العنب والرصاص   
الأحد 25/4/1428 هـ - الموافق 13/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 10:50 (مكة المكرمة)، 7:50 (غرينتش)

عرض/نبيل السهلي
إطار الكتاب هو العلوم السياسية، حيث يبحث في نشأة وتطور القوى والأحزاب والفصائل الفلسطينية بعد نكبة الفلسطينيين الكبرى في عام 1948 وصولا إلى اللحظة السياسية الراهنة.

وقد أفرد الكاتب ستة فصول، إضافة إلى مقدمة تناول فيها المعاني المباشرة لمادة الكتاب، حيث رصد من خلالها البناء الهرمي الذي تسامى مع سمو القضية الفلسطينية ورحلة الكفاح الطويلة، منذ البدايات وحتى انطلاقة الثورة المعاصرة وصيرورتها.

- الكتاب: العنب والرصاص
- المؤلف: علي بدوان
- الصفحات: 250
- دار النشر: الأهالي، دمشق
- الطبعة: الأولى/2007

الخيارات الصعبة
في الفصل الأول تم عرض المسار السياسي الحرج الذي أوصل إلى انطلاقة الثورة الفلسطينية، حيث تم التحاق الفلسطينيين بعد النكبة الكبرى بالأحزاب القومية في العالم العربي، وتشكيلهم مجموعة من الهيئات المتعلقة بأحوالهم.

وعليه لم يكن من خيارات أمام الشعب العربي الفلسطيني، سوى الالتحام العضوي مع محيطه العربي في صراع البقاء من أجل مقاومة عملية التذويب والطمس القومي، وفي مواصلة النضال التحرري لاستعادة حقوقه الوطنية ووقف دولاب التوسع الصهيوني.

انتقل نضال الشعب الفلسطيني من الدور القومي العام إلى البحث عن الدور الخاص، وصولاً إلى إحلال منطق التوازن بين الوطني والقومي.

وفي هذا السياق يشير الكاتب إلى نشأة الهيئة العربية العليا لفلسطين، ثم حركة القوميين العرب التي عمل على تأسيسها الدكتور جورج حبش بين الطلبة العرب في الجامعة الأميركية في بيروت عام 1949، وكتائب الفداء العربي، وشباب الثأر التي أسسها الدكتور وديع حداد.

مقدمات الانطلاقة
في الفصل الثاني الذي حمل عنوان "إرهاصات الانعطاف" حاول الكاتب تسليط الضوء على العوامل التي هيأت لانطلاق وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وتأسيس جيش التحرير الفلسطيني على يد النظام الرسمي العربي في مؤتمر القمة العربية الذي عقد في الإسكندرية عام 1964.

وقد أبرز الكاتب بشكل واضح سيرة الراحل أحمد الشقيري أول رئيس للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية فضلاً عن دوره الكبير في إعادة بلورة حضور الشخصية الوطنية الفلسطينية بعد ستة عشر عاماً من النكبة.

ولم يكن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بقرار عربي سوى مخرج منطقي للحالة الفلسطينية التي بدأت تتطور لجهة الحفاظ على الهوية الفلسطينية في مواجهة مخاطر الطمس والضياع والاقتلاع، الأمر الذي دفع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى تبني قرار عربي رسمي بتشكيل منظمة التحرير الفلسطينية.

"
التحول النوعي في العمل الوطني للشعب الفلسطيني ترافق وتنامي الدور الخاص لحركته الوطنية مع انطلاق الرصاصات الأولى على يد حركة فتح
"
فتح والتحول السياسي الكبير
وفي الفصل الثالث من الكتاب تم التركيز على المقدمات السياسية والمجتمعية التي أدت إلى نشوء حركة فتح في قطاع غزة عام 1954، وتبلور بنيانها التنظيمي في الكويت وباقي دول الخليج عام 1959، والخصائص التي ميزتها، وقيادتها لمنظمة التحرير بعد استقالة المرحوم أحمد الشقيري عام 1968، وتعيين يحيى حمودة لفترة مؤقتة، ثم تسلم الراحل الشهيد ياسر عرفات قيادتها الأولى ودخلت فصائل المقاومة المختلفة إلى عضويتها.

وكانت ومازالت الخيمة السياسية الكبرى للشعب الفلسطيني وأحلامه في العودة والاستقلال الوطني وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.

ويتابع الكاتب في الفصل الرابع من الكتاب رصد نشوء واندثار العشرات من القوى والهيئات الفلسطينية منذ عام 1964 وحتى اللحظة الراهنة، فقد ترافق التحول النوعي في العمل الوطني للشعب الفلسطيني، وتنامي الدور الخاص لحركته الوطنية مع انطلاق الرصاصات الأولى على يد حركة فتح.

وانبثقت عن ذلك عشرات الخلايا والفصائل والسرايا الفلسطينية الباحثة عن موطئ قدم في ساحة الاندفاع الوطني الفلسطيني، خصوصاً أن النقاشات والحوارات الفكرية لعبت دوراً كبيراً في تعدد الاجتهادات.

تطور الإسلام السياسي في فلسطين
حاول الكاتب في الفصل الخامس التأريخ المختصر لحركات الإسلام السياسي في فلسطين بعد السنوات التي تلت النكبة، والحضور الفلسطيني من خلال حزبي الإخوان المسلمين وحزب التحرير الفلسطيني، خصوصاً في التجمعات الفلسطينية على الساحة الأردنية، فضلاً عن الضفة الغربية وقطاع غزة.

"
التداعيات السياسية المختلفة في الضفة والقطاع، خاصة داخل حركة الإخوان المسلمين هناك أدت إلى تأسيس حركة المقاومة الإسلامية والجهاد الإسلامي بعد انطلاقة الانتفاضة الأولى
"
وقد بدأ ذلك من جمعية المكارم، عام 1945 عندما أسس الفلسطينيون الشعب والفروع في يافا وغيرها، ثم افتتاح المقر الرسمي لحزب الإخوان المسلمين في القدس في 6/5/1946 برئاسة محمد أسعد الحسيني، إلى عمل القاضي الفلسطيني تقي الدين النبهاني بعيد النكبة على تأسيس حزب التحرير الإسلامي.

ومع انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة وحركة فتح على وجه التحديد، وجدت حركة الإسلام السياسي متسعا لها.

وأدت التداعيات السياسية المختلفة في الضفة والقطاع، خاصة داخل حركة الإخوان المسلمين هناك إلى تأسيس حركة المقاومة الإسلامية والجهاد الإسلامي بعد انطلاقة الانتفاضة الأولى في عام 1987 في الضفة وقطاع غزة، وذلك بعد أن كان اهتمام الحركة منصباً على المقاصد الخيرية بشكل أساسي.

الانتفاضات وظهور الأجنحة العسكرية
في الفصل السادس من الكتاب، ركز الكاتب على التحولات التي أحدثتها الانتفاضتان الفلسطينيتان، الانتفاضة الكبرى التي انطلقت شرارتها من مخيم جباليا في نهاية عام 1987، وفي الانتفاضة الثانية التي انطلقت من ساحات المسجد الأقصى المبارك في 28 سبتمبر/أيلول عام 2000.

وفيهما شكل العمل الفدائي المسلح عنواناً رئيسياً من عناوين الفعاليات التي دشنتها كوادر الانتفاضة من مختلف القوى الفلسطينية، فإلي جانب الفعل الشعبي الكبير، وإلى جانب الحجارة، وزجاجات المولوتوف كانت الانطلاقة المتسارعة للعمل العسكري المقاوم.

"
تشكيل الأجنحة العسكرية للأحزاب والفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية تسارع بعد انطلاقة الانتفاضة الثانية
"
بيد أن تشكيل الأجنحة العسكرية للأحزاب والفصائل الفلسطينية الوطنية والإسلامية تسارع بعد انطلاقة الانتفاضة الثانية، وكأمثلة على ذلك: كتائب الأقصى التي تتبع حركة فتح، وكتائب عز الدين القسام التي تتبع حركة حماس، وسرايا القدس التي تتبع حركة الجهاد الإسلامي، وكذلك الأجنحة العسكرية التي تتبع الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، فضلاً عن أجنحة أخرى.

أهمية الكتاب
تكمن أهمية الكتاب الذي عرضناه، في أنه سرد بشكل مسهب مقدمات وتداعيات انطلاقة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بتفاصيلها المعقدة، وبذلك يعتبر مرجعاً يفيد المهتمين بتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي من جهة، كما يفيد المهتمين بنهوض الحركة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى.

وهو يعبر عنها بكافة أطيافها السياسية المشكلة لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وطموحاته وأهدافه في الداخل والشتات، وصولاً إلى نشأة السلطة الوطنية الفلسطينية التي تعتبر من مخرجات اتفاقات أوسلو التي وقعت في البيت الأبيض في الثالث عشر من سبتمبر/أيلول من عام 1993.

لكن الإشارة الوحيدة التي يمكن تسجيلها هي ظهور عنوان الكتاب الذي كان من باب أولى أن يحتوي على دلالات تشير إلى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، في حين أنه يشير إلى نص أدبي.

ومن جهة أخرى لابد من تسجيل ملاحظة مهمة، هي أن الكاتب اعتمد على مصادر عديدة من أجل إنجاح بحثه الذي قد يؤسس لعمل بحثي جاد يتبناه مركز بحث فلسطيني، يتم من خلاله البحث في نشأة وتطور كافة الحركات والأحزاب الفلسطينية والفصائل، وبمشاركة عدد كبير من الباحثين في الاختصاصات المختلفة والاعتماد في البحث على قادة سياسيين واكبوا انطلاقة وتطور العمل السياسي الفلسطيني منذ البدايات وحتى اللحظة الراهنة، وبذلك تكتمل دائرة المعرفة والتحليل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة