في قلب العاصفة   
الخميس 1428/8/17 هـ - الموافق 30/8/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:42 (مكة المكرمة)، 12:42 (غرينتش)

عرض/إبراهيم غرايبة
يعرض المؤلف جورج تينيت المدير السابق للمخابرات المركزية في كتابه هذا الأعمال الداخلية لأهم منظمة استخبارية في العالم في فترة أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001.

ويحلل الوقائع المتشابكة التي أفضت إلى تلك الأحداث ويقدم معلومات جديدة عن المداولات والإستراتيجيات التي توجت بغزو العراق.

من الجدير بالذكر أن تينيت قد عمل مديرا للمخابرات المركزية الأميركية بين عامي 1997 و2004.

- الكتاب: في قلب العاصفة
- المؤلف: جورج تينيت، بالاشتراك مع بيل هارلو
- المترجم: عمر الأيوبي
- عدد الصفحات: 512
- الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت
- الطبعة: الأولى/2007

تينيت مدير سي آي أي
ولد تينيت لأب مهاجر من اليونان وأم ألبانية مهاجرة، وقد درس علم الدبلوماسية في جامعة جورج تاون، والعلاقات الدولية في جامعة كولومبيا، وهو يعمل بعد تقاعده من الخدمة في الهيئة التعليمية بجامعة كولومبيا.

وقبل اختياره مديرا لسي آي أي كان تينيت نائبا لمديرها، وقد بدأت الوكالة في عهده تمر بتحولات كبرى ومهمة لمواجهة التحديات الجديدة الناشئة عن الإرهاب والتطرف.

وكانت الوكالة عقب انهيار الاتحاد السوفياتي قد خفضت مواردها وكفاءاتها الفنية من الضباط والمحللين والجواسيس، ودخلت في مرحلة من الإهمال والتراجع، ولكنها عادت من جديد لاجتذاب أفضل المواهب من خريجي الجامعات والشباب المؤهلين والعلماء والمهندسين.

وتبلغ نسبة موظفي الوكالة الذين التحقوا بالخدمة في عهد تينيت إلى مجموع موظفيها 40%، وبالطبع فقد زادت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001 من أهمية الوكالة وعززت موقعها في السياسات الأميركية، وفي عام 2004 كانت تحتفل بتخريج أكبر فوج من الضباط السريين في تاريخها.

كان برنامج عمل تينيت يبدأ من الساعة السادسة إلا ربعا صباحا بالاطلاع على التقارير الاستخبارية، وإعداد تقرير اطلاعي يومي يكون على مكتب الرئيس في الصباح الباكر، وأحيانا يشارك الرئيس مناقشة التقرير اليومي بحضور نائب الرئيس ومستشار الأمن القومي وكبير موظفي البيت الأبيض.

ويحضر في كثير من الأحيان المسؤولون الأمنيون والسياسيون الذين يتعلق عملهم بالأحداث الجارية، ويساهم بشكل أساسي في إعداد هذا التقرير شخص يسمى "مطلع الرئيس"، تكون مهمته مرافقة الرئيس بشكل دائم وقضاء النهار والليل في الإعداد والمتابعة حول المستجدات والأسئلة المتوقعة.

وعادة ما ينقل هذا الشخص من عمله بعد سنة واحدة للمحافظة على سلامته العقلية ولتمكينه من مواصلة حياته العائلية.

وعندما يصل تينيت إلى مكتبه في العاشرة صباحا بعد انتهاء الاجتماع اليومي مع الرئيس يكون جدوله اليومي قد أعد، ويكون مزدحما بالمقابلات والاجتماعات وأعمال المتابعة والقرارات المتعلقة بقدر هائل من التقارير والدراسات التي تعدها أكثر من خمس عشرة وكالة متخصصة.

من تلك الوكالات وكالة الأمن القومي المتخصصة في متابعة واعتراض الاتصالات، والاستخبارات الأرضية والفضائية المتخصصة في تحليل صور الأقمار الاصطناعية.

ويتابع تينيت الاتصالات برؤساء أجهزة الاستخبارات الأجنبية، ويقوم بالمشاركة في اجتماعات وأعمال الكونغرس للاستماع والاطلاع والمناقشة.

"
ياسر عرفات هو الثابت الوحيد في الشرق الأوسط بين عامي 1968 و2004، وهو الحقيقة الوحيدة والصلبة التي لا يمكن تجنبها لأن عملية السلام لن تنجح بدونه
"
ويقتضي العمل أيضا السفر حول أنحاء العالم، وبخاصة الشرق الأوسط وجنوب آسيا وآسيا الوسطى -المناطق التي تمثل في الفترة الأخيرة ساحة عمل رئيسة ومهمة- لأجل العمل المشترك وبناء علاقات استخبارية ومهنية.

ومن القضايا التي شغلت بها الوكالة كثيرا قضية الصراع العربي الإسرائيلي والتسوية السياسية لهذا الصراع، وفي مرحلة ما بعد أوسلو عملت الوكالة مع المسؤولين الفلسطينيين على تطوير خطة أمنية لمواجهة العنف.

ويتحدث تينيت في هذا السياق عن المسؤولين الأمنيين الفلسطينيين الذين عمل معهم، أمثال محمد دحلان وجبريل الرجوب وأمين الهندي، ويقول إنهم يتحدثون العبرية جيدا، ويتنافسون فيما بينهم، ويتمتعون بقدر من الغرور، ويصعب التمييز بين الحديث الرسمي والشخصي لديهم، مشيرا إلى أن دحلان كان ميالا إلى إلقاء خطب متكلفة بشأن الاضطهاد الذي لحق بشعبه، وكانت لديه دائما غاية من وراء ذلك.

ومن الطرف التي يرويها عن دحلان أنه لعب وإياه في منتجع واي بلانتيشن عام 1998 البلياردو، بناء على اقتراح من دحلان وعلى طريقة تجنب إدخال كرات البلياردو في الجيب، وكان واضحا لديهما أنها طريقة في اللعب تمثل عملية السلام الجارية نفسها.

وفي الاجتماعات التي يشارك فيها الإسرائيليون كان مسؤول الموساد إسرائيل حسون يقاطع دحلان عندما يدخل في خطابات مطولة بالقول "أبو فادي" ويمط الألف، ثم يتحدث إليه بالعربية، وغالبا ما يكون تأثير ذلك مدهشا.

ثم يعلق تينيت بالقول: كانت العملية كلها مدهشة، فكل كلمة وإيماءة، وكل تملص وحركة خادعة واندفاعة تبدو أحيانا وكأنها موضوعة قبل آلاف السنين.

وفي مفاوضات واي بلانتيشن الطويلة ركز الإسرائيليون كثيرا على إطلاق سراح جوناثان بولارد الجاسوس الإسرائيلي المعتقل في الولايات المتحدة، ولكن الإدارة الأميركية أصرت على عدم إطلاق سراحه، وقال تينيت إن إطلاق سراح بولارد يعني استقالته من منصبه.

ويخصص تينيت فصلا للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، فيصفه بأنه الثابت الوحيد في الشرق الأوسط بين عامي 1968 و2004، وكانت الحقيقة الوحيدة والصلبة كما يقول تينيت والتي لا يمكن تجنبها أن عملية السلام لن تنجح بدونه.

ويقول إن الإسرائيليين يعرفون ذلك جيدا أفضل من أي شخص آخر في العالم، ويقول تينيت "لم أستطع أن أمنع نفسي من الإعجاب به".

الوكالة بعد أحداث 11 سبتمبر
يسيطر11/9 كما يقول تينيت على الوعي القومي في الولايات المتحدة الأميركية، مع أن موضع "العنف الإسلامي" كان الشغل الشاغل للاستخبارات الأميركية قبل ذلك.

"
طالبان كانت تعتبر صديقة حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وكانت باكستان تعتبر تحالف الشمال الذي ترعاه الهند وروسيا عدوها اللدود
"
ولكن جميع الأحداث التي وقعت من قبل مثل تفجير ثكنة المارينز والسفارة الأميركية في لبنان لم تكن بأهمية 11/9، يقول تينيت إن الأحداث كانت نتيجة لتنامي كراهية الغرب في العالم الإسلامي.

في تلك الأثناء كان أسامة بن لادن اسما مغمورا يظهر في حركة المعلومات الاستخبارية، ولم يكن معروفا بالضبط ما الذي يريده بن لادن من وراء تمويل جماعات "إرهابية"، والجماعات المقاتلة في أفغانستان والبوسنة والهرسك وأنحاء كثيرة في العالم.

وفي أواسط التسعينيات أصبح بن لادن محط اهتمام الوكالة، وشكلت محطة في سي آي أي لمتابعة بن لادن.

وكان بن لادن قد عاد إلى السعودية بعد الانسحاب السوفياتي من أفغانستان، ولكنه انتقل إلى السودان ليجمع هناك عددا كبيرا من قادة وأفراد الجماعات الإسلامية المسلحة التي كانت تعمل في أفغانستان، وبدأ يبعث بمجموعات مقاتلة إلى الصومال وأفريقيا.

ولكن بن لادن تحول إلى عبء على مضيفيه السودانيين، فطلبوا منه المغادرة، فانتقل إلى أفغانستان، وكان ذلك برأي تينيت أمرا سيئا بالنسبة للأميركان، إذ استطاع في أفغانستان أن يعمل بحرية واسعة وكفاءة أفضل من ذي قبل.

وكانت المخابرات الباكستانية الحليفة لسي آي أي تدافع عن حركة طالبان، التي كانت تعتبر صديقة حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وكانت باكستان تعتبر تحالف الشمال الذي ترعاه الهند وروسيا عدوها اللدود.

ولكن بعد ذلك بدأت سي آي أي عمليات واسعة النطاق في أفغانستان وفي جميع أنحاء العالم لملاحقة القاعدة وطالبان، وقد أدت عمليات الاعتقال والتحقيق للوصول إلى معلومات دقيقة عن نشاط القاعدة، فقد أوصل اعتقال أحمد رسام في كندا إلى أبو زبيدة والشيبة وخالد الشيخ الذين هم من أهم قادة القاعدة، وتواصلت حلقات الاعتقال ومعها معلومات جديدة عن الخلايا والمجموعات.

هل كان يمكن تجنب أحداث 11/9؟ يتساءل تينيت، وبالطبع فقد كان هذا السؤال موضوعا سياسيا وإعلاميا على مدى الفترة التي أعقبت الأحداث وعلى كل المستويات.

ومن وجهة نظر تينيت والمخابرات الأميركية فقد كانت تجري عمليات ملاحقة وتحليلات واسعة ومعقدة، وكانت ثمة معلومات دقيقة عن استعداد لعمليات "إرهابية" تستهدف الولايات المتحدة الأميركية ومصالحها، وقد أدرجت قائمة من الأسماء لمراقبتها ومنعها من دخول الولايات المتحدة، ولكن بعض هذه الأسماء لم توضع بالفعل في المراكز الحدودية.

وقد لاحظت الوكالة أن عددا من المدرجين على قوائم الإرهابيين قد دخلوا إلى الولايات المتحدة بالفعل، وقد ضيعت برأي تينيت فرص كثيرة لاعتقال منفذي هجمات 11/9، وربما كانت المفاجأة في التخطيط للأحداث أن المنفذين أدركوا أن الولايات المتحدة الأميركية لم تفكر في حماية نفسها داخل حدودها.

فلم توضع السياسات لمعالجة انعدام الارتباط بين أمن الطائرات، ووضع الأشخاص على لوائح المراقبة، ومراقبة الحدود، وسياسات منح التأشيرات، ولم يكن هناك نظام شامل متعدد الطبقات للحماية الداخلية للتعويض عن الضعف الداخلي الذي اتضح بجلاء فيما بعد.

"
أميركا لم تذهب إلى الحرب في العراق بسبب أسلحة الدمار الشامل، مع أن ذلك كان السبب الذي قدم لتبرير الحرب، ولكن الحقيقة هي أن الحرب يقررها زعماء بلد بسبب اعتقادات جوهرية وحسابات جيوإستراتيجية وأيدولوجية أوسع
"
الحرب على العراق
يقول تينيت إن من أعظم الألغاز بالنسبة إليه متى أصبحت الحرب على العراق أمرا حتميا، ويقول إن صدام حسين لم يكن واردا عند التفكير والتخطيط لما بعد 11/9، وكان محللو الوكالة يغضبون من الدعوات الصاخبة للاستقصاءات المتكررة عن العراق والقاعدة.

وأضاف أن بعض صناع السياسة الأميركية مثل سكوتي ليبي وبول ولفويتز كانوا يبدون غير راضين عن إجابات المخابرات الأميركية بشأن مزاعم عن تواطؤ عراقي مع القاعدة.

ويقول تينيت إن موضوع العراق كان قد بدأ يتراجع قبل 11/9 لحساب أحداث أخرى أكثر أهمية بالنسبة للمخابرات، مثل الصين والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وفي أغسطس/آب 2001 كان يدير مجموعة عمليات الوكالة في العراق ضابط من أصل كوبي، وكان يقول إنه موجود في الولايات المتحدة بسبب عمل فاشل في خليج الخنازير الكوبي، وأنه لا ينوي أن يقود فشلا آخر.

وللتحقق من عدم حدوث ذلك فقد أجرى مراجعة للدروس المستفادة من التاريخ الأميركي الطويل غير المفرح في تنفيذ العمليات ضد العراق منذ نهاية حرب الخليج في سنة 1991، وكانت الرسالة الرئيسية المستمدة من المراجعة أنه لا يمكن إزاحة صدام حسين عن طريق العمل السري وحده.

وقد استنتج بعض المسؤولين الحكوميين الكبار والعلماء في وسائل الإعلام في أوائل عام 2002 أن سي آي أي غير راغبة في تولي مهمة صعبة للغاية، ولكن تينيت يرد بأن الأمر لم يكن كذلك، ولكن صدام كان عميق الجذور وكان لديه العديد من الطبقات الأمنية المحيطة به بحيث تصعب إزاحته.

وبعد 11/9 أصبح العديد من قادة إدارة بوش يثيرون موضوع العراق باعتباره عملا لم ينجز بعد، فاستغلوا التأثير العاطفي لهجمات 11/9 وأنشؤوا علاقة نفسية بين الفشل في اتخاذ إجراء حاسم ضد القاعدة والخطر الذي تمثله أسلحة الدمار الشامل في العراق.

وكانت الرسالة "لا يمكننا تحمل مفاجأة ثانية"، وفي حالة العراق إذا تآكلت العقوبات ولم يجر عمل شيء فقد نستيقظ ذات يوم لنجد أن صدام يمتلك أسلحة نووية، ولن يكون بوسعنا عمل شيء، ولا نريد أن نخوض حربا نووية في مواجهة صدام.

ويقول تينيت إن الولايات المتحدة لم تذهب إلى الحرب في العراق بسبب أسلحة الدمار الشامل، ومع ذلك فقد كان ذلك هو السبب الذي قدم لتبرير الحرب، ولكن الحرب كما يقول تينيت يقررها زعماء بلد بسبب اعتقادات جوهرية وحسابات جيوإستراتيجية وأيديولوجية أوسع.

وفي حالة العراق كانت بسبب نظرة الإدارة غير الواضحة إلى أن التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط من خلال تغيير النظام في العراق جدير بالثمن، وما أسلحة الدمار الشامل كما نقلت مجلة "فانتي فير" عن بول ولفويتز إلا أمر "قر رأينا عليه" لأنها القضية الوحيدة التي يمكن أن يتفق عليها الجميع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة