الديمقراطية والمجتمعات المسلحة   
الجمعة 1436/12/4 هـ - الموافق 18/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:52 (مكة المكرمة)، 13:52 (غرينتش)

عرض/ محمد علي ثابت
في أميركا يُصنع مسدس كل عشر ثوان، وفي المقابل هناك عشرون ألف قتيل وثلاثمئة ألف مصاب بالسلاح سنويا، وصرح أوباما أن الأميركيين يقتلون بعضهم بعضاً بمعدل 297 مرة أكثر من اليابان، و49 مرة أكثر من فرنسا، و33 مرة أكثر من إسرائيل.

وينص التعديل الثاني في الدستور الأميركي على أن وجود قوات شعبية جيدة التنظيم ضروري لأمن أي ولاية حرة، فلا يجوز انتهاك حق الناس في اقتناء أسلحة وحملها. واستمد الدستور مادة الحق في التسلح من "الماغنا كارتا" التي أرست أسس الحقوق في القانون الإنجليزي الذي يعتبر الحق في التسلح حقاً طبيعياً. كما يعطي الدستور الحق في امتلاك سلاح بغرض الدفاع عن النفس داخل المنزل.

- العنوان: هل الأسلحة تجعلنا أحرارا؟ الديمقراطية والمجتمعات المسلحة
- المؤلف: فيرمين ديبرابندر
- الناشر: مطبعة جامعة يال
- عدد الصفحات: 296 
- الطبعة: الأولى، 2015

كان الدافع الرئيسي وراء تأييد هذا القانون هو الخوف من الاستبداد الحكومي وسقوط الديمقراطية والحرية الأميركية والتحول إلى دولة مستبدة، فكان حق حمل السلاح الشخصي هو الذي يوفر الحماية للحقوق الأخرى. ولكن هل أدى ذلك التعديل إلى ما كان يصبو إليه المشرعون؟!

في كتابه الذي ينقسم إلى خمسة فصول هي: ثقافة الخوف، الأسلحة والحكومة والاستقلالية، وجه القمع، السلاح وتهديد الديمقراطية، السلطة والديمقراطية، يدق فيرمين ديباربندر أجراس الإنذار من تفشي العنف بسبب انتشار السلاح في أيدي الناس، وبخاصة الشباب الذين هم أكثر عرضة للتأثر بالأفكار العنيفة. وقد التزم المؤلف بعرض حجج الفريقين رغم تأييده الواضح لتقييد حمل السلاح وتوسيع المجتمع المدني على حساب المجتمع المسلح.

ثقافة الخوف
يذكر المؤلف أنه بعد حادث "ساندي هوك" انتظر الجميع أن يسمعوا شيئا من الرابطة القومية للبنادق، وكيف سيكون رد فعلها على المجزرة غير المسبوقة لعشرين طفلا من تلاميذ المدارس في كونكتيكت، ولكنها التزمت الصمت.

وأخيرا استدعت الرابطة الصحافة لإلقاء بيان حول الحادث، ونفى واين لابيير نائب رئيسها أن يكون انتشار السلاح هو المسؤول عن الحادث، بل أرجع الأمر إلى الخلل العقلي، وقال إن هؤلاء المختلين يجب أن يُراقبوا، وأن توضع عليهم العلامات.

وأضاف لابيير أن الإعلام يلعب دورا قذرا في غرس العنف والفساد بين أفراد الشعب، ومثل على ذلك بألعاب الفيديو العنيفة والأفلام الدموية التي تنتجها هوليود والتي تجمل القتل، فالطفل في أميركا يشاهد 16 ألف جريمة قتل و200 ألف حركة عنف قبل أن يصل إلى سن الثامنة عشرة.

ثم يتحول المؤلف إلى وصف ما آل إليه الوضع في المجتمع حيال تفشي حمل السلاح وقال: تظل الحقيقة أن ثقافة السلاح لدينا هي أقل ملاءمة لديمقراطية القرن الحادي والعشرين.. هذا ما يستشعره معظم الأميركيين.. يحسونه عندما يوصلون أطفالهم إلى مدارس أصبحت تشبه بصورة متنامية المخابئ المحصنة، بما تحويه من أنظمة دخول تشبه تلك المستخدمة في السجون... ويحسونه عندما يرون رجلا مدججا بالسلاح في مطعم أو مقهى أو محل بقالة وتتدلى من كتفه بندقية نصف آلية.. ثقافة السلاح لدينا سقيمة إذا كانت تحتم علينا العيش مع الخوف من إطلاق النار جماعيا في الكنائس ومجمعات التسوق والكليات الجامعية.

الاستبداد والسلاح
ينقل الكتاب في الفصل الثاني عن أندرو نابوليتانو -أحد المحافظين المشهورين- قوله إن "الحقيقة التاريخية في حماية التعديل الثاني للحق في امتلاك السلاح، هي أنه ليس يحمي حق إطلاق النار على الغزلان، ولكنه يحمي حق إطلاق النار على الطغاة بقوة فعالة". ويقول إن نابوليتانو يقرر حقيقة أن الدستور لم يصرح بحمل السلاح من أجل الصيد أو الحماية الشخصية فقط، ولكن –كما يقول المؤرخ لاري شويكارت- لجعل الحكومات تضع في ذهنها أن الشعب المسلح لا يمكن التحكم به أو الطغيان عليه كما هو حال الشعوب غير المسلحة.

تسلح المواطنين بشكل متزايد وظهورهم في الأماكن العامة وهم مسلحون، هو في حد ذاته تهديد للسلام المجتمعي والسلامة الشخصية ونسيج المجتمع

ولكن تسلح المواطنين بشكل متزايد وظهورهم في الأماكن العامة وهم مسلحون هو في حد ذاته تهديد للسلام المجتمعي والسلامة الشخصية ونسيج المجتمع، بل والنظام أيضا، وهي الأسباب ذاتها التي أقر الدستور حمل السلاح من أجلها!

لماذا لا تنزع الحكومة السلاح؟
يتساءل الكاتب في الفصل الثالث: لماذا تتسامح الحكومات مع وفرة السلاح في أيدي السكان؟ فعلى افتراض أن من يمتلكون السلطة يميلون نحو القمع وتوسيع نطاق سيطرتهم، وإذا كان المجتمع المسلح عقبة في وجه ذلك الميل، فلماذا لا تعمل الحكومات على نزع السلاح من الشعب؟ هل خوفا من الترسانات التي يمتلكها بعض المواطنين؟ يستبعد المؤلف ذلك جدا.

فالحكومة لديها جيش وقوات لفرض إرادتها، وتتمتع بإمكانات استثنائية في القوة والقدرة. ولكن الحقيقة أن ما يمنع الحكومات من ذلك هو الديمقراطية والخوف من سفك دماء الشعب، فالأسلحة رغم ما تسببه من صداع وقلق للحكومات، فإنها لا تمثل تهديدا وجوديا. فالدولة التي تنفق تريليون دولار على ميزانية الدفاع لن ترهبها قطع السلاح التي في أيدي الشعب.

ثم يختتم المؤلف الفصل مؤكدا أن السلاح لن يحمي الحرية، وأنه ليس علاجا للظلم الذي قد يقع. فالهيمنة الحكومية تنمو وتتجبر سواء كنا مسلحين أم لا، بل على العكس، فحركات الحقوق المدافعة عن حمل السلاح قد توفر الغطاء والدعم للهيمنة الحكومية.

وما يحدث من تجاوزات من يحملون السلاح وحوادث كثيرة دموية، قد تجعل المواطنين يقبلون بالاستبداد الحكومي الذي يوفر لهم الأمن، ولن يلاحظوا القيود التي ستفرض على حريتهم. والحكومة الحديثة لا تحتاج إلى القوة المادية لوضع الشعب تحت قدميها، بل يمكنها إنجاز ذلك القمع بطرق لا يمكن معارضتها أو إعاقتها بمجرد حمل السلاح.

ثمن الحرية
تعتقد الرابطة القومية للبنادق أن آلاف القتلى ومئات الآلاف من الاعتداءات بالسلاح سنويا في الولايات المتحدة هو ثمن للحرية، فالحرية ليست مجانية كما يقول الرئيس السابق للرابطة المتنفذة تشارلتون هيستون. وبنفس المنطق يدعي ممثلو الرابطة أن حمل السلاح يخلق المجتمع المهذب، فالناس سيحترمون بعضهم وسيشكل التسلح ردعا للمعتدين، فالجميع سيفكر مرتين قبل الاعتداء أو المواجهة أو التصرف بعدوانية.

يرد المؤلف في الفصل الرابع أن هذا المنطق يعني أنه كلما انتشر السلاح وقلت اللوائح المقيدة لحمله، أصبحنا أكثر حرية! هذا المنطق يعني أن الأسلحة هي التي تنحت لنا الفضاء اللازم لنتحرك ونوجد فيه كمواطنين ديمقراطيين أحرار، وهي التي تؤمّن لنا حرية التعبير والتجمع والاحتجاج، وأنه لا مجتمع حر إلا المجتمع المسلح! لقد أصبح هدف كل حركات الدفاع عن حق حمل السلاح هو إيجاد المجتمع المسلح، حيث تظهر الأسلحة في كل المدارس والمسارح والمكاتب والمباني الحكومية والكنائس.

فكرة تسليح المجتمع ستجعل الجميع خائفا مرتابا، وإذا كان الناس غير متساوين من ناحية القوة والتسلح فإن هذا قد يُنشئ مجتمعا بدائيا يصرع فيه القويُّ الضعيف

ويضيف أن فكرة حمل السلاح يؤدي إلى الحرية والمساواة فكرة وهمية، بل مضللة للغاية، فهي لن تؤدي إلا إلى ما أسماه هوبز في كتابه "اللوثيان" وهو حرب الكل على الكل. إن فكرة تسليح المجتمع ستجعل الجميع خائفا مرتابا، وإذا كان الناس غير متساوين من ناحية القوة والتسلح فإن هذا قد ينشئ مجتمعا بدائيا، يلقي فيه القويُّ الضعيفَ إلى الخلف، وتصبح الحياة قاسية بغيضة وقصيرة.

لذلك في المجتمع المدني تكون المساواة بين الأفراد وبينهم وبين الحكومات هي التي يجب تحقيقها وتنفيذها بالقانون لا بالسلاح، وهذا ما عناه جون آدامز بقوله "حكومتنا حكومة قانون لا حكومة رجال".

في الفصل الخامس يؤكد المؤلف أن أكبر تهديد للديمقراطية هو ما تفرضه حركة حقوق السلاح بتقليلها من دور القانون، رغم أن مناصري هذه الحركات يدعون عكس ذلك ويقولون إن الأسلحة هامة للقانون والنظام، فالسلاح "يدرأ المجرمين ويردع السلوك الإجرامي".

ويطرح المؤلف سؤالا هاما: لماذا تعتبر الحشود المسلحة مظهرا لغياب القانون في أي مكان بالعالم ما عدا الولايات المتحدة؟ ما المكون الإضافي الذي يضمن أن الأميركيين المسلحين سيلتزمون بالقانون على عكس أي شعب مسلح بالعالم؟

ثم ينقل عن أستاذ القانون الدستوري بجامعة دنفر الدكتور ديفد كوبل قوله إن الحقيقة هي أن الأميركيين لا يثقون في أن حكومتهم وشرطتهم ستحميهم من الجريمة، ولذلك فأميركا تضع ثقتها في مواطنيها.

وفي ختام الكتاب يفسح المؤلف مجالا واسعا لموقف توماس جيفرسون -الرئيس الأميركي الثالث وأحد أهم كتاب إعلان الاستقلال- الذي كان مناصرا للحرية الفردية ومقتنعا بأن كل فرد لديه "بعض الحقوق غير القابلة للتصرف" ومنها حق حمل السلاح.

وفي كتابه "كتاب مألوف" يقتبس جيفرسون عبارة توضح موقفه من هذه القضية حين يقول "خاطئة هي تلك الفكرة التي تضحي بألف ميزة حقيقية من أجل أمر وهمي أو عبثي، هل ستحرم الإنسان من النار لأنها تحرق، أو من الماء لأن أحدا قد يغرق.. والقوانين التي تحظر حمل السلاح هي من هذا النوع، فهي فقط تنزع سلاح من لا يميل إلى ارتكاب الجرائم ولا يعتزم ذلك، وتضعه في يد المعتدي الذي لا يعتد بقانون.. إنها تجعل الأمور أسوأ للمعتدى عليه وتهب الثقة للمعتدي".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة