حروب قذرة   
الاثنين 7/9/1434 هـ - الموافق 15/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:28 (مكة المكرمة)، 12:28 (غرينتش)

عرض/زياد منى
مؤلف هذا الكتاب سبق أن ألف كتابا آخر عن شركة "بلاك ووتر" الأميركية كشف فيه الدور الذي تمارسه في حروب العالم الخاصة وتلك التي تشنها دول (أي ما يعرف بالحروب الرسمية) نيابة عن الإدارة الأميركية وحلفائها.

ويأتي هذا الكتاب ليكشف الحروب السرية التي تخوضها مؤسسات أميركية رسمية، وأحيانًا مؤسسات خاصة بتكليف من واشنطن في مختلف بقاع العالم.

-الكتاب: حروب قذرة، العالم ساحة حرب
-المؤلف: جرمي سكاهِل
-عدد الصفحات: 644
-الناشر: نيشن بُكس نيويورك- أميركا
-
الطبعة: الأولى 2013

المؤلف قضى نحو عشر سنوات في التقصي وقدم للقارئ -عبر كتابه المكون من 55 فصلا بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة- صورة مذهلة ومرعبة في الوقت نفسه عن ممارسات مختلف الإدارات الأميركية، مع التأكيد على أنها تتكامل ولا يختلف بعضها عن بعض إلا في المظهر فقط.

وذكر القراء بأن الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطابه عن الحرب على العراق، أكد أنه ليس ضد الحرب مطلقا، لكنه ضد حروب غبية وغير مدروسة.. وضمن هذا الإطار ينظر إلى محتوى هذا الكتاب، فالمؤلف يعتبر عهد أوباما استكمالًا للسياسات نفسها في العهد الجمهوري، وإن بطرق مختلفة.

فعمليات القتل التي تنفذها إدارته بوساطة طائرات من دون طيار، إضافة إلى الاغتيالات السياسية التي تمارسها مباشرة عبر قنوات خاصة معروفة أو مكتومة تثبت النزعة الحربية والعدوانية لإدارة أوباما، الذي فاز بجائزة نوبل للسلام قبل أن يحقق أي سلام مطلقًا.

ويستعرض المؤلف كافة جوانب عمليات القتل والخطف والسجن والتعذيب والاغتيال في العديد من دول العالم ومنها العراق وباكستان وأفغانستان واليمن والصومال، وتعاون حكومات تلك البلاد مع الإدارة الأميركية في ملاحقة من يعتبرهم الرئيس الأميركي أعداء للولايات المتحدة وبالتالي تجب تصفيتهم بصورة أو بأخرى.

اغتيال العولقي
من عمليات القتل العديدة التي يستعرضها المؤلف تلك المتعلقة بالقيادي في تنظيم القاعدة أنور العولقي، خريج جامعة جورج واشنطن الأميركية الذي قتلته الإدارة الأميركية عام 2009 مع ابنه الشاب عبد الرحمن في منطقة الجوف باليمن في غارة جوية، ومن الأمور التي يركز عليها المؤلف بالخصوص كون الضحية مواطنًا أميركيًّا ولد في ولاية نيومكسيكو، وكونه أيضا أول مواطن أميركي يسقط ضحية عملية اغتيال نفذت عن سبق إصرار وتصميم من حكومته، ودون أي إدانة بجرم، ولا محاكمة ولا حتى اتهام أو توفر أدلة تثبت تورط الرجل في تنفيذ عمليات عسكرية ضد الولايات المتحدة الأميركية أو حتى التخطيط لها.

قضية أنور العولقي بوصفها القضية الأكثر شهرة في هذا الميدان، يمنحها المؤلف مساحة أوسع من غيرها، ولكن الكتاب يستعرض قضايا وملفات أخرى تابعها الكاتب في ظروف وملابسات مختلفة كاشفا هويته أحيانا، ومتخفيا أحيانا أخرى بسبب العواقب والأخطار الناجمة عن البحث الاستقصائي في قضايا حساسة كهذه.

ويتوقف مؤلف الكتاب مع مختلف المؤسسات والقوات الخاصة والخطط والبرامج الأميركية الرسمية المتعلقة بموضوع الكتاب، حيث يستعرض جزءا من تاريخ الولايات المتحدة الأميركية في ممارسة عمليات التخريب والقتل والاغتيال والخطف والتخطيط للانقلابات في أميركا اللاتينية وإفريقيا والمشرق العربي، مع الإشارة إلى أن تلك الأساليب ليست جديدة وتعود في الواقع إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

ويروي الكتاب أيضا قصة توسع حروب الولايات المتحدة الأميركية السرية، وما يصفه بقصة إساءة استخدام الامتيازات التنفيذية وأسرار الدولة، وتبني قوات خاصة مسؤولة عن أعمالها فقط أمام البيت الأبيض. ويشير في هذا الصدد إلى استمرار عقلية "الكرة الأرضية ساحة حرب" من العهد الجمهوري إلى العهد الديمقراطي.

كما يقارب المؤلف مسألة الاغتيالات عبر طائرات بدون طيار (الدرون) من منظور الادعاء بأن التقانة الحربية الأميركية تمكنت من برمجة أسلحة مخصصة لقتل ذكور في سن الخدمة العسكرية تعدهم الإدارة الأميركية أهدافًا شرعية.

والنتيجة -ينقل المؤلف على لسان مايكل بويل الذي كان من رجالات حملة أوباما الانتخابية- استرخاء مستمر في مقاييس تحديد الأهداف التي أصبحت تضم المساجد والجنازات التي يوجد في صفوفها أشخاص غير محاربين أو ليسوا في سن القتال أو الخدمة العسكرية.

ويصل المؤلف إلى نتيجة مفادها أن استخدام الولايات المتحدة الأميركية للطائرات من دون طيار وغارات العمليات الخاصة وصواريخ كروز جعل مهمة الانتصار لديها تمر عبر القتل.

يعرب المؤلف عن إحباطه تجاه سياسة البيت الأبيض التي ترسم من يحق له العيش ومن يستحق القتل، فبسرية كاملة وباسم حماية أمن الولايات المتحدة القومي يتم تأويل القوانين الوطنية

إحباط وخيبة
ويشدد المؤلف أيضا على أن وجود قوائم بأسماء أشخاص مرشحين للاغتيال من قبل الإدارة الأميركية، والتوسع في استخدام الطائرات من دون طيار لذلك الغرض، يعد خيانة لوعد أوباما بجعل مكافحة الإرهاب متناغمة مع دستور الولايات المتحدة الأميركية وقوانينها السائدة، فما تقوم به إدارة أوباما هو جعل عمليات القتل من دون محاكمة، سياسة منهجية في البيت الأبيض، والرئيس أوباما دومًا بحسب المؤلف يمارس القتل المبرمج أسبوعيًّا مستخدمًا تقنية الطائرات من دون طيار خارج سيطرة المشرعين، وبعيدًا من الرقابة الإعلامية.

بل إن المحاكم الأميركية -التي بحثت في طلب صحيفة النيويورك تايمز من الإدارة الأميركية توفير معلومات عن قتلها ثلاثة مواطنين أميركيين هم أنور العولقي وابنه عبد الرحمن الذي لم يكن قد بلغ سن السادسة عشرة، وسمير خان الباكستاني الأصل- أعربت عن إحباطها تجاه سياسة الإدارة في حجب المعلومات عن الشعب.

ويعرب المؤلف عن إحباطه تجاه سياسة البيت الأبيض التي ترسم من يحق له العيش ومن يستحق القتل، فبسرية كاملة وباسم حماية أمن الولايات المتحدة القومي يتم تأويل القوانين الوطنية ذات العلاقة بذلك، ويصدر الرئيس وأعوانه ما يرونه من أحكام وقرارات من خلف أبواب موصدة، هذه السياسة أدخلت الولايات المتحدة الأميركية في نزاع وخلاف مع بقية دول العالم.

ولم تكن في يوم من الأيام الخصوصية الأميركية والتصرف الأحادي الجانب -كما يرى المؤلف- سياسة حزبية وإنما مؤسسة أميركية ثابتة، لذا فإن الحرب على الإرهاب -كما تخوضها الإدارة- أصبحت هدفًا ذاتي الدفع، وهو ما يوجب على الأميركيين أن يتساءلوا إن كانوا فعلا في حرب، ومتى يمكن أن تنتهي هذه الحرب؟

الكاتب يتناول الموضوع من منظور المؤسسة الحاكمة في واشنطن، أي أنه يتساءل عن قانونية تصرفات البيت الأبيض وليس عن جوهرها. فعلى سبيل المثال لا يقدم مفهومه للمصالح العليا الأميركية، ومتى تبدأ وأين تنتهي. بل من الواضح أن مفاهيمه لا تختلف جوهريًّا عن تلك الراسخة في المؤسسة الحاكمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة