المقاومة اللاعنفية   
الأحد 1432/9/23 هـ - الموافق 21/8/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:10 (مكة المكرمة)، 13:10 (غرينتش)
عرض/ حسين عبد العزيز
كيف تستطيع الشعوب منع الأنظمة الدكتاتورية والقضاء عليها؟ وهل هناك سبيل لمنع الظلم من دون اللجوء إلى الذبح المتبادل؟ الإجابة على هذين السؤالين، هي المهمة التي يتصدى لها الكتاب عبر فصوله الخمسة التي يبحث فيها أهمية المقاومة اللاعنفية أو ما يسميه المؤلف التحدي السياسي.
 
من الديكتاتورية إلى الديمقراطية
ما العمل إذا كانت الأنظمة الدكتاتورية تتجاهل المحددات القانونية والدستورية والأحكام القضائية والرأي العام؟ هل مجابهة هذه الأنظمة يكون عبر المقاومة العنيفة المسلحة؟
 
يرفض المؤلف هذا الخيار، فاستخدام العنف مهما كانت حسناته يعكس أمرا واحدا، وهو أن اللجوء إلى وضع الثقة بأساليب العنف إنما يعني استخدام أسلوب للنضال يتميز الطغاة دائما بالتفوق عليه.

-الكتاب: المقاومة اللاعنفية: دراسات في النضال بوسائل اللاعنف 
-المؤلف: جين شارب
-عدد الصفحات: 269
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2011 
ويرى المؤلف أن المعارضة الديمقراطية أو اللاعنفية تستطيع خلق أزمة لدى النظام الحكم من خلال معرفتها بنقاط ضعفه الضمنية من أجل تغييره أو تفكيكه، وهذا لا يعني أنه يمكن القضاء على الأنظمة الدكتاتورية من دون مخاطر أو إصابات، إلا أن التحدي السياسي أو المقاومة اللاعنفية تتسم بالخصائص التالية:
- لا يقبل بأن تكون أساليب القتال التي اختارتها أنظمة دكتاتورية هي التي تحدد النتيجة.
- يصعب على النظام مواجهتها.
- يستطيع أن يزيد من تأزم نقاط ضعف الأنظمة الدكتاتورية، وأن يفصل عنها مصادر قوتها.
- يؤدي إلى وقوع الحكام الدكتاتوريين في أعمال وأحكام خاطئة.
- يستطيع المواطنون الانتفاع من مؤسسات المجتمع.
- يساعد على توزيع القوة المؤثرة في المجتمع، بحيث يصبح إنشاء وبقاء المجتمع الديمقراطي أكثر إمكانية.
 
ويؤكد المؤلف أن النضال غير العنيف أكثر تعقيدا، ويستخدم أساليب أكثر تنويعا مقارنة بالعنف، حيث إنه يستخدم الأسلحة النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمواطنين ومؤسسات المجتمع (الاحتجاجات والإضرابات والمقاطعة وعدم التعاون).
 
إن النضال غير العنيف يعطي المواطنين وسائل يستطيعون استخدامها للحصول على حرياتهم والدفاع عنها ضد حكم دكتاتوريين حاليين أو في المستقبل.

وفي ما يلي عدد من التأثيرات الإيجابية للنضال غير العنيف:
- ينتج من الخبرة في تطبيق النضال غير العنيف أن يصبح المواطنون أكثر ثقة بأنفسهم في تحدي تهديدات النظام الحاكم، وفي تحدي قدرته على فرض أساليب الاضطهاد العنيفة.
 
- يوفر النضال غير العنيف أساليب عدم التعاون والتحدي التي يستطيع المواطنون من خلالها مقاومة السيطرة غير الديمقراطية من قبل أي مجموعة ديكتاتورية.
 
- يمكن استخدام النضال اللاعنيف في تأكيد ممارسات الحريات الديمقراطية، مثل حرية التعبير عن الرأي وحرية الصحافة والمنظمات المستقلة وحرية التجمّع لمواجهة السيطرة والقمعية.
 
- يسهم النضال غير العنيف بقوة في إحياء وإعادة ولادة وتعزيز المجموعات المستقلة ومؤسسات المجتمع، التي هي بمنزلة مؤسسات حيوية بالنسبة للديمقراطية بسبب قدرتها على تحريك قدرة المواطنين، وفرض قيود على سلطة أي حاكم دكتاتوري في المستقبل.
 
- يوفر النضال غير العنيف وسائل يستطيع المواطنون من خلالها حشد القوة في مواجهة الأعمال القمعية لشرطة وجيش الأنظمة الدكتاتورية.
 
- يوفر النضال غير العنيف طرقا يستطيع المواطنون والمؤسسات المستقلة من خلالها أن يقيدوا أو يقطعوا مصادر قوة الفئة الحاكمة، وبالتالي تهديد قدرتها على الاستمرار في السيطرة، وذلك من أجل خدمة أهداف الديمقراطية.
 
البدائل الحقيقية
"
التاريخ البشري يشهد على وجود العديد من الصراعات التي أخذ فيها النضال أشكالا غير أشكال العنف، مثل أشكال النضال بالطرق النفسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، أو السياسية
"
يؤكد المؤلف أن التاريخ البشري يشهد على وجود العديد من الصراعات التي أخذ فيها النضال أشكالا غير أشكال العنف، مثل أشكال النضال بالطرق النفسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، أو السياسية.
 
وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، حيث استخدمت النقابات في العديد من البلدان الإضرابات والمقاطعة الاقتصادية، قاطع الصينيون المنتجات اليابانية عام 1908 و1915 و1919، واستخدم الألمان أساليب اللاعنف ضد كاب بوتش عام 1920، وفي الهند اعتمد غاندي والوطنيون الهنود أساليب اللاعنف في نضالهم ضد الاحتلال البريطاني.
واستخدمت النرويج والدانمارك وهولندا أساليب اللاعنف ضد الاحتلال النازي، واستخدمت السلفادور وغواتيمالا نفس الأساليب للقضاء على الأنظمة الدكتاتورية.

كما استخدم مناضلو الحقوق المدنية في الولايات المتحدة اللاعنف ضد التفرقة العنصرية، وفي الجزائر رفض الجنود الفرنسيون التعاون مع حكومتهم، ورافق هذا الرفض مظاهرات حاشدة في فرنسا ورفض من قبل حكومة ديغول، مما أدى إلى فشل الانقلاب الذي حدث في الجزائر قبل أن يحدث انقلاب مماثل في باريس.
 
واستطاع التشيكيون والسلوفاكيون في 1968-1969 إيقاف سيطرة السوفيات لمدة ثمانية أشهر باستخدام اللاعنف وعدم التعاون عندما غزا حلف وارسو بلادهم.
 
ومنذ العام 1953 حتى العام 1990 ناضل الخارجون عن الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية باستخدام أساليب اللاعنف من أجل كسب المزيد من الحرية، كما حصل في ألمانيا الشرقية وبولندا وهنغاريا ودول البلطيق.
 
يشير المؤلف هنا إلى نقطة ضرورية، وهي أنه لكي نفهم طبيعة الصراعات والنتائج التي وصلت إليها، علينا أولا فهم طبيعة هذه الأساليب، التي تنقسم إلى ثلاثة:
 
- المظاهرات الرمزية، مثل المسيرات أو الاعتصامات، أو توزيع النشرات ...إلخ.
 
- رفض التعاون، حيث يرفض المتظاهرون الاستمرار في التعاون أو التعامل مع أشخاص أو جهات معينة سواء كان هذا التعاون سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا.
 
- استخدام الطرق السلمية للتدخل الفعال وتعطيل الأعمال الاعتيادية للنظام الذي اتخذ أشكالا عدة، منها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وقد تمثلت أشكال اللاعنف هذه باحتلال المكاتب والقيام باعتصامات في الشوارع والإضراب عن الطعام وإنشاء مؤسسات اقتصادية جديدة.
 
"
يعتقد البعض أن العنف يؤدي إلى تحقيق أهدافه بسرعة وأن اللاعنف يأخذ وقتا طويلا لتحقيق أهدافه، كلا الأمرين غير صحيح
"
بعد هذه المعطيات يضع المؤلف بعض النقاط الضرورية التي تعمق رؤيتنا مقاومة اللاعنف:
- يعتقد البعض أن العنف يؤدي إلى تحقيق أهدافه بسرعة وأن اللاعنف يأخذ وقتا طويلا لتحقيق أهدافه، كلا الأمرين غير صحيح.
 
- أشكال اللاعنف في النضال لا تحتاج إلى قائد يسحر الجماهير.
 
- ظاهرة اللاعنف ظاهرة ممتدة إلى الثقافات وليست مرتبطة بمعتقدات دينية معينة.
 
- يعتقد البعض أن اللاعنف يصلح فقط في الدول الديمقراطية، وهذا اعتقاد خاطئ.
 
- يعتقد البعض أن المقاومة اللاعنفية تعبر عن ضعف، وهذا فهم خاطئ.
 
دور القوة في الكفاح اللاعنيف
يعتمد الكفاح اللاعنيف على طبيعة القوة في المجتمع والسياسة، ذلك أن ممارسة وآليات ونتائج هذا الكفاح ترتبط بامتلاك وممارسة القوة وبتأثير ذلك في قوة الخصم.

ويرى المؤلف أن الكفاح اللاعنيف هو في حقيقة الأمر معركة تتطلب حشد القوات ووجود إستراتيجية واضحة وأساليب محددة، وعلى سبيل المثال، إذا كانت القضايا المثارة اقتصادية، فإن المقاومة يمكن أن تكون اقتصادية، وإذا كانت القضايا المثارة سياسيا ويحتاج الخصم إلى التعاون السياسي من جانب المواطنين، فإن المقاومة تكون سياسية.
 
ويمكن القول إن اللاعنف يؤثر مباشرة في قوة الخصم أكثر مما يؤثر العنف السياسي، فبدلا من مواجهة قوات الخصم وبوليسه بقوات مشابهة، فإن الكفاح اللاعنيف يواجه هذه القوات بشكل غير مباشر.

ويمكن أن تزيد المجموعة التي تقود الكفاح اللاعنيف من قوتها تدريجيا، وبداية سوف تحصل على تأييد متزايد من جانب قطاعات المواطنين الذين يتأثرون سلبا بسياسات النظام، وبالإضافة إلى هذا فإن طبيعة الكفاح اللاعنيف تجعل من الممكن الحصول على دعم يعتد به من جانب الأطراف الثالثة، بل حتى من جانب مؤيدي خصومهم.

ورغم الخلافات بين حالة وأخرى من حالات اللاعنف، إلا أنه يمكن القول إن ثمة أربع آليات عامة للتغيير من خلال اللاعنف:
 
- التحول، نتيجة ممارسة حركة اللاعنف، فإن الخصم يتبنى مع مرور الوقت جانبا من وجهات نظر الحركة.
 
"
وعلى الرغم من الخلافات بين حالة وأخرى من حالات اللاعنف، إلا أنه يمكن القول إن ثمة أربع آليات عامة للتغيير من خلال اللاعنف وهي: التحول, التكيف, الإرغام, التحلل
"
- التكيف، يقرر الخصم بعد فترة تقديم تنازلات عادة ما تكون في البداية محدودة.
 
- الإرغام اللاعنيف، يتم في هذه المرحلة إحراز النجاح وتحقيق الأهداف، إذا نجت المقاومة اللاعنفية بقطع مصادر قوة الخصم، أي عندما تصبح إرادة الخصم مقيدة تماما.
 
- التحلل، ويحدث عندما تقطع مصادر قوة الخصم بشكل كامل بحيث لا يمكنه البقاء والاستمرار، وفي هذه الحالة لا يبقى هناك جهاز متماسك يستطيع حتى قبول الهزيمة، لأن قوة الخصم تكون قد تحللت.
 
الانتفاضة والنضال بلا عنف
خصص المؤلف هذا الفصل للحديث عن الانتفاضة الفلسطينية الأولى، باعتبارها مقاومة لاعنفية، ويطرح المؤلف سؤالا مركزيا، كيف يمكن للفلسطيين أن يقودوا الانتفاضة على الوجه الأكمل ليحققوا هدفهم بدولة فلسطينية مستقلة؟
 
يجيب المؤلف بضرورة تحقيق الفلسطينيين ستة أهداف إستراتيجية:
 
- الاستمرار بتطوير مؤسسات موازية اجتماعية واقتصادية وسياسية، للوصول إلى حكومة داخلية موازية، قادرة على إدارة مجتمع فلسطيني رغم وجود القوات الإسرائيلية.
 
- الاستمرار بتنظيم مقاومتهم على نهج اللاعنف في المناطق حتى يصبح من الصعب على المحتلين غرض السيطرة على الشعب، ويمكن تطبيق ذلك بالمضي قدما في تطبيق أشكال مختلفة من الاحتجاج بلا عنف.
 
- أن يعملوا على إيقاع الفرقة، وإبراز التناقضات في الرأي العام الإسرائيلي.
 
ـ أن يساهموا في إبراز الخلافات داخل المؤسسات السياسية الإسرائيلية، بتشجيع المعارضة لسياسات الاحتلال الحالية.
 
- أن يساهموا في التفرقة الجزئية بين حكومتي إسرائيل والولايات المتحدة.
 
ـ العمل على تشجيع الرأي العام العالمي والجهود الدبلوماسية الدولية للإسهام في تسوية الصراع والمساعدة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
 
ويؤكد المؤلف أنه رغم غياب التحضير لنضال لاعنفي منظم بوجود قسوة القمع الإسرائيلي، إلا أن الفلسطينيين قد أظهروا في الانتفاضة انضباطا نفسيا مدهشا، وذلك لإبقاء تعليمات محددة من قبل منظمة التحرير في المناطق التي حددت عدم استخدام الأسلحة النارية.
 
"
التحول الكامل إلى النضال بلا عنف سيجعل دعم الاستقلال الفلسطيني ممكنا أكثر في أوروبا والولايات المتحدة
"
وقد تم احترام هذه التعليمات باستثناء حالات قليلة، ومع أن الفلسطينيين يعدون رمي الحجارة عنفا معتدلا، إلا أن القوات الإسرائيلية في أول جولة لهم في المناطق كثيرا ما يكونوا غير راغبين باستعمال العنف ضد الفلسطينيين، لكنهم في الجولة الثانية وبعد التعرض للبصق والحجارة يكونون راغبين بضرب الفلسطينيين، وفي الجولة الثالثة يبحثون عن فلسطيني لقتله.
 
ويؤكد المؤلف في هذا الصدد أن النضال بلا عنف سيقابل من الإسرائيليين بردود فعل سلبية، ورغم البيانات الإسرائيلية المتكررة ضد العنف الفلسطيني، فإن هناك إشارات على أن المسؤولين الإسرائيليين يفضلون التعامل مع العنف الفلسطيني على التعامل مع النضال اللاعنيف، وتوجد هناك تقارير تؤكد أن الإسرائيليين يتخذون إجراءات استفزازية لحث الفلسطينيين على العنف المتزايد.
 
إن المقاومة بلا عنف والاستمرار فيها، ستعيد القضية الفلسطينية إلى شاشات التلفزة العالمية، والتحول الكامل إلى النضال بلا عنف سيجعل دعم الاستقلال الفلسطيني ممكنا أكثر في أوروبا والولايات المتحدة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة