ديامس.. سيرة ذاتية   
الثلاثاء 1433/12/29 هـ - الموافق 13/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:11 (مكة المكرمة)، 12:11 (غرينتش)

عرض/ حسن السرات

النجوم لها حياة فريدة خارجة عن المألوف، خاصة نجوم الفن الجماهيري العالمي الواسع في زمن القرية الكونية. وأعجب من حياة الفنانين والرياضيين المشهورين، إسلامهم بعد أن يتبعهم الناس من بقاع شتى. ذلك هو ما جرى لملكة فن الراب الفرنسية العالمية المشهورة بلقب "ديامس" المسماة ميلاني جيورجيادس التي فصلت مغامرتها في كتاب جديد بعنوان "ديامس.. سيرة ذاتية" بعد انسحابها من المنصات والسهرات والجولات عام 2008 والتزامها الصمت بعد أن ذاع خبر اعتناقها دين خاتم الأنبياء. وتزامن ظهور الكتاب مع أول ظهور إعلامي في القناة الفرنسية الأولى بمقابلة مثيرة ولباس شرعي سابغ.

-الكتاب: ديامس.. سيرة ذاتية
-المؤلف: ميلاني جيورجيادس (ديامس)
-عدد الصفحات: 310
-الناشر: دار النشر دون كيشوت- سوي- باريس- فرنسا
-الطبعة: الأولى/ سبتمبر 2012

رغم أن ميلاني وزعت كتابها على خمسة أجزاء مع مقدمة وخاتمة، إلا أنها لم تطلق على فصول الكتاب عناوين وأسماء واكتفت بأرقام، ولعلها على صواب، لأن حكايتها لا تتحمل التقسيمات والتسميات، ومن فتح كتابها لا يستطيع أن يتوقف في القراءة في حياة بدأت بالإثارة منذ البداية ولم تسكن من التقلبات والتوترات والمنعرجات والمنخفضات والتحليقات إلا بعد أن شهدت بالتوحيد ذات ليلة طويلة بجزيرة موريس وحيدة فريدة بين الرمال وتحت أضواء نجوم السماء دون أن تحتاج للشهود من البشر.

المتعجل إلى معرفة لحظة الإسلام سيسلك مسار قصة موسى عليه السلام في سورة طه إذ سارعت هذه السورة الندية الثرية إلى ذكر لحظة الوحي قبل كل شيء كما سارع موسى عليه السلام إلى ربه متعجلا ليرضى، ثم عادت بعد ذلك لذكر ما سبق من المنن والمحن.

لم تكن ميلاني بعيدة عن الإسلام والمسلمين وهي التي عاشت حينا من حياتها بالضواحي حيث يوجد أغلبية ساحقة من المسلمين الفرنسيين، بل كانت لا تأكل لحم الخنزير، وتصوم مع الصائمين دون أن تعرف مغزى تلك العبادة الرفيعة، وأهديت إليها نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم من جمعية للمسلمين، وبقيت تلك النسخة في مكتبتها حتى جاءها القدر الأعلى.

ولكي تعود متلهفة إلى الكتاب العظيم ليشفيها من مرضها النفسي الروحي العضال، فيشرح صدرها ويضع عنها وزرها الذي أنقض ظهرها، كان لزاما أن تعيش فصولا من المآسي الاجتماعية والنفسية، وتشبع من النجومية والعلو والمجد، ثم لا تجد في ذلك العلاج الشافي لأسئلتها ومحنتها، ثم تقرر كسر القيد والخروج من السجن الذهبي وتعود إلى الأرض.

السكوت المخيف
عندما فتحت أبواب الشهرة والنجاح أمام ميلاني اختارت لقب "ديامس" في إحالة إلى الجوهرة النفيسة، فترك اسمها الأصلي واشتهرت بلقبها، وحطمت ديامس الأرقام القياسية في مبيعات الألبومات وفي الجماهير الحاشدة التي تحج لسهراتها وجولاتها عبر ربوع القارات الخمس.

في ظرف خمس سنوات تسلقت المغنية العشرينية سلم الشهرة حتى بلغت قمته وتذوقت "حياة الأميرات" على حد وصفها، وغمرت الموسيقى الكيان والزمان، وصار صعبا أن تعود ملك نفسها، فتحولت إلى مرآة عاكسة لحال الفتيان والفتيات يجدون أنفسهم ومعاناتهم فيها وفي أغانيها، يحبون الغضب والرفض والألم والشكوى، ويجدون عندها الملجأ والمأوى، فباعت مائتي ألف نسخة من ألبومها "امرأة خام"، وثمانمائة ألف نسخة من ألبوها "دي جي"، وفي أكبر تجمع موسيقي عالمي يدعى "انتصارات الموسيقى" حققت أحسن ألبوم لسنة 2003.

وأمام الجمهور الغفير ذرفت الدمع الغزير، شكرا وعرفانا، وانهيارا ووجدانا، فصارت الأمور أعقد وأسرع، ولم يعد بالإمكان استرجاع الحياة العادية، لم تعد تحتمل الراحة والفراغ من الإنتاج الفني. وما إن يكتمل اليوم حتى تبدأ في التفكير والعمل للألبوم الموالي. وصار السكوت يخيفها.

تقول ديامس "البقاء في جنون الموسيقى يهبني معنى الوجود والحياة، وعندما أعود إلى نفسي وحيدة لم يكن يسعفني إلا أن أقوم باستعراض حالي ووجداني فينتصب أمامي الحرمان من الحنان والحب، وحاجتي للمعايير والقيم الهاديات، فأفر من جديد إلى الموسيقى والشهرة في الإذاعات والقنوات والصحف والمجلات".

عندما تعود ديامس في الليل إلى بيتها الصغير يتراءى لها كالصحراء الموحشة، بينما رأسها يكاد ينفجر، تجهش بالبكاء والنحيب مثل طفل صغير

عندما تعود ديامس في الليل إلى بيتها الصغير يتراءى لها كالصحراء الموحشة، بينما رأسها يكاد ينفجر وهي المشهورة في كل مكان، تجهش بالبكاء والنحيب مثل طفل صغير، وعندما تهم بوضع رأسها على وسادتها لا تقبلها سنة ولا نوم ويهاجمها الأرق والقلق.

فلم يجد لها الأطباء النفسانيون إلا المهدئات والمنومات، وإدخالها إلى العيادات النفسية ومراقبة تطور حالها، خاصة بعد الإقدام على محاولة الانتحار بتناول كمية كبيرة من تلك المنومات. فهم لا يملكون اقتلاع العلة ولكن يقدمون لها النوم الاصطناعي كما قالت في مقابلتها مع القناة الفرنسية الأولى.

الانفجار النفسي
كانت تسأل نفسها لقد أوتيت كل شيء، هذا صحيح، ولكن من أكون أنا؟ هل للحياة معنى؟ أين توجد السعادة؟ هل السعادة هي الشهرة والمجد؟ أجل ذلك المجد المنشود كان يأخذ بلبي ويسحرني، فهل هي في المال؟ ما كنت مستطيعة تحويل المال إلى هدوء وراحة بال. هل هي في الزوج؟ لم أكن لأعثر عليه. هل هي في الولد؟ أنا نفسي كنت ذلك الطفل فكيف أن يكون لي؟ هل هي في الجواهر والحلي؟ هي موجودة في عنقي ولكنها كانت تخنقني.

ديامس قنبلة موقوتة تجمعت أجزاؤها الملتهبة من سيرة الأبوين وزواجهما الفاشل وطلاقهما المبكر-على عادة الغربيين إذا تزوجوا والتزموا بالأسرة- ومن طفولة بلا أجنحة العطف والحنان، ومن فتوة ودخول لعالم الشهرة قبل النضج والأوان، فكان الانفجار كتابا موقوتا لا ريب فيه، فوقعت الواقعة بالانتحار المزدوج، مرة في الطفولة، وثانية في الشهرة والشباب، ولولا أجل مسمى للقيت مصير مارلين مورو ومايكل جاكسون وكثير من الآفلين.

الانفجار النفسي الموصل إلى بر الأمان تذكره ديامس جيدا يوم العاشر من يناير/كانون الثاني 2008، فتقول "عدت إلى بيتي، كان علي أن أتمالك نفسي، إذ أن موعدا هاما كان ينتظرني بعد بضعة أسابيع، إنه مهرجان (انتصارات الموسيقى) السنوي. ها هي إقامتي أدخلها من جديد، وهي التي طالما راودتني في الأحلام، وها هي شاشتي الكبرى، وها هي الأشياء النفيسة الجميلة التي حصدتها في الملتقيات والدورات والجولات، ها هي صالوناتي الفسيحة، وها هي أسطواناتي الذهبية التي فزت بها وفاقت العشرين قد رتبت في مكان بارز جميل ترى عند أول نظرة تلقى.. نظرت إلى ذلك كله والوجه مغمور بالدموع الحارة المنسابة بغير إرادة مني.. وانفجرت الطنجرة".

ذهول أمام القرآن الكريم
ذهلت ديامس أمام الإسلام مرتين، الأولى أمام الصلاة، والثانية أمام القرآن الكريم. أما الأولى فكانت عقب خروجها من العيادة النفسية للمرة الثانية، وكانت رفقة صديقتين لها إحداهما مسلمة والأخرى مسيحية، فاستأذنتهما المسلمة لأداء الصلاة، ودون تردد طلبت ديامس من صديقتها المسلمة أن تأخذها معها للصلاة، وفي الركوع والسجود تضرعت وتوسلت، فاستجاب لها السميع العليم، فخرجت من الصلاة على غير الحال الذي دخلت به، وكأن جبالا ثقيلة كانت على الظهر والكتف فألقيت عنها.

يا رب كن شاهدا على أنني أريد اعتناق الإسلام، يا رب قرأت كتابك وأنا مستعدة لاتباع كل ما جاء فيه والعمل به. اغفر لي ما مضى فإني كنت جاهلة

ثم تقودها الصلاة إلى القرآن الكريم، فتتذكر النسخة المهداة التي بقيت سنوات في مكتبتها، تلوم نفسها أشد اللوم وتأخذ معها القرآن الكريم في رحلة سياحية جديدة في جزيرة موريس، وهناك تبدأ الرحلة الكبرى. سابقت ديامس الزمن المحدد لتلك الرحلة لإتمام كتاب الله، وكم كان ذهولها عظيما وهي لا تكف عن القراءة والتدبر "خمسة عشر يوما كانت كافية للتحول والتغيير.. أين كنت من هذا طيلة خمسة وعشرين عاما؟"

ندم شديد وبكاء طويل وطويل تشعر إثره ديامس بالتحرر من السلاسل والأغلال والشياطين والمخاوف، وتقرر النطق بالشهادتين. تلك لحظة قوية تصفها قائلة "كنت أعرف أنه لا بد من شهود يشهدون اعتناقي للدين الجديد لكني كنت وحدي، وقلت لنفسي: الله وحده كاف، أليس الله بشاهد وشهيد على كل شيء. فسارعت وسط الشاطئ ورفعت رأسي إلى السماء وقلت (يا رب كن شاهدا على أنني أريد اعتناق الإسلام، يا رب قرأت كتابك وأنا مستعدة لاتباع كل ما جاء فيه والعمل به. اغفر لي ما مضى فإني كنت جاهلة. أشهد علي يا رب فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله)".

سكينة ميلاني
باعتناق الإسلام تقرر ميلاني، التي اختارت اسم سكينة، أن تطوي الصفحات الخالية وتفتح صفحات جديدة، ورغم حرصها على أن يبقى خبر إسلامها شأنا خاصا ومحصورا في أضيق نطاق، إلا أن الصحافة الفضولية تكشف أمرها وتفتح الصخب حولها، وهو الحال الذي قابلته سكينة بالهدوء والسكوت حتى تهدأ العاصفة. يمتد السكوت ثلاثة أعوام، لكنها طيلة ذلك الوقت كان تزداد تعمقا في فهم الإسلام وتغير وجهة ثروتها نحو الفقراء والأيتام الأفارقة بمؤسسة خيرية مختصة.

وبتغير حالها تغيرت رؤيتها للحياة والأحياء، فتنتقد الغرب وتتهمه بأنه ينسى النعم التي تحيط به ولا يشكر، ويتجاهل الفقراء والمحرومين، فالشكوى واللهف للمزيد حل محل الرضى والقناعة واقتسام الحياة مع الآخرين. ومن قلب المحنة الشاقة الطويلة التي مرت بها تنتقد زرع الأوهام والسراب للشباب، فالشهرة والمجد ليست الجنة الموعودة، بل هي نار وجحيم، "فكم من النساء الشهيرات تحلمن بحياة عادية وزوج وأسرة وأولاد، والانعتاق من حياة الدمى يتحكم فيها من وراء ستار".

وتنتقد سكينة كذلك الطب النفسي الغربي الذي عجز عن شفائها، إذ "بعدما عشت المجد والشهرة وحصلت على الثروة والمال، وغنيت في كل مكان، وجدت نفسي في عيادة نفسية إلى جانب المهتزين والمرضى النفسيين دون جدوى".

لن تكون الأضواء الكاشفة بعد اليوم موجهة إلي، بل ستكون بيدي، فمن كثرة الجري انهارت قواي، ومن كثرة الصراخ فقدت صوتي، ومن كثرة نسيان الجوهر نسيت نفسي

في ختام مغامرتها المثيرة تودع سكينة قراءها قائلة "لن تكون الأضواء الكاشفة بعد اليوم موجهة إلي، بل ستكون بيدي، فمن كثرة الجري انهارت قواي، ومن كثرة الصراخ فقدت صوتي، ومن كثرة نسيان الجوهر نسيت نفسي، ومن كثرة الجري في كل الاتجاهات، فقدت بوصلتي، ومن كثرة إعراضي عن النظر إلى السماء نسيت وجودها، ومن طول وقوفي في المنصات نسيت حجمي الحقيقي، ومن كثرة شكواي نسيت صرخات الآخرين".

ثم توصي قراءها بهذه الكلمات "اليوم لا أنتظر مجدا ولا شهرة، إذ لم أعد سوى قطعة نبات في حقل فسيح. ولكن إذا كتب لنا يوما ما أن نذهب سويا لجني الحصاد أو قراءة رسالة متبادلة، أو المشاركة في حفر بئر في باماكو، أو الوقوف عند سرير طفل مريض، فلم ينته شيء يا أصدقائي. بل على العكس كل شيء يبدأ ها هنا.. إن شاء الله".

المنقذ من الضلال
من الصعب تقريب الرحلة العجيبة لامرأة عاشت الحياة طولا وعرضا في ظرف وجيز، وتذوقت النعيم المعاصر، فوجدته مر المذاق صعب الفراق، في كلمات معدودات، إذ لا بد من قراءة كتابها كلمة كلمة، فالمرأة ليست من العوام المغمورين، ولكنها شاهدة تعرف السفوح والسطوح والدروب والخطوب.

ثم إن شهادتها ليست قائمة بحق الغربيين فقط، بل بحقنا نحن المسلمين إذ نضيع الأوقات والطاقات فيما لا طائل منه، فلا ننفقها في سبيل إنقاذ الأرواح التائهة بالمنقذ من الضلال.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة