالم، تليها العاصمة البريطانية لندن.
 
وفي دراسة أجريت عام 2005، تبين أن التدفقات المالية غير المشروعة يمكن تصنيفها إلى ثلاثة مجالات: أموال الجريمة؛ مثل تهريب المخدرات والسلع المزيفة والابتزاز.. إلخ، وتتراوح جملتها بين 330 و550 مليار دولار سنويا، أو ثلث المجموع الكلي، وأموال الفساد، مثل الرشا المحلية التي تحول إلى الخارج، أو الرشا التي تدفع بالخارج، وتبلغ ما بين 30 و50 مليار دولار، ثم أموال التدفقات التجارية عبر الحدود، وهي تشكل ثلثي القيمة أي ما يقرب من ألف مليار دولار.
 
مستودع الأموال القذرة
ويقول المؤلف إن سويسرا تظل إحدى أكبر مستودعات الأموال القذرة في العالم، وإنها في العام 2009 استضافت حوالي 2.1 تريليون دولار، في حسابات "أوف شور" يملكها أشخاص غير مقيمين، حوالي نصفهم من أوروبا، وكان هذا المبلغ 3.1 تريليونات دولار في العام 2007، أي قبل الأزمة المالية العالمية في 2009.
 
ويؤكد أنه لا يمكننا فهم الفقر في أفريقيا من دون فهم الأوف شور، ولسنوات طويلة ظلت أسوأ حرب في العالم، هي الحرب الأهلية في الكونغو الديمقراطية، والتي ترتبط بنهب ثروات البلد وموارده المعدنية بالجملة، عن طريق الملاذات الضريبية، والفساد المتفشي في أنحاء العالم النامي، وتدمير الحكومات واسع النطاق، من خلال المصالح الإجرامية، والأوف شور مركزي في كل تلك القصص، ولا يمكن فهم عدم المساواة الفادحة بين أوروبا والولايات المتحدة، وبين الدول منخفضة الدخل، من دون أن نتفحص دور الاختصاصات القضائية السرية، وإذا نظرنا إلى أي حادث اقتصادي مهم، أو أية عملية حدثت في غضون العقود الأخيرة، سوف نجد أن "الأوف شور" يكمن وراء العنوان الرئيسي، بل قد يكون مركزيا في القصة.
 
"
لم نقم بالعمل معا، من أجل احتواء السرية المالية والسيطرة عليها، سيصبح هناك عالما من الحصانة والتواطؤ الإجرامي الدولي، إلى جوار عالم آخر من الفقر المدقع
"
لقد حان الوقت كي يبدأ نقاش كوكبي جدّي وموسع، حول الملاذات الضريبية التي تؤثر في حياة كل إنسان في العالم، أيا كان وضعه أو بلده أو نوع العمل الذي يقوم به، لأن "الأوف شور" ينشط على مقربة منا جميعا، ويقوم بتقويض حكوماتنا المنتخبة، وتجويف أوعيتنا الضريبية، وإفساد سياسيينا، كما يعمل على استدامة اقتصاد إجرامي واسع النطاق والحفاظ عليه، وعلى خلق أرستقراطية جديدة من القوى الشركاتية والمالية، لا تخضع للمحاسبة.
 
وفي الختام يؤكد المؤلف على أنه إذا لم نقم بالعمل معا، من أجل احتواء السرية المالية والسيطرة عليها، فسيصبح هناك عالم من الحصانة والتواطؤ الإجرامي الدولي، إلى جوار عالم آخر من الفقر المدقع، سيصبح هو العالم الذي نتركه لأطفالنا.. سيكون ثمة قلة قليلة، يتم غسل أحذيتها بالشمبانيا، فيما يصارع بقيتنا من أجل لقمة العيش، وسط ظروف من عدم المساواة المرهقة المتردية، والآن باستطاعتنا تحاشي ذلك المستقبل، لأنه ينبغي علينا تحاشيه.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة