نهاية الغرب   
الأحد 8/3/1426 هـ - الموافق 17/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:03 (مكة المكرمة)، 9:03 (غرينتش)

عرض/ كامبردج بوك ريفيوز
"نهاية الغرب" كتاب جديد للباحث الفرنسي في الشؤون الإستراتيجية فرانسوا هايزبور مدير مؤسسة البحث الإستراتيجي يطرح فيه تساؤلات مركزية خمسة.
 
ألا تستفز الدعوات الديمقراطية المحافظين الجدد الأميركيين ألد أعداء الديمقراطية؟
 
ألا تظهر القوة العسكرية للجيوش الأميركية -في أفغانستان والعراق خصوصاً- حدوداً للقدرة العسكرية الأميركية؟
 

- اسم الكتاب: نهاية الغرب؟ أميركا، أوروبا، الشرق الأوسط
- المؤلف: فرانسوا هايزبور
- عدد الصفحات: 272
- الطبعة: الأولى 2005
- الناشر: أوديل جاكوب، باريس

ألم يخلق إرهابيو القاعدة ظروف أزمة ستقود الشرق الأوسط لخوض معركة التحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟
 
كيف يمكن الخروج من التصورات الموروثة عن الحرب الباردة في ظل انقسام الغرب أمام اضطرابات النظام الدولي؟
 
هل هي نهاية الغرب أم زمن المفارقات؟

 

وعلى طول صفحات الكتاب يحاول هايزبور الإجابة على هذه التساؤلات المركزية، حيث جاءت إجاباته في بعض الأحيان على شكل برنامج عمل يقترحه للغرب وأوروبا وفرنسا.
 
إرهاب التدمير الجماهيري
يستهل الكاتب بأن عالم اليوم يواجه تحدياً كبيراً يكمن في الصدمة الآتية من التقاء، يمكن تجنبه، بين ظاهرتين لهما طبيعة مختلفة تماماً، الأولى هي التنامي الذي لا مفر منه للأخطار المرتبطة بانتشار أسلحة الدمار الشامل من جهة ووقوعها في أيدي مجموعات خطرة، والثانية هي تطور السياسة الخارجية والأمنية لأميركا التي أوجدت الظروف لصدام بين الحضارات، صدام قريب من نموذج هينتنغتون.

 

ويرى الكاتب أن هذين السياقين يعملان سوياً لمضاعفة الخطر الملازم لكل منهما، فإرهاب التدمير الجماهيري والرفض العنيف للغرب من قبل قسم عريض من الجماهير في العالم العربي الإسلامي، والتصورات الكبيرة بين أوروبا وأميركا حيث تبدو الأولى عازمة على الدفاع عن مواقعها بأي ثمن، في عالم تراه دائماً أكثر تهديداً لها، وهو ما يجعلها تجازف بالمشروع الديمقراطي والليبرالي الذي تعتبر أنها تحمله.

 

أما أوروبا التي لا تدعي أنها تحمل مشروعاً كبيراً لإعادة صياغة العالم، مع أن ماهيتها وتطورها يجعلانها تحمل مثل هذا المشروع، وإن لم تعط نفسها الوسائل لتسيير آثاره الإستراتيجية، فإن تصوراتها تسير في اتجاه معاكس لأميركا وهو أمر أفضى إلى انقسام الغرب.


 

"
إرهاب التدمير الجماهيري والرفض العنيف للغرب من قبل قسم عريض من الجماهير في العالم العربي الإسلامي
يجعل أميركا تجازف بالمشروع الديمقراطي والليبرالي الذي تعتبر أنها تحمله
"

عقيدة الأمن الأميركية
  
أما عن القوة الأميركية، فيقول إنه تم لأول مرة في سبتمبر/أيلول 2002 التأكيد في عقيدة الأمن الأميركية أن الحفاظ على هذا الوضع الفريد الراهن مصلحة حيوية بالنسبة لأميركا، بمعنى أن منع ظهور منافس "الصين ثم أوروبا" يسعى للتكافؤ معها أصبح هدفاً لسياستها.

 

كما يرى أن القوة الأميركية نسبية، منتقداً مفهوم القوة الخارقة الذي تحدث عنه هيوبير فيدرين وزير الخارجية الفرنسي السابق، ذلك أن القوة العظمى لا تعطي أبداً كل شيء وحتى مع تفوقها العسكري الضخم في العراق اليوم وفيتنام في الماضي.

 

إن العديد من الدول مثل الصين والهند وفرنسا.. لا تشاطر أميركا التصور وإن كان هذا لا يعني ظهور عالم متعدد الأقطاب، ومن هنا فالانتقال إلى مصاف القوة العظمى الوحيدة أصبح في الوقت نفسه فقداناً للنفوذ، ويعد الأمر حقيقة خاصة حيث أبدت القوة العظمى لا مبالاة وحتى عداوة حيال حلفائها الذين همشتهم بما في ذلك الحلف الأطلسي.

 

فمقولة رمسفيلد بأن المهمة هي التي تحدد الائتلاف والمطبقة عملياً، تعني تهميش الحلف وأوروبا التي تجد نفسها أمام رهانات أمنية كبرى بتوسيع حدودها حتى الشرق الأوسط والقوقاز مع انضمام تركيا المرتقب.
 

"
يعزو المؤلف سبب عدم لجوء القاعدة والتنظيمات السائرة في فلكها لاستخدام أسلحة الدمار الشامل إلى النجاح الكبير الذي تحققه بالوسائل "التقليدية"
"

فرط الإرهاب
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى الحديث عن فرط الإرهاب، قائلاً إنه يتميز عن الإرهاب المعروف قبل سبتمبر 2001 من حيث اتساعه وصداه أي عدد الضحايا والصخب الإعلامي، ولذا يستبعد احتمال وقوع تفجيرات من حجم هذه العمليات، خاصة مع الإجراءات المتخذة لمحاصرة وتفكيك شبكة القاعدة، لكنه يقول إن هذه الفرضية صحيحة جزئياً كما يظهر من 11 سبتمبر الأوروبي أي تفجيرات مدريد في 11 مارس/آذر 2004.

 

ويرى أن التحدي الكبير الذي يمثله فرط الإرهاب هو إمكانية استخدامه أسلحة الدمار الشامل الكيميائية أو البيولوجية أو الجرثومية أو النووية، لاسيما أن هناك بعض السوابق حيث استخدمت طائفة آوم اليابانية غازا ساما في اليابان ولمرتين في سنتي 1994 و1995، وكذا الجمرة الخبيثة في أميركا في 2001.

 

ويعزو عدم لجوء القاعدة والتنظيمات السائرة في فلكها إلى استخدام هذه الأسلحة إلى النجاح الكبير الذي تحققه بالوسائل "التقليدية". أما العمليات الانتحارية (باستثناء تفجيرات مدريد) فهي في نظره تُفضل لأن المنفذ يختفي مع التفجير مما يحول دون خطر كشف الشبكة. وعليه فإن من وجهة نظر المنظمة الإرهابية فإنه لا داعي لتغيير أسلوب عمل ثبتت جدواه. إلا أنه مع صعوبة تكرار عمليات سبتمبر 2001، فإن هناك خطر اهتمام القاعدة بحيازة مثل هذه الأسلحة.


 

"
يرى الكاتب أن القوة الأميركية نسبية، وينتقد مفهوم القوة الخارقة، وذلك لأن القوة العظمى لا تعطي أبدا كل شيء وحتى مع التفوق العسكري الضخم اليوم في العراق وفي فيتنام في الماضي
"

سلوك واشنطن
ثم ينتقل إلى فصل آخر عنوانه كيف فقدت أميركا الشرق الأوسط، حيث يستبعد بداية مسؤولية أمريكا في ظهور القاعدة، لكنه يقر بأن سلوك واشنطن سابقاً وحالياً في الشرق الأوسط يجعل القاعدة تتمتع بدعم جماهيري، فالقاعدة من فعل أقلية نشطة، لكن مساندة سياسيةً موسعة تعني دعماً لوجيستياً وبشرياً، إذ هي تحظى بصدى كبير في أوساط الجماهير المتضررة من السياسية الغربية والمحرومة من فوائد العولمة.

 

ثم يعرض للسياسة الأميركية في المنطقة، موضحاً أنها تتجاذبها مقاربتان متناقضتان، الأولى واقعية يقول أصحابها بالعمل للحفاظ على الوضع الراهن بالدفاع عن المصالح الأميركية، والثانية تقول بالرسالة الكونية لأميركا لتشجيع الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 

ويلاحظ أن هذه المفارقة ليست خاصة بأميركا ذلك أن التوتر بين المصالح الإستراتيجية أو الاقتصادية والقيم الأخلاقية يشكل جزءًا لا يتجزأ من أي سياسة خارجية لبلد ديمقراطي، وحتى منتصف الستينيات، كانت سياسية أميركا مبنية على مقايضة دعمها للأنظمة القائمة مقابل المحافظة على الوضع الراهن الإستراتيجي والإمداد بالنفط، ومع حرب 1967، أصبحت إسرائيل حليفاً إستراتيجياً يحظى بكامل الدعم، مما عقد من موقف أميركا تجاه الدول العربية.

 

ثم إن انتقال أمريكا من دور شبه مطاوع (1948-1967) في الصراع العربي-الإسرائيلي إلى دور الضامن لأمن إسرائيل وكذا لدول الخليج ساهم في دعم العمل لصالح عملية السلام. ويبقى التناقض قائماً بين ضمان أمن إسرائيل وضمان النظام الإستراتيجي في الخليج.
 

"
السياسة الأميركية في الشرق الأوسط تتجاذبها مقاربتان متناقضتان، الأولى تسعى للدفاع عن المصالح الأميركية، والثانية تقول بالرسالة الكونية لأميركا لتشجيع الديمقراطية وحقوق الإنسان
"

الديمقراطية ستأتي بأنظمة جهادية
ومنذ نهاية الحرب البادرة وحتى سبتمبر 2001 بقى الشرق الأوسط المنطقة الوحيدة التي هي في منأى عن المقاربة الأميركية للدمقرطة، ويعزى هذا الاستثناء الشرق أوسطي، حتى في السياسة الأوروبية إلى عوامل عدة، حيث إنه إلى جانب العوامل الموروثة عن الحرب الباردة، هناك عامل النفط، خاصة أن تبعية أميركا في تصاعد، مما يفسر إلى حد كبير تمسكها وشركائها بالوضع القائم.

 

ثم هناك أيضاً، وإن بشكل محدود، مستلزمات عملية السلام العربية الإسرائيلية، لأن عملية التفاوض تفترض دوام الأطراف المعنية، كما أن التجربة الإيرانية جعلتها أكثر حذراً، فانتقادات أميركا لنظام الشاه لانتهاكه حقوق الإنسان جعلتها لا تتنبه للمخاطر المحدقة، والعبرة التي استخلصتها هي أن سياسة دعم حقوق الإنسان قد تكون خطيرة وأن البديل لمستبد صعب تعرفه قد يكون استبداديا أكثر إزعاجاً على الصعيد الإستراتيجي، ومنذ سقوط الشاه فإنها تساند الأنظمة القائمة ما دامت لا تتحرك صراحة ضد مصالحها، وتفسر التجربة الإيرانية والنفط الدعم الأميركي للسعودية.

 

ومع انهيار العملية السلمية في 2001، أصبحت أميركا أمام معادلة أكثر تعقيداً، إذ كيف يمكن مواصلة مساندتها لإسرائيل وحماية مصالحها في العالم العربي؟ وجاءت أحداث الحادي عشر سبتمبر لتدعم حجج المحافظين الجدد دعاة تغيير الوضع القائم، بدءًا بنظام صدام حسين، ودعم الديمقراطية أمام أنصار الحفاظ على هذا الوضع، وهنا كان التقاطع بين ضرب العراق وتغيير الوضع الإقليمي والدعم الكامل لإسرائيل بفضل نفوذ اليمين المسيحي.
 
بعد الحادي عشر سبتمبر لم تعد سياسة الحفاظ على الوضع القائم كافية لوحدها، فهوية منفذي هذه التفجيرات ومصادر تمويل القاعدة تحتم التوقف عن هذه السياسة، فكانت الحاجة لتشجيع الإصلاحات في السعودية وغيرها، لكن معادلة جد صعبة تفرض نفسها، حيث على أميركا أن تتعاون مع الأنظمة القائمة لمحاربة الإرهاب، أي تدعيم الوضع القائم وتفادي زعزعة الاستقرار السياسي بعنف، وهذا خوفاً من أن يأتي التغيير بأنظمة جهادية إلى السلطة، لأن البديل للوضع القائم ليس ديمقراطية ليبرالية موالية لأميركا.


 

"
بعد الحادي عشر من سبتمبر لم تعد سياسة الحفاظ على الوضع القائم كافية لوحدها، فهوية منفذي هذه التفجيرات ومصادر تمويل القاعدة تحتم التوقف عن هذه السياسة
"

انقسام الغرب
  
بعدها ينتقل فرانسوا هايزبور إلى الحديث عن انقسام الغرب ملاحظاً تحولات المشهد الإستراتيجي بعد ثلاث سنوات على الحادي عشر سبتمبر، حيث تهمش أميركا الحلف الأطلسي، وتوظف الأمم المتحدة، وتتوجه نحو الأحادية التي تشكل السياق الذي يأتي فيه مأزق أميركا في الشرق الأوسط ويتأكد فيه تهديد الإرهاب.

 

وحيث بدأت واشنطن تتحرك وفق سياسية "المهمة تحدد التحالف" مما يعني عدم حاجتها لتحالفات كبرى دائمة مثل الأطلسي... يوجد النظام الدولي في حلقة مفرغة، فتهديد الإرهاب الخارق الذي يزداد حدة بسبب فشل سياسة أمريكا الشرق أوسطية المتفاعلة بدورها مع تدهور العلاقة العابرة للأطلسي يزيد من خطر الإرهاب، ولذا فمن المستعجل إعادة بناء الشراكة الأميركية الأوروبية، وأن يكون ذلك بداية بتحديث الآليات الخاصة بالحوار العابر للأطلسي وبالعلاقات بين أميركا وأوروبا.

 

وهنا يلاحظ أن أميركا تسعى جاهدة لإجهاض أوروبا الإستراتيجية، بل إن هذا الهدف يأتي مباشرة، من حيث الأولوية، بعد هدف محاربة دول محور الشر، وذلك لتخوف أميركا من تنامي الاستقلالية الإستراتيجية لأوروبا.

 

ومع أزمة العراق أثبت بوش تفضيله لأوروبا منقسمة على أوروبا الإجماع، وفي هذه الأزمة فضلت إدارته كسر الحلف والاتحاد من أجل الحصول على الدعم العسكري لحلفاء معدودين، وليعمل الحوار الأوروبي الأميركي على الأوروبيين أن يفكروا إستراتيجيا وأن يعالجوا المشاكل الكبرى بتصورهم الخاص ويقدموا اقتراحاتهم وليس انتظار المقترحات الأميركية.

 

أما أميركياً فإن التغير بدأ يظهر مع انتقاد الأميركيين لحرب العراق وابتعادهم التدريجي عن سياسة بوش، كما أن التعامل الأوروبي مع منطقة الشرق الأوسط من خلال مشروع (الشراكة الأورومتوسطية) هو الأنسب لمراعاته للاختلافات بين دول المنطقة، بينما يتجاهلها مشروع الشرق الأوسط الكبير وينتقد السياسة الأوروبية حيال إسرائيل قائلاً إنها لا تراعي كل جوانب الموقف الإسرائيلي.

 

"
يلاحظ أن أميركا تسعى جاهدة لإجهاض أوروبا الإستراتيجية، بل إن هذا الهدف يأتي مباشرة من حيث الأولوية لدى واشنطن بعد هدف محاربة دول محور الشر
"

وعن حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، يرى المؤلف أن غزو العراق دحرج العمل ضد الدول الثلاث المعنية حقاً بالنووي، إيران، باكستان وكوريا الشمالية إلى الدرجة الثانية، وأن أميركا أصبحت اليوم مشلولة عسكرياً بسبب مغامرتها في العراق.

 

أما عن إسرائيل فيقول إنها مثلها مثل الهند وباكستان امتلكت السلاح النووي كدولة غير موقعة لمعاهدة حظر الانتشار مما لا يضر بمصداقية هذه المعاهدة، كما أن النووي الإسرائيلي ليس مزعزعاً لاستقرار المنطقة إستراتيجياً والتي هي غير مستقرة لأسباب أخرى، ثم إن إسرائيل ليست مصدراً محتملاً لجماعات مثل القاعدة، أما إذ عجز الغرب عن الحيلولة دون امتلاك إيران لهذا السلاح فإن دولاً أخرى كالسعودية ومصر وسوريا والجزائر وكوريا الجنوبية وتايوان... منضمة لمعاهدة الحظر قد تسير على خطئها.

 

ختاماً يقول إنه مهما كانت الاختلافات في المصلحة وأحياناً في القيمة بين أميركا وأوروبا، فإننا ننتمي إلى حضارة واحدة في مواجهة الإرهاب دون أن يجعل هذا منا صليبيين، بيد أن دينامية الوضع الحالي تظهر أن صعود القاعدة ومد المحافظين الجدد يعملان سوياً من حيث أثر مفعولهما على العلاقات بين الديمقراطيات الغربية والعالم الإسلامي والعرب بالتحديد.

 

إن تقاطع المسارين يشكل نكبة، ولتفادي هذا يقترح أن تتولى فرنسا مهمة التقريب والتقارب بين أوروبا والعالم العربي الإسلامي بحكم وجودها في قلب عملية بناء شراكة جديدة عابرة للأطلسي، خاصة أنها فرضت وجودها في مجلس الأمن أمام أميركا وبقيت على مسافة من السياسية الأمريكية مما منحها شعبية في العالم العربي، إذ بحكم علاقاتها المميزة مع الدول العربية والصورة الإيجابية التي تحظى بها لدى الرأي العام العربي فهي تعد فاعلاً مهماً في عملية تقارب تجعل رفض الغرب ككل مسألة صعبة، وأيضاً بحكم حجم جاليتها العربية الإسلامية، الأكبر في أوروبا، ووجود عدد كبير من مواطنيها من العرب والمسلمين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة