استشراف المستقبل   
الأحد 1426/7/17 هـ - الموافق 21/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 20:11 (مكة المكرمة)، 17:11 (غرينتش)
عرض-أمل عيتاني
يحاول ماثياس شانغ الذي كان المستشار السياسي لرئيس الوزراء الماليزي السابق محاضر محمد من خلال استقرائه للمعطيات السياسية والأدلة التاريخية أن يستشرف المستقبل فيرى قرب تفكك وانهيار الإمبراطورية الصهيونية الأنغلوأميركية القائمة على اقتصاد الحرب ونهب الشعوب رغم كل مظاهر القوة العسكرية والاقتصادية التي تبدو عليها حاليا.
 

- العنوان: استشراف المستقبل.. تفكك الإمبراطورية الصهيونية الأنغلوأميركية
- عدد الصفحات: 360
- المؤلف: ماثياس شانغ
- الناشر: ثنكرز ليبراري 
-الطبعة: الثانية/2005 

إلا أن هذا الانهيار لن يكون هادئا برأيه، بل سيكون القرن الحادي والعشرون القرن الأكثر دموية في تاريخ البشرية حيث سيشهد إعادة ترسيم للخريطة العالمية، وستتوج عشريناته بانهيار آخر الإمبراطوريات العالمية.
 
في ما يقارب الثلاثمائة وستين صفحة من القطع المتوسط، يقدم مؤلف كتاب "تفكك الإمبراطورية الصهيونية الأنغلوأميركية: استشراف المستقبل"، مئات الأدلة والاستشهادات التي تدعم رأيه بأن هذه الإمبراطورية ستكون الإمبراطورية العالمية الأخيرة وأن العالم سوف يشهد زوالها إن لم يكن في العام 2015 من هذا القرن فحتما في العام 2020.
 
والكاتب الذي قضى تسعا وعشرين عاما في مهنة المحاماة وتولى منصب المستشار السياسي لرئيس الوزراء الماليزي محاضير محمد، لا يدعي أنه يقدم نظرية فلسفية، بل يبني آراءه على تحليل المعلومات والمادة الإعلامية والوقائع التاريخية وتصريحات المسؤولين في كل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والكيان الصهيوني.
 
نمور الورق على طريق الانهيار

"
 مع أن الإمبراطورية الأميركية ما زالت قوية ولم تسقط بعد، فإنها ستسقط في يوم من الأيام حتى لو كانت تمتلك السلاح النووي لأنها ليست سوى نمر من ورق
"

ينقسم الكتاب إلى مقدمة وخمسة أجزاء تضم 21 فصلا، ويقول كاتبه إنه يهدف من ورائه إلى شرح وإثبات أن الإمبراطورية الأنغلوأميركية الصهيونية في طريقها إلى التفكك والانهيار، مؤكدا أن وقوع الحرب النووية أمر محتوم.
 
ويشرح كيف أن الكيان الصهيوني هو المحور الأساسي في الحروب النووية المقبلة، ويخلص في نهاية كتابه إلى القول إن القرن الحادي والعشرين سوف يشهد نهاية الإمبراطورية الرأسمالية، كما سيشهد أيضا إعادة ترسيم الخريطة العالمية، حيث سيكون هذا القرن -حسب رأي المؤلف- القرن الأعنف في تاريخ البشرية، إذ إن العدو المختبئ المتمثل بالإمبراطورية المذكورة لن يختفي من الوجود بهدوء.
 
يقول المؤلف إن أميركا بلد يعيش على الحرب، حيث إن حكوماته المتعاقبة ارتكبت سلاسل متصلة من الجرائم بحق الإنسانية، مخالفة كل شرائع حقوق الإنسان، ومخالفة للروح التي قامت على أساسها الولايات المتحدة نفسها، حين أعلنت استقلالها ودستورها.
 
ولكنه يرى مع ذلك أن كل استعراض القوة الذي تقوم به الولايات المتحدة الأميركية وكل الحروب التي خاضتها في العالم، ليست سوى نذير على قرب انهيارها، ويستشهد بقول الزعيم الصيني ماوتسي تونغ إن كل الدول الرجعية ذات القوة الذائعة الصيت ومنها الولايات المتحدة الأميركية ليست سوى نمور من ورق، والسبب أن هناك حالة طلاق بينها وبين شعوبها.
 
ومع أن الإمبراطورية الأميركية ما زالت قوية ولم تسقط بعد، فإنها ستسقط في يوم من الأيام حتى لو كانت تمتلك السلاح النووي، لأنها ليست سوى نمر من ورق.
 
ويستشهد الكاتب بمقولة نعوم تشومسكي للدفاع عن فكرة كون الولايات المتحدة الأميركية بلدا رجعيا، إذ يقول تشومسكي إن 80% من الاستفتاءات في أوروبا تشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية تشكل الخطر الأكبر على السلام العالمي، وإن الكثير من الناس حول العالم يرون أن جورج بوش يشكل تهديدا على السلام العالمي فاق به تهديد الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين حين كان في السلطة.
 
ويخلص من خلال تحليل الأوضاع الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة الأميركية إلى القول إن كل ما نراه من قوة ومن حروب تقوم بها الإمبراطورية الصهيونية الأنغلوأميركية ليست سوى محاولات أخيرة تسعى إلى تطويل ساعات الاحتضار التي تعانيها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.
 
اقتصاد الحرب ضرورة لتعويض الإفلاس
"
الانهيار الاقتصادي يدفع أميركا إلى اعتماد اقتصاد الحرب، مما يستوجب اختراع أسباب لغزو الأمم والتي منها ما نشهده اليوم من دعاوى نشر الديمقراطية والقضاء على الإرهاب 
"
ويدخل الكاتب في تحليل الوقائع ليثبت وجهة نظره للقارئ، فيتحدث عن الانهيار الاقتصادي الذي تعاني منه الولايات المتحدة بلسان الخبراء الاقتصاديين ومسؤولي الإدارة الأميركية.
 
وينقل تصريحا نشرته صحيفة غارديان البريطانية للخبير الاقتصادي الأميركي آلان فرام يوم 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2004 مفاده أن الدين الأميركي وصل إلى سقف 800 بليون دولار، وبالتالي فإن حجم الدين الأميركي ازداد 2.23تريليون دولار عما كان عليه حين تسلم جورج بوش الابن زمام الرئاسة عام 2001.
 
وأن الحكومة الأميركية تسدد دينها من حسابات التقاعد التي توفرها دائرة الخدمات الاجتماعية للمواطنين، مما يعني -حسب رأي الكاتب- أن الإدارة الأميركية قد قامت بسرقة ونهب هذه الدائرة.
 
ويقول لورنس كولتيكوف رئيس قسم الدراسات الاقتصادية في جامعة بوسطن "يجب أن تكون هناك زيادة فورية بنسبة 78% على الضرائب الفدرالية حتى نتمكن من تغطية العجز في خزينة الدولة".
 
كما يستشهد الكاتب بمقولة مارتين ولف مؤلف وناشر "Dow Theory Letters" الذي يقول "عندما نراكم دينا بهذا الحجم، فإن أحدا ما عليه أن يسدده، وقد بدأ حزب رعاية ودعم الدين الأميركي يتلاشى ببطء".
 
كما يشير الكاتب إلى قيام الحكومة الأميركية بالمقامرة بالاحتياطي المالي، مما سوف يسبب حسب رأي الخبراء ليس فقط انهيار الاقتصاد الأميركي بل والعالمي أيضا.
 
ويستشهد الكاتب في هذا المقام أيضا بمقال لمارتين وولف كبير المحررين والمعلقين الاقتصاديين في فايننشال تايمز حيث يقول "إن الولايات المتحدة الأميركية تسير حاليا في الممر المريح نحو الخراب، فقد تم جرّها إلى طريق ترتفع فيها بشكل مضطرد أعمدة الديون الداخلية والخارجية مما يتسبب بتقويض مصداقيتها والدور العالمي الذي تلعبه عملتها".
 
"
أميركا التي تحمل لواء نشر الديمقراطية ترعى الدكتاتوريات في العالم، هذا بالإضافة إلى كونها تلعب دورا بارزا في إمبراطورية المخدرات والجريمة وغسيل الأموال
"
ومن ناحية أخرى فإن المصارف الأميركية بدأت تسحب دعمها للدولار الأميركي خاصة بعدما قامت بطبع كميات هائلة من الدولارات دون أن تكون لها تغطية، وحسب رأي مدير صندوق النقد العالمي رودريغو دي راتو (Rodrigo de Lato) فإن عدم التوازن القائم والناتج عن ازدياد الدين الأميركي لا يهدد اقتصاد الولايات المتحدة فحسب، بل يهدد الاقتصاد العالمي أيضا.
 
ويضيف دو لاتو "نحن مفلسون، وأعتبر أن كلا من بوش وكيري تصرفا بعدم مسؤولية حين غيّبا هذا الموضوع عن أجندتهما".
 
وبناء على ما ذكره المؤلف من معلومات فإنه يرى أن هذا الانهيار الاقتصادي هو الذي يدفع الولايات المتحدة إلى اعتماد اقتصاد الحرب. واقتصاد الحرب هذا يستوجب اختراع أسباب لغزو الأمم، منها ما نشهده اليوم من دعاوى نشر الديمقراطية، والقضاء على الإرهاب الذي يرى فيه الكاتب أداة حربية.
 
ويثبت بالأدلة بعد ذلك أن الولايات المتحدة التي توعّد رئيسها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول بالقضاء على الإرهاب ومحاربة الدول المارقة ممن سماها محور الشر (إيران، العراق، كوريا الشمالية) ونزع سلاحها النووي، هي التي زودت العراق بالمواد الأولية للأسلحة النووية والبيولوجية.
 
هذا من ناحية ويثبت الكاتب من ناحية أخرى أن أميركا التي تحمل لواء نشر الديمقراطية هي التي كانت راعية للدكتاتوريات في العالم بحجة مواجهة المد السوفياتي، هذا بالإضافة إلى كونها تلعب دورا بارزا في إمبراطورية المخدرات والجريمة وغسيل الأموال، التي يرى الكاتب أنها إمبراطورية عالمية قائمة بحد ذاتها.
 
ويخلص إلى القول إن أميركا والحلف الصهيوني الأنغلوأميركي يبحث دائما عن وحش لمحاربته، وبعد انهيار الإمبراطورية السوفياتية صار التطرف الإسلامي الوحش الجديد الذي تجب محاربته، خاصة وأن الدول العربية والإسلامية تعوم على بحر من النفط.

ثلاثة أضلاع لمثلث واحد
"
الحكومة الأميركية قامرت بالاحتياطي المالي، مما سوف يسبب حسب رأي الخبراء ليس فقط انهيار الاقتصاد الأميركي بل والعالمي أيضا
"
ويحلل الكاتب بعد ذلك الرابط بين الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، فيرى أنها أضلاع لمثلث واحد. فبرأيه إن الولايات المتحدة ذات الاقتصاد القائم على الحرب بحاجة إلى إشعال الحروب والتوسع للبقاء على قيد الحياة، في حين أن بريطانيا ما زالت تحمل أطماعا استعمارية توسعية خاصة بعد انحسار رقعة الدول التي كانت تستعمرها، وبالتالي فإن أطماعها هذه تدفعها إلى التحالف مع أميركا لتحقيق ما تصبو إليه، في حين أن الصهيونية تصبو بدورها إلى بناء إمبراطوريتها في العالم.
 
ويرى أن أضلاع المثلث الثلاثة تحكمها الصهيونية، فالصهيونية الأميركية هي العضلة أو ذراع التنفيذ، في حين أن الكيان الصهيوني هو المحرك، فيما ترفد بريطانيا المثلث بالمال وتشكل عقله المدبر.
 
ويتعمق الكاتب في شرح كيفية تكون هذا المثلث، متحدثا عن الأوجه العقدية والعسكرية لهذا البناء المحكم، وهنا يغرق في استشهادات تاريخية طويلة لم يأت فيها بجديد، فجاء هذا الجزء من الكتاب مستطردا استطرادا مملا بسبب كون المعلومات متوفرة في الكثير من المصادر السياسية والتاريخية والأيديولوجية وغيرها.
 
كما يتحدث عن وجود حكومة ظل هي التي ترسم السياسات والخطط في العالم، ويتابع الخيوط الصيهونية فيتحدث عن حجر الأساس في بناء الإمبراطورية الصهيونية، ويرى أنها قامت على أساسين، أولهما إنشاء دولة إسرائيل، والثاني السيطرة المالية على الولايات المتحدة الأميركية وذلك عبر تأسيس الإمبراطورية الاقتصادية المتمثلة بنظام الاحتياط الفدرالي.
 
ومن ناحية أخرى يتطرق الكاتب إلى الدعاية التي تقرع بها الإمبراطورية المذكورة طبول الحرب، فيرى أنها مبنية على اعتبار الديمقراطية عدوة التبعية الاستعمارية، وأن التعبئة الاستعمارية لا تمكن متابعتها إلا من خلال الحرب الاقتصادية، وأن القيم والشعارات النبيلة ستستخدم دائما كذريعة لتبرير الحروب.
 
القرن الحادي والعشرون
"
خريطة العالم ستتغير بشكل جذري بسبب الحروب التي ستقوم بها الإمبراطورية الصهيونية الأنغلوأميركية من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية في العالم
"
ويخلص الكاتب في نهاية كتابه إلى القول بأن خريطة العالم في القرن الحادي والعشرين سوف تتغير بشكل جذري، بسبب الحروب التي ستقوم بها الإمبراطورية الصهيونية الأنغلوأميركية من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية في العالم في محاولتها التعويض عن الانهيار الاقتصادي الذي تعانيه.
 
ويذكر أن هذا ما صرح به بول ولفويتز حين قال "ليس لدينا خيار في الحرب على العراق، إنه يعوم على بحر من النفط"، فيرى أنه بهذه العقلية ستقوم الإمبراطورية بغزو العالم ومحاولة السيطرة عليه.
 
ويتحدث أيضا عن تقهقر هذه الإمبراطورية بفعل تضافر وبروز قوى جديدة في العالم تعيد التوازن إليه، ويشجع بعضها بعضا على التماسك، وهذه القوى سوف تبدأ من منطلقات قارية، حيث هناك أوروبا القديمة التي تضرها السيطرة الأنغلوأميركية الصهيونية على العالم، وتسيء إلى مصالحها.
 
ويرى أنه في هذه الحالة ستكون أوروبا القديمة الأخ الأكبر للدول الكبرى مثل الصين واليابان وغيرهما من الدول الآسيوية ذات القوة الاقتصادية، والتي إذا ما تماسكت مع بعضها في وجه الغزو الإمبريالي فإنها ستشجع دولا غيرها في قارات أخرى، أولها الدول الأميركية، على الوقوف في وجه الإمبراطورية الصهيونية الأنغلوأميركية ومحاصرتها، مما سيؤدي إلى تقهقرها وانهيارها التام في عشرينيات القرن الحادي والعشرين على أبعد تقدير.
 
وتشكل المنهجية الاستنتاجية في هذا الجزء من الكتاب أحد نقاط ضعفه إذ لم يستطع الكاتب أن يشرح كيف ستستطيع أوروبا القديمة أن تنهض بدون أعظم جناح فيها وهو بريطانيا التي تشكل -حسب رأيه- جزءا من أضلاع مثلث الإمبراطورية الصهيونية الأنغلوأميركية.
 
كما لم يستطع أن يقدم شرحا منطقيا لكيفية تخطي العقبات الاقتصادية التي تواجهها الدول الأوروبية حاليا، أو يشرح كيف سيكون بإمكان القوة الاقتصادية التي تتمتع بها كل من الصين واليابان أن تقف وحدها في وجه إمبراطورية بالشراسة والقوة التي تحدث عنها.
 
كما أغفل الكاتب الحديث عن الهزات التي يمكن أن يتعرض لها الاقتصاد الآسيوي، خاصة وأن دولا آسيوية كبرى مثل ماليزيا وإندونيسيا لها تجارب مريرة في هذا المجال، إذ استطاع شخص واحد "جورج سوروس" أن يهز اقتصاد ماليزيا سابقا من خلال مضارباته في سوق النقد الماليزي، مما أثبت حينها أن هذه الدول هي "نمور اقتصادية من ورق".
 
أخيرا وليس آخرا لم يستطع الكاتب أن يبين كيف يمكن لدول القارة الأميركية أن تتضامن مع بعضها بعضا وتقف في وجه الولايات المتحدة الأميركية على الرغم من إقراره في مواطن أخرى من الكتاب أن الأنظمة التي تحكم "جمهوريات الموز" هي صنيعة الإدارة الأميركية نفسها! 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة