إدارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة   
الأحد 1430/5/2 هـ - الموافق 26/4/2009 م (آخر تحديث) الساعة 8:49 (مكة المكرمة)، 5:49 (غرينتش)
عرض/ عبد الحافظ الصاوي
عادة ما ينظر إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على أنها مخرج لعلاج مشكلة البطالة، وأنها لا تستلزم من التكاليف ما تتطلبه المؤساست الكبيرة، حيث إن تكلفة إنشاء المؤسسة الصغيرة أو المتوسطة أقل، كما أن قدراتها على مواجهة التحديات واتخاذ القرار أسرع من الكبيرة.
 
-الكتاب: إدارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (تبدل أدوار المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في عصر العولمة)
-المؤلف: مالكوم شاوف وآخرون
-المترجم: د. طارق عبد الباري وآخرون
-عدد الصفحات: 275
-الناشر: المكتبة الأكاديمية, القاهرة
-الطبعة: الأولى 2009
وعادة ما توصف المشروعات الصغيرة والمتوسطة للبلدان النامية لأمرين: الأول الدفع بمعدلات النمو الاقتصادي لمواجهة الفقر، والثاني قدرتها على استيعاب عدد أكبر من العمالة بتكلفة أقل.

لكن في ظل العولمة فإن هذه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لم يعد دورها قاصرا على التطلعات المحلية داخل الدول التي تمارس فيها نشاطها، ولكن أصبح مجال التصدير والدخول في أطر أكبر من المحيط القطري، هدفاً لهذه المؤسسات.
 
وبحكم الواقع المغاير لهذه المؤسسات في دولة متقدمة مثل ألمانيا، فإن الكتاب الذي بين أيدينا يستعرض من خلال فصوله السبعة التجربة الألمانية، من حيث معايير التصنيف لهذه المؤسسات وأداؤها والتحديات المفروضة عليها في ظل العولمة، ومن حيث إستراتيجيات العمل وإدارة الأفراد والتمويل وتعرضها للإفلاس.

التصنيف والأداء الاقتصادي
توجد مجموعة من المعايير لتصنيف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، من جهة عدد العمال، أو حجم المبيعات، أو حجم رؤوس الأموال. ويظهر الكتاب المعيار الألماني لتصنيف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بأنها تلك المؤسسات التي يقل عدد العاملين فيها عن 500 عامل، ويصل حجم دوران المبيعات بها أقل من 50 مليون يورو سنوياً.
 
ومع ذلك يوجد تضارب في حصر عدد هذه المؤسسات،  فبعض الأرقام تشير إلى أن عددها بلغ 2.9 مليون مؤسسة عام 2003 حسب حصر ضريبة المبيعات، بينما يشير معهد بون للأبحاث إلى وجود 3.3 ملايين مؤسسة عام 2004، تضم 280 ألف مؤسسة في مجال الصناعات التحويلية، و315 ألفا في مجال أعمال البناء، و418 ألفا في تجارة التجزئة، و80 ألفا في مجال الخدمات. أما مؤسسات المهن الحرة فتبلغ نحو 817 ألفا، في حين بلغت المؤسسات الحرفية 560 ألفا.
 
"
المعيار الألماني لتصنيف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة هي تلك المؤسسات التي يقل عدد العاملين فيها عن 500 عامل، ويصل حجم دوران المبيعات بها أقل من 50 مليون يورو سنوياً
"
وتوفر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في ألمانيا 80% من فرص التدريب المهني، وتساهم بنحو 49% من القيمة المضافة التي تحققها كافة المؤسسات، وتقوم بتشغيل 46% من إجمالي الاستثمارات و70% من إجمالي عدد العاملين.
 
ووفق بيانات 2003 صدرت 327 ألف مؤسسة صغيرة ومتوسطة منتجاتها وخدماتها إلى الخارج. ويوجد لنحو 100 ألف مؤسسة صغيرة ومتوسطة ألمانية استثمارات مباشرة في الخارج، تتمثل في مواقع تسويقية ومشاركات تجارية ومشروعات مشتركة، ومواقع إنتاجية خاصة بها.
 
كما تساهم هذه المؤسسات في العمل الخيري بشكل ملحوظ، إذ يشير الكتاب إلى أن 80.6% منها تشارك في العمل الخيري. وفي المتوسط تخصص كل مؤسسة ما قيمته 0.7% من إجمالي المبيعات السنوي للعمل الخيري. ومن هذه المؤشرات يخلص الكتاب إلى أن هذه المؤسسات تمثل العمود الفقري للاقتصاد الألماني.

في مواجهة تحديات العولمة
يبين الكتاب مجموعة من نقاط الضعف التي تواجه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الألمانية في خوضها غمار العولمة، ومنها:

1- ضعف الموارد اللازمة في النواحي الإدارية أو الجانب العلمي أو رأس المال، حيث تستعين هذه المؤسسات في عملها بموارد بشرية مالية محدودة قد تناسب عملها على الصعيد المحلي، ولكنها تقل بكثير عن احتياجاتها على الصعيد الدولي.

2- ويظهر ذلك بوضوح في حال رغبة نقل نشاط المؤسسة إلى الخارج، فلا يتوافر لديها كوادر كافية تمكنها من فتح فروع جديدة، إذ إن الكوادر الفنية والمدربة لديها قليلة، وتكون أمام خيار الاحتفاظ بهذه الكفاءات في الداخل أو إلحاقها بالفرع الجديد في الخارج، ولا يمكن تعويض هذه الكفاءات في الأجل القصير.

3- هناك تكلفة لم تأخذها هذه المؤسسات في الحسبان فيما يتعلق بتكلفة الإنتاج الخارجي، مثل الانتقالات والترجمة الشفهية والتحريرية. كما قد تضطر لاستقدام عمالة من بلد المنشأ من أجل الحفاظ على جودة منتجاتها.

4- عدم إتقان القائمين عليها استخدام الإنترنت بالقدر الكافي، مما أدى إلى زيادة صعوبة التواصل بالقدر الكافي من أجل متابعة أعمال هذه المؤسسات في الخارج.

5- اختلاف المناخ العام الذي تعمل فيه الفروع الخارجية لهذه المؤسسات يسبب مشكلات قد توقع في مخاطر إشهار الإفلاس، من حيث اختلاف الظروف السياسية والثقافية وبخاصة عامل اللغة، مما يؤدي إلى عدم نقل الخبرة العلمية التخصصية والكفاءة المهنية للقائمين على إدارة المشروع في الخارج، وهو ما أدى إلى خفض جودة المنتجات وضعف الجانب العلمي وأحياناً السرقة العلمية.
 
"
دراسة الحالة الألمانية أثبتت أن المؤسسة التي اعتمدت النظام الرقمي استطاعت أن تحقق مكاسب ملموسة خلال ستة أشهر، كما أن بقاء المؤسسات بعيداً عن هذا المجال لن يكون في صالحها، بل سيضطرها إليه عملاؤها في ظل العولمة
"
أهمية التخطيط والتسويق
غياب التخطيط الإستراتيجي في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من النتائج الهامة التي رصدها الكتاب ويعزوها إلى كثرة الأعباء الإدارية اليومية ونجاح الوضع الاقتصادي الحالي، مما يساعد على عدم التفكير إستراتيجياً، وهو أمر لا يتناسب مع طبيعة أداء اقتصادات العولمة.
 
وينبغي أن يكون التخطيط الإستراتيجي مبكراً، ولا يتم التفكير فيه من جراء المرور بأزمة ما.
 
وقد فرضت العولمة تحدي المنافسة على جميع المؤسسات، ولذلك يرى الكتاب أهمية الجانب التسويقي رغم أن معظم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ترى في التسويق عبئا ثقيلا، مما يجعلهم ينظرون إليه على أنه أمر هامشي.
 
ويركز الكتاب على طرح مجموعة من مفاهيم التسويق وسياساته تتناسب واحتياجات هذه المؤسسات، مثل سياسات التسعير والتوزيع والاتصال والإعلام، والوصول بها إلى ما يسمى المزيج التسويقي الذي يتناسب وأهداف المؤسسة ويلبي احتياجات المستهلك، ويستدل على دور التسويق في ترويج المنتجات بالمثل الألماني القائل "من المهم أن يعجب الطُعم السمكة، لا أن يعجب الصياد".
 
وفي إطار تعظيم استفادة المؤسسات من شبكة الإنترنت يشير الكتاب إلى مكاسب يمكن أن تحققها هذه المؤسسات من التعامل عبر شبكة المعلومات، ليس ذلك من خلال صفحة "الويب" الخاصة بالمؤسسات أو استخدامها في الأغراض التسويقية أو الإعلانية، ولكن من خلال التعامل الرقمي مع العملاء، أيا كانت طبيعتهم موردين أو مسوقين أو مستوردين، فإنجاز هذه التعاملات إلكترونياً يساهم في خفض التكاليف وسرعة دوران معدلات المبيعات ورؤوس الأموال.
 
ويشير الكتاب إلى أن دراسة الحالة الألمانية أثبتت أن المؤسسة التي اعتمدت النظام الرقمي استطاعت أن تحقق مكاسب ملموسة خلال ستة أشهر، كما أن بقاء المؤسسات بعيداً عن هذا المجال لن يكون في صالحها، بل سيضطرها إليه عملاؤها في ظل العولمة حيث يفضلون التعامل الرقمي.
 
ويرصد تجربة المؤسسة الصغيرة والمتوسطة في ألمانيا في استجلاب العمالة عبر التدريب الداخلي بنسبة كبيرة، وتستفيد هذه المؤسسات من خدمة مكتب العمل ومستشار التوظيف بنسبة 20% فقط، ويغلب عليها تدبير احتياجاتها المتبقية من العمالة عبر الإعلان في شبكة الإنترنت، ورصد الكتاب أن 56% من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تعلن عن طلبها للوظائف عبر الإنترنت.
 
وتتمتع هذه المؤسسات بصيغ مرنة في التوظيف والتقييم للعمالة، وعادة ما يتم التقييم عبر التعامل المباشر ومعرفة الكثير عن الأحوال الشخصية للعاملين بخلاف المؤسسات الكبرى.
 
"
قد لا يكون الإفلاس مهددا للمؤسسة ذاتها ولكنه يعتري مجموعة من عملائها، وبذلك فإدارة تلك المؤسسات مطالبة بتصحيح القيم التي تعمل في إطارها إذا ما واجهتها مثل هذه المشكلات بشكل مباشر
"
سهولة دخول السوق والخروج منه
في ضوء السياق الرأسمالي الحاكم للاقتصاد الألماني، فإن الخروج من السوق يعد أحد المؤشرات الإيجابية التي تسمح بعدم وجود كيانات غير كفؤة، وقد شهد عاما 2004 و2005 دخول عدد كبير من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى السوق لأول مرة.
 
ويرجع هذا إلى الدعم المقدم من قبل الحكومة للكيانات الجديدة إذا ما كانت بمبادرة من عاطلين عن العمل، ووصل عدد المؤسسات التي أنشئت تحت هذا الإطار عام 2004 نحو 183.5 ألف مؤسسة.
 
مما يميز الكتاب أنه مجموعة متكاملة من الدراسات الخاصة بواقع تجربة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في ألمانيا، وليس مجرد مجموعة من الفصول تتكامل فيما بينها، ولكنه في الفصل الأخير يتناول الجوانب القانونية لحالات الإفلاس باعتبارها أحد جوانب العمل الاقتصادي.
 
ويشير الكتاب إلى أن هذه المؤسسات بوجه خاص معرضة للإفلاس بسبب ندرة وجود كوادر متخصصة يمكنها التعرف على الأزمات وكيفية إدارتها.
 
وقد لا يكون الإفلاس مهددا للمؤسسة ذاتها ولكنه يعتري مجموعة من عملائها، وبذلك فإدارة تلك المؤسسات مطالبة بتصحيح القيم التي تعمل في إطارها إذا ما وجهتها مثل هذه المشكلات بشكل مباشر.
 
وعن حالات الإفلاس في الاقتصاد الألماني يشير الكتاب إلى أنها بلغت بين الأفراد في أغسطس/آب 2005 نحو 6097 حالة بزيادة نسبتها 40.4% عن معدل نفس الشهر من عام 2004، وبالنسبة للمؤسسات فقد بلغت حالات الإفلاس في أغسطس/آب 2005 أيضاً 3103 حالات بانخفاض نسبته 1.2% مقارنة بنفس الشهر من عام 2004.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة