خمسون عاما على ثورة أكتوبر السودانية   
الثلاثاء 1437/1/1 هـ - الموافق 13/10/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:17 (مكة المكرمة)، 14:17 (غرينتش)


عرض/عثمان كباشي
في يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول عام 1964 ثار السودانيون على الدكتاتورية العسكرية التي وأدت الحكم الديمقراطي الأول في البلاد (1956 - 1958) قبل أن يكمل سنواته الخمس الأولى فيما عرف وقتذاك بانقلاب 17 نوفمبر أو انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958.

كانت ثورة أكتوبر/تشرين الأول تتويجا لحراك عام انتظم الشارع السوداني الذي رفض الانقلاب منذ يومه الأول، وهو حراك شاركت فيه كل القوى السياسية السودانية تقريبا، وإن كان للطلاب فيه النصيب الوافر، خاصة ختام ذلك الحراك الذي استجاب فيه العسكر لضغط الشارع المتمثل بالمظاهرات التي انطلقت من جامعة الخرطوم.

ففي ذلك اليوم حل الرئيس الفريق عبود المجلس العسكري ومجلس الوزراء، وتولت السلطة بعده حكومة قومية برئاسة سر الختم الخليفة.

-العنوان: خمسون عاما على ثورة أكتوبر السودانية 1964 – 2014.. نهوض السودان الباكر.
-المؤلفون: مجموعة باحثين
-الناشر: مركز الدراسات السودانية.
-عدد الصفحات: 511

والآن وبعد مرور خمسين عاما على هذه الثورة السلمية لا يزال الجدل يدور بشأنها، وقد صدر مؤخرا كتاب بعنوان: خمسون عاما على ثورة أكتوبر/تشرين الأول السودانية.. 1964 - 2014.. نهوض السودان الباكر.

احتفاء الشعر وتأخر النثر
وهذا الكتاب هو مجموعة أوراق شارك بها عدد من الباحثين خاصة من الذين شهدوا وقائع ثورة أكتوبر/تشرين الأول. ويعتبر من الكتب النادرة التي تتناول هذا الحدث المفصلي في تاريخ السودان الحديث، حيث يقول البروفيسور عبد الله على إبراهيم أستاذ التاريخ الأفريقي بجامعة ميسوري الأميركية "لا أعرف ثورة اكتنفها الشعر وأرخص بها النثر مثل ثورة أكتوبر/تشرين الأول، وبلغ من احتفاء الشعر والغناء بها أن أجاب طالب على سؤال صحيفة في ذكرى الثورة قبل عامين أو ثلاثة عن مدى معرفته بها، فقال إنه لم يسمع بها إلا في الأغاني الوطنية. وما سمعه منها شديد الدلالة على أنها كانت ثورة قيمة".

يسعى الكتاب وفق ما جاء في توطئته إلى "أن يكون احتفاء بالحدث الأكتوبري من جهة ووقفة تأملية من جهة أخرى.. إن قصارى ما يطمح إليه الكتاب أن يقدم من خلال مجموع مادته صورة عامة حية لعناصر ثورة أكتوبر/تشرين الأول الأساسية وما تعنيه وتمثله للسودانيين في كفاحهم المستمر".

فصول الكتاب
يقع الكتاب -الصادر عن مركز الدراسات السودانية- في أربعة أقسام هي أوراق وشهادات ومقابلات وملاحق، وبحسب محرري الكتاب وهم: حيدر إبراهيم علي، وعبد السلام نور الدين، ومحمد محمود، وعبد الوهاب همت، فإنهم قصدوا بذلك التقسيم الموضوعي أن يقدموا للقراء "قماشة تتناسخ فيها خيوط قصة الثورة كحدث مع خيوط التأمل والتحليل، وهذا التناسخ أقوى ما يكون في قسم الأوراق. وبينما يسود عنصر القصة في قسم الشهادات، إلا أننا قصدنا في قسم المقابلات أن تمتزج القصة بعنصر التأمل والتحليل".

كانت ثورة أكتوبر/تشرين الأول تتويجا لحراك عام انتظم الشارع السوداني الذي رفض الانقلاب منذ يومه الأول، وهو حراك شاركت فيه كل القوى السياسية السودانية تقريبا، وإن كان للطلاب فيه النصيب الوافر منه

مجموعة الأوراق أعدها باحثون وشهود عاصروا أحداث الثورة بكامل تفاصيلها، ومن أبرز هذه الأوراق: جبهة الهيئات: موعد قصير الأجل مع التاريخ التي أعدها أحمد بابكر محمد الخير.

وهذه الورقة تسلط الضوء على دور الجبهة الوطنية للهيئات المهمة في الثورة، والجبهة هي عبارة عن هيئات مهنية منظمة تولت قيادة العمل ضد الحكم العسكري في أعقاب مقتل الطالب أحمد القرشي برصاص الشرطة في جامعة الخرطوم يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول 1964. ويرى كاتب الورقة أن "ثورة أكتوبر ما كانت لتأخذ مسارها الذي حفظه التاريخ لولا تصدي جهات مهنية منظمة لقيادة أحداث الغضب الشعبي منذ بدايته".

ويثمن الكاتب دور الجبهة بقوله "جبهة الهيئات استجابة عبقرية وموفقة للتحدي الذي فرضته أكتوبر/تشرين الأول، ارتفعت الجبهة لمستوى مسؤوليتها التاريخية من غير تردد أو تهاون وقدمت للشعب قيادة فورية استطاعت عبر طرحها المتفرد للإضراب السياسي والعصيان المدني أن تحول ثورتها السلمية لقوة كاسحة لم تستطع آلة عنف النظام العسكري الوقوف في وجهها".

ومن الأوراق أيضا "ثورة أكتوبر/تشرين الأول: صعود وهبوط مشروع الحداثة" والتي أعدها رئيس مركز الدراسات السودانية حيدر إبراهيم.

يؤكد الكاتب في هذه الورقة أن سلاح الإضراب السياسي وهو وسيلة ثورة أكتوبر/تشرين الأول النضالية، كان شكلا حديثا أبدعته عبقرية الشعب السوداني، وتمكن الشعب بواسطته من الإطاحة بالحكم العسكري، وذلك من خلال التنظيم الجيد والتظاهر وإيقاف حركة العمل وصولا إلى إصابة البلاد بالشلل.

ويشير الكاتب إلى ظهور بعض ملامح الحداثة في المؤسسة العسكرية عندما انحازت مجموعات من صغار الضباط إلى ثورة الشعب، ولم تمارس الدور التقليدي للجيوش في قمع شعبها.

ويتساءل الكاتب في ختام ورقته عن أسباب تراجع قوى الحداثة وعجزها بعد خمسين عاما عن الإتيان بالفعل الثوري الحداثي الذي أبدعته في ثورة أكتوبر/تشرين الأول.

ثم الورقة التي أعدها عبد الله الفكي البشير بعنوان ثورة أكتوبر/تشرين الأول ومناخ الستينيات: الإنجاز والكبوات.

يحاول البشير في ورقته هذه تقديم قراءة أولية لثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964 من خلال استقراء مناخ عقد ستينيات القرن العشرين في السودان. ويقف عند مناخ نفس العقد في العالم، باعتباره عقدا لانتصار حركة الحقوق المدنية، وازدهار حركات التحرر الوطني، والخطاب القومي والعروبي، وحركة الزنوجة وأسئلة الهوية، وباعتباره عقدا كذلك للتشريع لمفهوم التعدد الثقافي الذي برز لأول مرة إلى حيز الوجود غداة الحرب العالمية الثانية.

ويرى الكاتب أن السودان من حيث المكونات والإرث التاريخي، وهو تحت حكم عسكري، لم يكن بمعزل عن المشهد العالمي، حيث عبرت شعوب السودان عن أشواقها وتطلعاتها للتغيير بثورة شعبية سلمية عزلاء إلا من قوة إجماعها فاستطاعت أن تغير حكما عسكريا بالقوة.

وفي اعتقاد الكاتب أن الثورة ورغم قوتها، لم تستطع أن تحقق التغيير في اتجاه الحقوق المدنية والاعتراف بالتعدد الثقافي، بل تبعتها كبوات فكرية وسياسية ودستورية كبرى ظل السودان ولا يزال يعاني منها.

ثمة شهادة لا بد أن تقال، وهي أن هذا الكتاب من الأعمال المهمة فيما يخص عملية التأريخ والتوثيق لأحداث ثورة أكتوبر، هذه الثورة المنسية محليا وإقليميا، والتي لا تزال تثير جدلا في المشهد السياسي السوداني

وهناك ثلاث أوراق عن الحركة الطلابية ودورها الواضح في ثورة أكتوبر/تشرين الأول، وورقة عن الحركة العمالية. ومن عناوين الأوراق أيضا: اليسار السوداني وأكتوبر: استكمال المهمة باستكمال المراجعة النقدية للكاتب عبد العزيز حسين الصاوي، وأخرى بعنوان: ثورة أكتوبر التي لم تكتمل لعميد الصحافة السودانية الأستاذ محجوب محمد صالح، وورقة الدكتور النور حمد التي حملت عنوان: ثورة أكتوبر: من الأيقونة إلى التشريح.

الطلاب.. أيقونة الثورة
ضم الكتاب بين دفتيه ثلاث أوراق عن دور الطلاب في الثورة، وكما أشرت آنفا فقد كان للطلاب وخاصة في جامعة الخرطوم دور بارز في ثورة أكتوبر/تشرين الأول حتى أن البعض يسميها بثورة الطلاب، لكن هذه التسمية لم تعجب السودانيين حين أوردها الصحفي المصري البارز محمد حسنين هيكل، لأن السياق الذي وردت فيه ما كان لتمجيد دور الطلاب بقدر ما كان تقليلا من شأن الثورة برمتها.

والأوراق المشار إليها هي: "الحركة الطلابية في جامعة القاهرة فرع الخرطوم ومقاومة نظام عبود" وهي بتوقيع صلاح علي. و"دور الطلاب والشباب في التغيير ما بين أكتوبر 1964 وأكتوبر 2014" للدكتور عطا البطحاني. ثم ورقة "ثورة أكتوبر ووعد الحركة الطلابية" للكاتب محمد محمود.

وإلى جانب الأوراق احتوى الكتاب أيضا على شهادات ومقابلات بعض الشخوص الذين عايشوا أكتوبر وكانوا فاعلين في كل سياقاتها. ويمكن الإشارة إلى بعض الأسماء في هذا الإطار مثل: محمد مالك عثمان، وتاج السر مكي، وعبد السلام نور الدين -وهو أحد محرري الكتاب- وفاروق أبو عيسى، علي نور الدين، وغيرهم.

وثمة شهادة لا بد أن تقال، وهي أن هذا الكتاب من الأعمال المهمة فيما يخص عملية التأريخ والتوثيق لأحداث ثورة أكتوبر، تلك الثورة المنسية محليا وإقليميا، والتي لا تزال تثير جدلا في المشهد السياسي السوداني.

والكتاب نفسه سيثير جدلا، خاصة في أوساط بعض القوى التي توصف بالتقليدية "أحزاب الأمة والاتحادي والإخوان المسلمين" المتهمة من قبل قوى أخرى "الحزب الشيوعي والتنظيمات المهنية" بأنها كانت حجر عثرة في سبيل تحقيق أكتوبر/تشرين الأول لأهدافها المرجوة، لأن معظم أوراقه تقريبا سارت على ذلك المنوال، إلى جانب أنه خلا من أي مشاركات لشخصيات بارزة من المعسكر المسمى بالقوى التقليدية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة