المياه كحق من حقوق الإنسان   
السبت 1431/11/16 هـ - الموافق 23/10/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:15 (مكة المكرمة)، 14:15 (غرينتش)

عرض/ عبد الحافظ الصاوي 

يوجد نوع من عدم الوضوح لدى الكثيرين في التفرقة بين مفهومين مختلفين يتعلقان باستخدام المياه باعتبارها المكون الأساسي للحياة، وهذان المفهومان هما: هل المياه تشكل مجرد حاجة أساسية للإنسان؟ أم إن حصول الإنسان على المياه يمثل جزءا من حقوقه الأساسية؟

هذا الكتاب عبر فصوله العشرة، يشير إلى الفارق الكبير بين المفهومين وما يترتب عليهما من التزامات في عنق الحكومات والمنظمات الدولية. وقد أشار التمهيد الخاص بالكتاب إلى تطور الاهتمام العالمي بمسألة حصول الأفراد على مياه الشرب والصرف الصحي الآمن، وبخاصة بعد النصف الثاني من القرن العشرين، وما طرأ في هذا المجال على أجندة الأمم المتحدة بإعلان الفترة بين عامي 1981 و1990 عقدًا دوليا للإمداد بالمياه والصرف الصحي، كما أن الأهداف الإنمائية للألفية الثالثة تضمنت أهمية الحصول على المياه النظيفة والصرف الصحي.

-الكتاب: المياه كحق من حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
-المؤلف: مجموعة باحثين
-المترجم: سعيد الحسنية
-عدد الصفحات: 295

-
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون (لبنان)، ومركز البحوث للتنمية الدولية (كندا)
-
الطبعة: الأولى/ 2010
ويناقش الكتاب موقف منطقة الشرق الأوسط من حصول الإنسان على المياه كحق من حقوقه من خلال الفرص والتحديات التي تواجه ذلك، وكذلك الوضع في المناطق الفلسطينية المحتلة، والتصور المصري لتفعيل الحق في المياه، وكذلك الوضع في لبنان، مع الإشارة إلى ما يتعلق بقضية المياه في أهداف الألفية الثالثة.

ومن المقدمات المهمة التي حواها الفصل الأول، تصور القطاع الخاص بدول المنطقة حول كون حصول الأفراد على المياه من حقوقهم الأساسية، فيبين أن وجهة نظر القطاع الخاص تتبلور في أن دوره ينحصر في العقود المبرمة مع الحكومات بتنفيذ مشروعات، دون الدخول في مناقشات فلسفية لا تعنيه.

وبرهن الكتاب على موقف القطاع الخاص بتصريح لأحد المديرين الرفيعي المستوى بهذا القطاع نصه "إذا كانت الأمم المتحدة تعتبر المياه حقًا من حقوق الإنسان فلا مشكلة لدينا. يتعين على الأمم المتحدة أن تناقش هذه القضية مع الحكومات مباشرة.

لقد تسلمنا امتيازات للقيام بمهمة محددة، ونحن نخطط للقيام بهذه المهمة لا أقل ولا أكثر. إن لدينا اهتماما محدودا بالمناقشات الفلسفية بغض النظر عن قيمتها، ومهما تكن".

حلم بعيد المنال
على الرغم من الوضع الحرج لقضية المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإنه يُلاحظ غياب الاهتمام بشكل مثير للقلق بين دول المنطقة بالمفهوم الأشمل لحق الإنسان في المياه، فالمتوسط السنوي للموارد المائية بالمنطقة ككل يقل عن 1500 متر مكعب، وينخفض هذا المعدل في بلدان كثيرة عن 500 متر مكعب، ويأتي ذلك في ظل اعتماد الزراعات بهذه البلدان على الري، والقليل منها يعتمد على المطر، في ظل تزايد مستمر للسكان.

ويركز الكتاب على أن ثقافة المنطقة تجاه توفير مياه الشرب للآدميين مفروغ منها ولا تحتاج إلى زيادة تأكيد أو إيضاح بسبب ترسخ الثقافة الدينية التي تؤكد على هذا المعنى، ولكن المشكلة تبقى في توفير المياه لنشاط الزراعة واستخدام المياه بشكل يحافظ على استدامة بيئية، ولا يعني هذا أن حكومات المنطقة تقبل بإقرار حصول الأفراد على المياه كحق من حقوق الإنسان، شأنها في ذلك شأن بقية دول العالم، فالقبول بحق الإنسان في الحصول على المياه يعني قانونًا مقاضاة الدولة التي تقصر في أداء هذا الحق، وإلزامها بدفع تعويضات تجاه من قصرت في حقهم.

"
القبول بحق الإنسان في الحصول على المياه يعني قانونًا مقاضاة الدولة التي تقصر في أداء هذا الحق، وإلزامها بدفع تعويضات تجاه من قصرت في حقهم
"
ويتضمن الكتاب تقييما لأداء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فيما يتعلق بإمكانية تحقيق الأهداف الإنمائية، ويخلص إلى وجود أداء مرضٍ لإمكانية تحقيق أهداف الألفية في مجال مياه الشرب والصرف الصحي باستثناء اليمن، كما أن الوضع داخل البلد الواحد يختلف فيه الأداء بين الريف والحضر، حيث يُلاحظ التركيز على المناطق الحضرية دون الريفية، وهو ما يشجع على تزايد الهجرة من الريف إلى الحضر داخل بلدان المنطقة.

ويخلص الفصل الثاني من الكتاب إلى أن حق الحصول على المياه بشكل يومي ما زال حلما بعيد المنال لعدد لا بأس به من سكان معظم بلدان المنطقة. كما تم طرح تساؤل مهم وهو إذا ما تم التسليم بكون حصول الفرد على المياه حق من حقوقه الأساسية، فعلى من يقع تنفيذ هذا الحق؟

إسرائيل والتحكم بمياه الأراضي الفلسطينية المحتلة
تسيطر إسرائيل على كافة الأنشطة الاقتصادية والمالية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد عملت على إبطال كافة القوانين والإجراءات الصادرة من السلطات العثمانية أو الأردنية أو تلك الصادرة إبان الانتداب البريطاني، وذلك بغرض سيطرتها على كافة الأنشطة الاقتصادية.

والمعروف أن الموارد المائية شحيحة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتنحصر في ثلاثة خزانات جوفية في الضفة وخزان وحيد في قطاع غزة، وتسيطر على إدارة الموارد المائية شركة "ميكيروت" الإسرائيلية، كما توجد فجوة كبيرة بين إمدادات المياه والطلب عليها في الأراضي الفلسطينية.

وتصطنع إسرائيل العراقيل لعدم استمرار الإمدادات المائية، وترفض تقديم أي بيانات مائية وتعتبرها قضية أمنية، إلا أن المقرر الخاص للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة يشير إلى أن استهلاك المستوطن الإسرائيلي من المياه يمثل سبعة أضعاف ما يستهلكه المواطن الفلسطيني.

"
الموارد المائية شحيحة في الأراضي الفلسطينية المحتلة, وتسيطر على إدارة الموارد المائية شركة "ميكيروت" الإسرائيلية، كما توجد فجوة كبيرة بين إمدادات المياه والطلب عليها في الأراضي الفلسطينية
"
كما أشار الكتاب إلى تقديرات البنك الدولي لمتوسط استهلاك الفرد في الضفة الغربية وغزة بنحو 106 لترات يوميا، وذلك حسب متوسط إمدادات المياه، وفي ظل سوء شبكة المياه فإن نصيب الفرد يتدنى لنحو 65 لترا يوميا، وذكر الكتاب نحو 18 منطقة داخل الضفة الغربية يحصل الفرد فيها على نصيب من 2 إلى 17 لترا يوميا فقط.

ويؤكد الكتاب أن الوضع في ظل السلطة الفلسطينية لم يتغير بالنسبة لسيطرة إسرائيل على الموارد المائية والأرض، غير أن السلطة أصدرت قانونًا في العام 2002 نص على أن "لكل شخص الحق في الحصول على احتياجاته من المياه ذات النوعية الجيدة من أجل تلبية احتياجاته البشرية". لكن إنزال هذا النص على أرض الواقع يعوقه استمرار وقوع الأراضي الفلسطينية تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي.

الوضع في مصر ولبنان
يذهب الكتاب إلى أن التنمية المستدامة بمصر تعترضها مجموعة من العوائق، وأهم العوائق التي تعترض قضية المياه تتمثل في: ندرة المياه، وتدهور نوعية المياه، وتجزؤ إدارة المياه بين مؤسسات مختلفة، واستعاضة تكاليف خدمات الموارد المائية، فضلا عن أن منابع النيل -الذي يمثل 98% من مصادر المياه العذبة بمصر- خارج الحدود المصرية.

وعن استخدام المياه فإن قطاع الزراعة يستحوذ على نحو 82%، بينما لا تستحوذ الاستخدامات المنزلية والصناعية إلا على 15%. ولمواجهة التحديات المائية وضعت مصر خطتها القومية للموارد المائية، اعتمدت على إيجاد موارد مائية إضافية والتعاون مع دول حوض النيل، والاستخدام الأمثل للموارد المالية الحالية، والحفاظ على نوعية المياه والبيئة. وقدرت الاستثمارات اللازمة لتنفيذ هذه الخطة التي تمتد للفترة بين عامي 2003 و2017، بنحو 145 مليار جنيه مصري، لا يتحمل القطاع الخاص منها سوى 5%، وتعتبر هذه الخطة أن المياه حق إنساني في المقام الأول.

ويشير الكتاب إلى أن خدمات مياه الشرب في مصر بلغت بالمناطق الحضرية نسبة 100% وفي الريف نحو 98%، إلا أن الإحصاءات تشير أيضا إلى وفاة 17 ألف طفل مصري بأمراض الإسهال نتيجة عدم استيفاء مياه الشرب المعايير المطلوبة، كما قدرت التكلفة الإجمالية لتلوث المياه في مصر بنحو 2.9 مليار جنيه مصري، بما يعادل نسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي. أما خدمات الصرف الصحي فبلغت في الحضر نسبة 60% وفي المناطق الريفية نسبة 4%.

أما لبنان فقد بلغ تقدير موارده المائية ما بين 400 و1000 مليون متر مكعب سنويا، بينما يبلغ الطلب على المياه نحو 1551 مليون متر مكعب سنويًا، وسوف يتضاعف الطلب على المياه في لبنان بحلول العام 2030 ليصل إلى 3068 مليون متر مكعب.

"
من معوقات تطبيق مفهوم حقوق الإنسان في المياه بلبنان، نقص القدرات، وافتقاد الإرادة السياسية، والسياسات الليبرالية الحديثة، والتوتر القائم حول موارد المياه العابرة للحدود
"
وفي الوقت الذي تشير فيه مصادر رسمية لبنانية إلى حصول نسبة 100% من السكان على المياه الصالحة للشرب، فإن نحو 56.1% من اللبنانيين يستخدمون مياه شبكة المياه العامة بينما باقي السكان يستخدمون المياه المعباة.

وعن معوقات تطبيق مفهوم حقوق الإنسان في المياه بلبنان، أشار الكتاب إلى أربعة أسباب وهي: نقص القدرات، وافتقاد الإرادة السياسية، والسياسات الليبرالية الحديثة، والتوتر القائم حول موارد المياه العابرة للحدود، فضلا عن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة التي أدت إلى تدمير البنية الأساسية الخاصة بالمياه، واستمرار إسرائيل في منع سكان قرى الجنوب من الاستفادة مياه نهر الحاصباني- الوزاني.

ويصل الفصل الخاص بوضع لبنان إلى نتيجة مفادها وجود فجوة بين القبول السياسي الضمني بمفهوم حق الإنسان في المياه وبين العجز عن تطبيق المفهوم، ويطالب هذا الفصل مجلس النواب اللبناني بإصدار تشريع محدد يؤسس للحق في المياه ويرسخ المعايير والثوابت ذات العلاقة للبنان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة