تأثير الإنترنت على العمل السياسي.. أوباما نموذجا   
الثلاثاء 7/5/1431 هـ - الموافق 20/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:27 (مكة المكرمة)، 14:27 (غرينتش)

عرض/ سكينة بوشلوح 

أصبح موضوع التأثير السياسي للإنترنت محل اهتمام عدد كبير من الحكومات والباحثين والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني. وهو الموضوع الذي عالجه د. محمد لعقاب الأستاذ المحاضر بكلية العلوم السياسية بجامعة الجزائر في كتابه"تأثير الإنترنت على العمل السياسي.. أوباما نموذجا". وذلك ضمن ثلاث محاور رئيسية مستخدما المنهج الوصفي في تحليله لمختلف أفكاره.

الإنترنت والنظام السياسي الجديد
استهل المؤلف دراسته بتحليل أهم التحولات الجذرية التي تشهدها البشرية اليوم بدءا من التحول من النموذج الصناعي إلى المجتمع المعلوماتي العالمي، ومن مجتمع الأمن إلى مجتمع المخاطرة، وكذا بروز ظاهرة العولمة التي حلت محل الاقتصاد العالمي التقليدي.

هذه التحولات العميقة ولدت مفاهيم جديدة في العمل السياسي تتعلق بثلاث مواضيع رئيسية: التعددية، الحرية والديمقراطية، ولقد لعبت تكنولوجيا المعلومات وتحديدا الإنترنت دورا رئيسيا وأحيانا مكملا في ظهورها بما توفره من سرعة الاتصال وسهولته وفعاليته وبأقل التكاليف.

-الكتاب: تأثير الإنترنت على العمل السياسي.. أوباما نموذجا
-المؤلف: د. محمد لعقاب
-عدد الصفحات: 111
-الناشر: دار الصباح, القبة, الجزائر
-الطبعة: الأولى/ سنة 2009

فالإنترنت يساهم بقدر كبير في السماح بالتعددية وتبادل الآراء ومناقشة جميع القضايا، والنظر للمسائل والمواضيع من مختلف الزوايا، فمن خلال تمكين مختلف الدول والجماعات والأقليات بإنشاء مواقع لها على الشبكة والتعبير عن قيمها وهويتها وقضاياها كما تراها هي وليس كما تنمطها جماعات أخرى، تتعدد التوجهات السياسية والدينية والثقافية المختلفة والتي تعبر عن أفكار وآراء الجميع بكل حرية في الفضاء الإلكتروني.

بالإضافة إلى ذلك يستطيع الكثير من الأشخاص التعبير عن أفكارهم وانتقاداتهم بكل حرية على الإنترنت من خلال ما يعرف بالمدونات الشخصية أو مواقع فيسبوك والتي تمثل جزءا من محاولات اختراق حاجز الصمت ووسائل المنع التي تستخدمها الحكومات أمام الصحافة الحرة وحرية التعبير. الأمر الذي يمكن الشباب وبتكاليف بسيطة الكتابة والتعبير عن آرائهم وانتقاداتهم بكل حرية.

وهنا يستفيض الكاتب بالشرح في مؤلفه عن دور تكنولوجيا المعلومات الجديدة في إعادة تشكيل الديمقراطية من خلال ظهور نظام سياسي جديد يميزه بروز الجمهوريات الإلكترونية وزيادة سلطة المواطنين، وذلك أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات جعلت من الجيل الثالث (جيل مجتمع المعلومات) أول جيل من المواطنين يستطيع أن يرى ويسمع ويصدر رأيا على زعمائه في وقت واحد وفورا.

وعليه فالحكومات اليوم سوف تواجه باستمرار ضغط الرأي العام الذي أصبحت المعلومات الجديدة والآنية بين يديه، وعلى هذه الحكومات أن تستعد لمواجهة كل أشكال الضغوطات من قبل الرأي العام .

إضافة إلى ذلك يرى الكاتب أن النظام السياسي الجديد يعرف بروز ظاهرة المعارضة الإلكترونية، فالمعارضة اليوم ليست بالضرورة حزبا معتمدا له وجود قانوني وتسمية ومقر اجتماعي ورئيس، فبإمكان الجميع اليوم عن طريق الإنترنت أن ينتقدوا ويعارضوا السياسات والقرارات والشخصيات المسؤولة ويطرحوا البدائل حتى لو كانت من قبل جماعات غير مرغوب فيها وليس لها وجود قانوني.

وفي هذا السياق يضرب الكاتب مثالا بالمدونين المصريين الذين تمكنوا من تشجيع الشباب للنزول إلى الشوارع ضمن حركة "كفاية" والمطالبة بإصلاحات ديمقراطية في مصر، صحيح أنهم لم ينجحوا في تحقيق التغيير إلا أنهم نجحوا لأول مرة في إنزال آلاف الناس إلى الشوارع وحشد الشباب وكذلك التنسيق فيما بينهم.

وفي خضم العدوان الإسرائيلي على غزة منذ 27 ديسمبر/ أيلول 2008، لعبت شبكة الإنترنت دورا بالغ الأهمية في حشد التضامن والحركة الشعبية تجاه القضية، فمواقف الأنظمة العربية لم تكن في مستوى طموحات الشعوب العربية، ورغم توجهها لمنع المسيرات والتظاهرات المؤيدة للمقاومة الفلسطينية، إلا أن المدونين العرب ومواقع فيسبوك وغرف الدردشة الإلكترونية تمكنت من كسر الحصار الذي فرضته الأنظمة، فهي في نظر الكاتب تمكنت من تنظيم "مسيرات إلكترونية" و"تجمعات افتراضية" دون الحصول على رخصة من وزارات الداخلية وأجهزة الأمن العربية، بل إن تلك المواقع والمدونات ساهمت في الزج بملايين العرب إلى الشوارع لتنظيم مسيرات في تحد عملي للأنظمة التي عجزت حتى عن تنظيم الغضب الشعبي.

وفعلا إذا تمكن الناس من التواصل وتبادل الأفكار والتجمع حول المعتقدات وجمع الأموال والتبرعات وحشد التأييد، فإن الأنظمة تصبح في وضعية "تسلل" حسب التعبير الرياضي.

الإنترنت.. الاهتمام السياسي والانتخابات
من الإشكاليات السياسية التي أضحت تؤرق الطبقة السياسية في مختلف دول العالم بما فيها الجزائر حكومات وأحزابا، ما أصبح يعرف" بالمقاطعة السياسية للانتخابات"، فعندما يقاطع الشعب العملية السياسية للدولة، فإن هذا يعني أن النظام فقد شرعيته الشعبية والديمقراطية.

وهنا يشير الكاتب إلى أن أسباب غياب الاهتمام السياسي الذي أدى إلى المقاطعة، يتلخص في تجاهل المؤسسات الرسمية للبالغين من الشباب والقضايا التي تهمهم، أو عدم قدرتها على اجتذابهم ومنحهم فرصا ذات معنى للمشاركة في الحياة السياسية، وهو الوضع الذي تعيشه الحياة السياسية في الجزائر، فالأحزاب الجزائرية استهلكت كل خطاباتها لجذب الجمهور واستقطاب الشباب على وجه التحديد، إذ يستطيع أي متتبع متواضع للحياة السياسية أن يعرف مراد رئيس الحزب حتى قبل أن يصرح به، بالإضافة إلى كون الطبقة السياسية لم تعد مولدة للأفكار، لذلك لم يعد للشعب قضية يتجند حولها، فقل اهتمامه بالسياسة. هذه الوضعية إذن "شعب دون اهتمام سياسي" تغذيها سلوكيات النظام والحكومة تؤدي حتما إلى مقاطعة عملية للفعل السياسي.

"
في ظل الجمهورية الإلكترونية والنظام الديمقراطي الجديد ظهرت الانتخابات الإلكترونية التي أصبحت تمارس وتتطور في العديد من الدول، وباتت مفهوما جديدا آخذا في الانتشار
"
وتأتي قدرة شبكة الإنترنت بوصفها وسيلة لزيادة الاهتمامات السياسية في أنها تتيح للناس بأدنى التكاليف نشر أي موضوعات أو مواد يمكن رؤيتها في كل أرجاء العالم. كما أنها تيسر عملية المزج بين النص والمعلومات المسموعة والمرئية بأساليب من شأنها رفع مستوى الاهتمام بالمحتوى الذي تحمله الشبكة، هذه الأخيرة أصبحت واسطة مهمة يستطيع المواطنون من خلالها التفاعل وشؤون الحياة السياسية وفهمها. وعزز الباحث أفكاره بنتائج دراسة لارسن وريني عام 2002، مفادها أن 42 مليون أميركي قد استخدموا مواقع إلكترونية حكومية للبحث في قضايا سياسية عامة، واستخدم 23 مليون شبكة إنترنت لتوجيه ملاحظاتهم وتعليقاتهم بشأن خيارات سياسية معينة إلى مسؤولين حكوميين، ولجأ 14 مليون أميركي إلى مواقع حكومية لتجميع معلومات تساعدهم على تحديد كيفية الإدلاء بأصواتهم، وشارك 13 مليون أميركي في حملات شنتها جماعات الضغط عبر الإنترنت
.

وفي ظل الجمهورية الإلكترونية والنظام الديمقراطي الجديد ظهرت الانتخابات الإلكترونية التي أصبحت تمارس وتتطور في العديد من الدول، فمع اختراق الإنترنت سائر أرجاء العالم، باتت الانتخابات الالكترونية مفهوما آخذا في الانتشار.

ويبرر الكاتب رهانه الحالي على الإنترنت وغيرها من الوسائل التكنولوجية الأخرى في الرفع من نسبة المشاركين في الانتخابات في العديد من الدول كونها تجنب سلبية الناخب وتسهل مهمته في التصويت.

فالمجتمع الحالي أصبح يعيش عدة ظواهر من شأنها أن تؤثر سلبا على نسبة الناخبين من أهمها انشغال الأشخاص بأمور الحياة نظرا لكثرة حركتهم وتنقلاتهم من أجل العمل أو الزيارات، وكذلك تنامي ظاهرة الهجرة مما يجعل أصوات المواطنين المهاجرين تتأثر بعدة متغيرات مثل البعد عن مقر التصويت الذي يتطلب أحيانا التنقل لأزيد من 100 كلم .

ففي أميركا اليوم يتحدث المسؤولون عن نحو ستة ملايين أميركي موجودين في الخارج ويجدون صعوبة في الإدلاء بأصواتهم، وترى الوكالة الفدرالية للمساعدة الانتخابية الأميركية، أن أكثر من ربع أصوات هؤلاء المواطنين الذين يحاولون الاقتراع تذهب دون احتساب، وهو الأمر الذي يدفع بالكاتب إلى اعتبار هذه التقنيات الجديدة قادرة على تحقيق مشاركة أوسع للناخبين وكبح ضعف إقبالهم عليها.

الإنترنت والانتخابات.. أوباما نموذجا
أصبح أوباما الفائز بالانتخابات الرئاسية الأميركية أول نموذج في التاريخ يحقق الفوز على منافسيه منذ الحملة التمهيدية للانتخابات الرئاسية الأميركية بفضل توظيفه الجيد لتكنولوجيا المعلومات وعلى رأسها شبكة الإنترنت.

ويرى الكاتب أن الشبكة العنكبوتية لعبت دورا نشطا وغير مسبوق في حشد المناصرين والمتطوعين في صفوف المرشحين "أوباما" و"ماكين" من مستخدمي الإنترنت، وذلك في تنظيم أنفسهم وتمويل الحملات الانتخابية وتوسيع دوائر علاقاتهم واتصالاتهم ونشر أخبار مرشحهم المفضل.

"
أصبح أوباما أول نموذج في التاريخ يحقق الفوز على منافسيه منذ الحملة التمهيدية للانتخابات الرئاسية الأميركية بفضل توظيفه الجيد لتكنولوجيا المعلومات وعلى رأسها شبكة الإنترنت
"
ويعتبر الكاتب أن موقع حملة أوباما نجح في جذب مزيد من المستخدمين مقارنة بموقع ماكين، حيث وصلت عدد زيارات المستخدمين لموقع الحملتين 72% لصالح أوباما بنهاية شهر أغسطس/ آب 2008 مقارنة بـ28% فقط لماكين، وذلك حسب أرقام شركة "هيتوايز" البحثية المهتمة بدراسة استخدام الإنترنت
.

كما تؤكد ذات الأرقام أن أوباما لديه ما يزيد على 1.7 مليون صديق على فيسبوك وأكثر من خمسمائة ألف على مايسبيس مقارنة بماكين الذي لديه نحو ثلاثمائة ألف صديق فقط على فيسبوك ونحو 87 ألف فقط على مايسبيس. ويوفر موقع باراك أوباما صفحتي "My Barek Obama" و" My BO " وهي خدمة نشطة على الموقع تتيح لمستخدميها كتابة ملاحظاتهم الشخصية في شكل مدونات وعمل بروفايل خاص للتعريف بأنفسهم وإضافة روابط لمجموعات أو شخصيات مناصرة لحملة الديمقراطيين.

وفي ظل القيود المشددة التي تفرضها لجنة الانتخابات الفدرالية حول عدد التبرعات إلى المرشحين، نجح المرشح الديمقراطي باراك أوباما في صناعة معجزة جديدة لم تشهدها انتخابات الرئاسة الأميركية طوال تاريخها، وذلك بعد أن تبرع له نحو مليوني أميركي بمبالغ صغيرة بدأت من ثلاثة دولارات ولم تتجاوز المائتي دولار، ولقد سعى أوباما لتحقيق هذا الإنجاز منذ أن بدأ حملته في فبراير/ شباط 2007.

وإذا كان الشك والتساؤل ظل قائما عن مدى قوة الإنترنت في لعب دور مهم في الانتخابات العامة، فإن الأرقام الأخيرة لحملة جمع الأموال لأوباما ينبغي أن تبدد كل هذه الشكوك، ويستند الكاتب في طرحه هذا إلى تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز والذي جاء فيه أن أوباما كان يرغب في أن يكون أول مرشح رئاسي يحقق استقلالية في التمويل دون الاعتماد على كبار الممولين الذين غالبا ما يدخلون سباق جمع التبرعات لتحقيق طموح سياسي فيما بعد.

وأضافت الصحيفة أن أوباما عمل على خلق نظام تمويل شعبي مواز كي يتجنب الحاجة إلى الحصول على التمويل الذي تمنحه الحكومة الفدرالية، وبذلك نجح في عمل توازن بين كبار المتبرعين ذوي المصالح وصغار المتبرعين الذين يمثلون المواطن العادي في الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي مكنه من جمع مبلغ هائل وصل إلى 150 مليون دولار شهر سبتمبر/ أيلول 2008، وذلك من خلال اجتذاب 632 ألف متبرع جديد لهذا الشهر.

وبحسب بعض التقديرات بلغت جملة ما جمعه أوباما من أموال عن طريق الإنترنت ما يربو على المليار دولار منذ بداية حملته الرئاسية عام 2006، وهو ما يفوق بمقدار عشر مرات حجم الأموال التي جمعها جون كيري من خلال الإنترنت قبل أربعة أعوام فقط.

"
بحسب بعض التقديرات بلغت جملة ما جمعه أوباما من أموال عن طريق الإنترنت ما يربو على المليار دولار منذ بداية حملته الرئاسية عام2006، وهو ما يفوق بمقدار عشر مرات حجم الأموال التي جمعها جون كيري من خلال الإنترنت قبل أربعة أعوام فقط
"
ويعتبر الكاتب أن أوباما هو المرشح الرئاسي الأميركي الأول الذي راهن على الشباب، إذ أسفرت النتائج عن فوزه بأصوات 67% من الشباب تحت سن الثلاثين.

حيث لم يحدث من قبل أن راهن أي مرشح على الشباب بالشكل الذي قام به أوباما، وكان المرشحون لمنصب الرئاسة في أميركا يرون دائما أن الشباب لا يمكن الاعتماد على أصواتهم لأنهم لا ينتخبون ولا يحبون السياسة ولا يشاركون فيها. لكن أوباما أدرك أن الشباب في أميركا يحتاج فقط إلى من يخاطبه بشكل صحيح، ولقد نجح في استغلال أقرب الطرق إلى قلب الشباب... إنها الإنترنت.

وبذلك يكون أوباما قد نجح فيما أخفق فيه منافسوه باستغلال أحدث تقنيات العصر وتحويلها إلى ماكينة ضخمة لجمع التبرعات وحشد الأنصار، والتعريف بالمواقف، والرد على الخصوم، وإحياء الأمل لدى الشباب في القيام بدور فاعل في الحياة السياسية الأميركية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة