ملامح المستقبل   
الجمعة 1426/6/16 هـ - الموافق 22/7/2005 م (آخر تحديث) الساعة 10:43 (مكة المكرمة)، 7:43 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة

الكتاب كما يوصف على الغلاف مغامرة في فهم الحاضر والمستقبل، ورحلة عميقة في السياسة والثقافة والاقتصاد واللغة والروح، ورصد توجهات المستقبل، ما تم منه وما يلوح في الأفق، بأسلوب يجمع المعلومة والخبر ليصل إلى فكرة جامعة.

 

- العنوان: ملامح المستقبل

- المؤلف: محمد بن حامد الأحمري

- عدد الصفحات: 318

- الناشر: مكتبة العبيكان، الرياض

- الطبعة الأولى: 2005

العالم الإسلامي والقوى الخارجية

يكاد يتحقق في مجالات كثيرة واقع إسلامي جديد بشكل جديد، لملامح المجتمع الإسلامي الذي حقق كثيرا مما يريد وتحلى بوعي لمقاصد الشريعة، ومع مرونة التطبيق سيكون ذلك سر اكتمال الكثير من النجاح المستقبلي للمجتمع الإسلامي.

 

وقد أصبحت قضية الإسلام هي قضية العالم، ولم يسبق لها شبيه في الاهتمام والانشغال العالمي في تاريخ الإسلام في موجاته الأولى، وقد ظهرت الآن ملامح مستقبلية تبشر بمجتمعات العدل والرحمة والإنصاف، إذ إن جميع الناس في تحول دائم وأعظم مخلوق هيئ لصناعة التحولات هو الإنسان، يصنع هذه التحولات وتتم من خلاله للخير والشر وللصعود والهبوط.

 

يقول أحد الذين راقبوا باهتمام مسيرة الإسلام في العصر الحديث: "من بين جميع الحركات الكبرى التي هزت الشرق الأوسط في آخر قرن ونصف كانت الحركات الإسلامية وحدها أصيلة في تمثيلها لمطامح أهل المنطقة وهي تنبع من تراب المنطقة وتعبر عن مشاعر الكتل الجماهيرية المسحوقة، فالزمن القادم يوحي بصعود أقوى لدور الإسلام في مستقبل البشرية".

 

أصبح تأثير الإسلامي في نواح متعددة من العالم قويا، مثل الجوانب الاقتصادية والتجارية إذ يمكن للبنوك والأفراد أن يصنعوا عولمتهم المباشرة في التوجه لأسواق العالم دون وساطة غربية، وقامت العولمة على الأديان فهي قد أخرجت الأعرابي من ضيق الأرض إلى أوسع أبواب الدنيا والآخرة، ومن الجزيرة العربية إلى أرحب آفاق الدنيا، فالانفتاح على العالم هو الطريق لجلب المنافع للنفس وللناس والسير في الأرض ولتعلم قيم إسلامية خالدة، والانغلاق هو ما يجعلنا مادة لعولمة غيرنا علينا.

 

وقد قامت المواجهات في بلاد المسلمين على قاعدتين هما: القاعدة الدينية الأكثر تأثيرا، والقاعدة الوطنية، وما زاد المسلمين حرصا وتفانيا هو الحركات الاستفزازية ومواقف اليهود المتطرفة، والتأييد الأعمى لإسرائيل، والحرب العقابية على الإرهاب التي شملت العالم بأسره، والهجوم الوحشي على أفغانستان والعراق، كل هذه المواقف والأمثلة كثيرة، ساهمت في خلق انتفاضة إيمان قوية ووعي بمعرفة النفس والعودة للدين والهوية المسلمة.

 

ولقد كان للتكوين القبلي والعشائري دور في نجاح المد الإسلامي من قبل كما كان لمكارم الأخلاق دور في انتشار هذا الدين، ولقد كانت مرونة الإسلام سر النمو والنجاح والتقدم التي لا تدمر أصولها.

 

"
من بين جميع الحركات الكبرى التي هزت الشرق الأوسط كانت الحركات الإسلامية وحدها أصيلة في تمثيلها لمطامح أهل المنطقة، تنبع من ترابها وتعبر عن مشاعر الكتل الجماهيرية المسحوقة، فالزمن القادم يوحي بصعود أقوى لدور الإسلام في مستقبل البشرية
"
وبالرغم من الدعاية الكبيرة ضد الإسلام والمسلمين، التي صرح بها كثير من السياسيين الأميركيين، فإن كل حملات التغريب في العالم العربي والمشرقي واجهت فشلا ذريعا، وتحولت ظاهرة الفضائيات التي بدأت كما لو أنها غزو إعلامي وثقافي إلى أداة عربية وإسلامية لها أثر كبير في إشاعة الثقافة الإسلامية وتوثيق الصلة بين المسلمين ودينهم، ونقل الأخبار وصياغة التعليق.

 

كما ساهمت في زيادة وعي الناس وجعلهم يعيشون قضاياهم اليومية بفهم وتعاطف كبيرين، مثلما يحدث في العراق وفلسطين وأفغانستان، خاصة بعد الشك في المعلومات التي توفرها الوسائل الغربية عموما والأميركية خصوصا.

 

وقد أصبح المصطلح الإسلامي جزءا من تحولات الثقافة العربية الجديدة، حتى إن بعض الشعراء اللبراليين واليساريين العرب يستخدمون مصطلحات الشهيد والشهداء، لأن المصطلحات الإسلامية أصبحت الأكثر تأثيرا وإقناعا وقبولا في هذا الزمن.

 

إن تاريخ النهضة الأوروبية مرتبط بالصراع مع الإسلام، وفي زماننا هذا صار المسلمون يهتمون بالموقف العدائي الغربي، مما جعل بعضهم يؤيد فكرة التصادم الحضاري بإبداء الحقائق وحشد الحوادث والنظريات المؤكدة لموقف غربي معاد للإسلام مثل تأييد نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية لتأكيد الوجه الأقبح لإسرائيل، المعادي للصلح والسلام.

 

وبالرغم من ذلك فإن وجود أكثر من خمسة عشر مليون مسلم في أوروبا وتنامي عدد المساجد، (في ألمانيا أكثر من ألف وخمسمائة مسجد)، وتجاوز المسلمين عدد اليهود في أوروبا، وتجاوز المسلمين عدد الكاثوليك في العالم منذ عام 2000، ووجود المواجهات الإسلامية في فلسطين ولبنان، وتحكيم الشريعة في نيجيريا، أوهم المتعصبين الدينيين بأن المسلمين يفعلون ذلك بتخطيط ورؤية.

 

والآن تظهر أشكال عديدة للخلاف بين أوروبا وأميركا، في مجال الاقتصاد حين أصبح اليورو يهدد الدولار في الأسواق العالمية، وأميركا تريد أن تحكم العالم بالقوة، وأوروبا تريد حكمه بالسياسة والقانون، وتتظاهر أميركا بعدم اهتمامها بصعود أوروبا، لكن لهجة الخلاف تزيد متلبسة بسياسة ومستقبل الاتحاد الأوروبي.

 

والعالم الإسلامي لا يبدو متحديا قويا، وبالتالي سيكون الصراع بين الأقوياء المتنافسين، ولكن قد يستخدم الإسلام والمسلمون في الصراع الأميركي الأوروبي، كما استخدم في السابق دعم المنظمات والمؤسسات الإسلامية في مواجهة الشيوعية وهزيمتها.

 

وبالرغم من كل ذلك فهناك وسائل لتجاوز هذه التبعية عن طريق الإدراك السياسي لصراع الغرب الداخلي، لأن ذلك الخلاف الغربي-الغربي قد يعوق الاستمرار في طريقة استغلال العالم الإسلامي، ما دامت في الغرب مشكلات عديدة تكبر مع الزمن، كالشكوى من فقدان الحرية الذي يتعالى، وحالة الاستياء الشديد بين الولايات الفقيرة والغنية، والصراع مع أميركا الجنوبية الذي يأكل الأخضر واليابس.

 

"
ليست للثقافة الغربية قدرة على إيقاف تيار الانهيار الذي تعانيه، إذ لم تعد تلك الجاذبية الفكرية الغربية كما كانت في السابق، لأنها تحولت إلى الحِرَفية المتوارثة
"
نهاية فكر الغرب

هناك حاجة ملحة لملء الفراغ الفكري في الغرب، فليس هناك قدرة للثقافة الغربية على إيقاف تيار الانهيار الذي تعانيه، ولم تعد تلك الجاذبية الفكرية الغربية كما كانت في السابق، بل تحولت إلى الحرفية المتوارثة، حرفة الرواية، وحرفة الصحافة، أما الجاذبية التي تكون روح الحضارات فقد ضعفت وتراجعت، وأصبحت الثقافة الغربية تهاجم الثقافة التي أرستها "كالقومية والوطنية الضيقة" مثل حرب أميركا على الشيوعية، وهجومها على أفكار حزب البعث التي كانت مجرد ترجمة للفكر القومي الغربي.

 

ومن ظواهر كذب الغرب وخداعه موقفه الفكري والسياسي، فهو يتحدث عن ظاهرة العنصرية ويهاجمها في بعض الدول ويعتبرها غير أخلاقية، في حين أن رئيسة وزراء بريطانيا مرغريت تاتشر كانت تصر على بقاء النظام العنصري في جنوب أفريقيا رغم أنه نظام غير إنساني، وبوش الابن يدعو لحملة صليبية، ويأبى أن يعتذر عن دوافعه الاستعمارية الدينية، وبيل غراهام رأس الكنيسة الأميركية في ليلة الهجوم على بغداد يبيت عند بوش يصلي ويبارك الحملة للجنود.

 

لكن بوادر الإحياء الإسلامي لم تنقطع في القرون الأخيرة، فقد كانت نهضة المدرسة الحنبلية، وقيام المدرسة الحديثية عند الصنعاني والشوكاني، ونشوء المدرسة العقلانية بقيادة الأفغاني ثم محمد عبده، وتجلت مظاهر هذه النهضة الفكرية في انتشار الفكرة والكتاب الإسلامي، ونشطت دور نشر كبيرة مثل بولاق والحلبي والرسالة والمكتب الإسلامي.

 

وكانت صناعة الأشرطة من أهم المصادر المؤثرة في العقول في العالم الإسلامي، وقامت مدرسة التحقيق لإخراج الكثير من الكتب التراثية المهمة وقامت مدرسة الاقتصاد الإسلامي، أما على الواقع الأدبي فقد ظهر بين العرب والمسلمين منتجون لآداب رائعة مثل كتب العقاد والرافعي ..الخ، إلا أن هناك عملا أميركيا محموما على تغيير وتشويه الثقافة الإسلامية، ببث البرامج الوثائقية عن طالبان وغيرها بشكل متعصب ولا يحمل إلا الإرهاب والرعب.

 

"
ليس الخوف من تزايد المسلمين ومعرفتهم وتجارتهم مبررا لمعاداتهم، مع أنه هو السبب في حصار الأوروبيين على الإسلام، وما الذين يطالبون بتقليل عدد السكان في العالم العربي سوى منظمات غربية صريحة في انتمائها للمصالح الغربية
"
التحولات في العالم الإسلامي

إن عدد السكان عامل حاسم في صعود قوة الشعوب وانهيارها، وقد كان من مظاهر ضعف الدولة العثمانية قلة عدد السكان، فزيادة السكان ظاهرة مهمة في حياة الشعوب والأمم، وزيادة عدد السكان المسلمين وتدريبهم وتعليمهم، وزرع الثقة والدين والكفاءة، وتوفير كل وسائل القوة العلمية والخلقية لهم، سوف تجعل منهم قوة منقذة صالحة، تنشر الأمن والسلام والمعرفة في العالم.

 

وليس الخوف من تزايد المسلمين ومعرفتهم وتجارتهم مبررا لمعاداتهم، مع أنه هو السبب في حصار الأوروبيين على الإسلام، وما الذين يطالبون بتقليل عدد السكان في العالم العربي سوى دول ومنظمات غربية صريحة في انتمائها للمصالح الغربية.

 

وقد كان الانفجار السكاني في الجزر البريطانية الذي رافقته نزعات دينية تطهيرية كبيرة من أهم أسباب الهجرة وتكوين الدول والمستعمرات خارج بريطانيا.

 

فالزخم السكاني هو الذي صنع المستعمرات الكبيرة في التاريخ مثل أميركا وأستراليا وبقية المستعمرات وهو ما جعل الهند والصين قوة ضاربة مقارنة مع الشعوب التي تذوي وتموت.

 

ومن يراقب التحولات السكانية الكبيرة التي تشهدها اليوم المنطقة العربية عموما والجزيرة خاصة، يلاحظ إرهاصات انفجار سكاني لا تكاد تستوعبه المنطقة، وهو يوشك في حال توفر الثروة والفكرة أن يصنع من النمو السكاني قوة كبيرة في الداخل، والهجرة القادمة إن تمتع مهاجروها بعقيدة وثقة سوف تكون لها آثارها الإيجابية على العالم.

 

ومن خلال استقراء للمستقبل يتم من منظار الحاضر -بغض النظر عن عوامل وتحولات طارئة وغير محتسبة في الاستقراء- فالمتوقع أن ينمو عدد سكان العالم بين عامي 2000و2050م بزيادة تبلغ ما بين 3 بلايين وأكثر من 9 بلايين إنسان.

 

ونسبة الزيادة المتوقعة هذه البالغة 50% ستحدث بكاملها في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وستكون 100 مليون نسمة من سلالة الأوروبيين قد تلاشت من الأرض.

 

وهناك تحول هائل نحو التجارة في العالم الإسلامي، فقد جربت دول الخليج أن تشتري بعض الأدوية مجتمعة، فوفرت هذه العقود ربع التكاليف وهي مليارات من الدولارات بمجرد تنسيق في شراء بعض الأدوية.

 

وهناك مؤشرات جديدة يمكن ملاحظتها وهي امتلاك رجال أعمال سعوديين لشركات بترولية أوروبية كبرى، مما يعني أن ثروة العالم الإسلامي وأسواقه الكبيرة البنكية الإسلامية التي بدأ العالم يعترف بها بقوة، وفتح فروع للتعاملات الإسلامية في بنك مثل "سيتي بنك"، ستجعله في مقدمة الدول الغنية.

 

"
عقيدة قتل المسلمين التي يتبناها كثير من متطرفي ونصارى أميركا وأوروبا، كفيلة بأن تنقل ثقافة القتل للطرف المغلوب، وتدربه على حماية نفسه
"
الإرهاب والمسلمون

إن عقيدة قتل المسلمين التي يتبناها كثير من متطرفي ونصارى أميركا وأوروبا، كفيلة بأن تنقل ثقافة القتل للطرف المغلوب، وتدربه على حماية نفسه وفعل ما فعله الغزاة، فطوال خمسمائة عام والعالم الإسلامي يتعرض للغزو والقتل والنهب، ففي أفغانستان بعد تدميرها ضربت القوات الجوية الأميركية عددا كبيرا من الأفغان في حفلة عرس، وتمت إزالة الآثار قبل مجيء الأمم المتحدة، وقصفت ملجأ العامرية في العراق، فقتلت فيه 314 من الأطفال والنساء، وقبل ذلك كانت مجازر البوسنة والهرسك، والمجازر التي لا تحصى في شتى بلاد المسلمين.

 

هذا السلوك الوحشي والخداع، والإرهاب للأسر والأطفال والشيوخ والنساء في فلسطين وغيرها أثار البأس والحمية عند جموع المضطهدين، وهناك رصيد غير أخلاقي وظلم واسع، سوف تكون نتائجه وقوفا ضد الظالمين والمؤسسات الظالمة.

 

 التراجع المبدع

لا بد من تراجع على الساحة العربية والإسلامية، وهو جزء صحيح ومكون مستقبلي مهم، فالتراجع لدى طالبان كان حاجة إلى أن تعيد النظر في نمط تدينها، وطريقة تعاملها مع العالم.

 

وفي مصر كانت الحرب على الإسلام في العهد الناصري قد تجاوزت كل الحدود، ثم كان الانفراج الساداتي الذي حدث والذي سبب خيرا كثيرا وضررا وتطرفا، كل هذا فتح الباب أمام التيار المعتدل، وحصل تغيير كبير على مستوى المجتمع وإقباله على الدين، وتغيرت المسيرة الاجتماعية والثقافية وسقطت الحلول العلمانية، فأصبحت الدول الأكثر علمانية هي الأكثر عودة وجدية للإسلام، حتى تركيا تلوح فيها بوارق الإسلام.

 

ولقد كان التراجع في عهد أربكان وخسارة فكرته على المدى القصير بداية لمرحلة أكثر وعيا، تلاها إقدام مبدع وجولة أذكى برجال أشب عقلا وبدنا، وغزو بغداد صورة مؤلمة لتراجع بلد مهم، لكنه موقف مؤقت رغم كونه مكلفا للأمة ولكنه مشغل ومؤلم للغزاة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة