الإسلاميون المغاربة   
الثلاثاء 1427/3/6 هـ - الموافق 4/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:50 (مكة المكرمة)، 13:50 (غرينتش)

عرض/حسن السرات
يعتبر كتاب "الإسلاميون المغاربة.. تحد للملكية" من الكتب القليلة التي تناولت بالعرض والتحليل المنهجي العلمي ظاهرة الإسلامية في المغرب.

وصاحبة الكتاب ليست غريبة عن المغرب وملكيته وإسلامييه، لأن مليكة الزغل المولودة عام 1965 طالبة سابقة بالمدرسة العليا بفرنسا، حاصلة على دكتوراه في العلوم السياسية، ومهتمة بدراسة العلاقة بين المجال الديني والمجال السياسي في العالم العربي، خاصة في مصر وتونس والمغرب.

- الكتاب: الإسلاميون المغاربة.. تحد للملكية
- المؤلفة: مليكة الزغل
- عدد الصفحات: 327
- الناشر: دار لاديكوفيرت، باريس/ودار لوفنينيك، الدار البيضاء
- الطبعة: الأولى/2005

وهي كذلك مهتمة بدراسة الإسلام في بلدان المهجر، خاصة تنظيم المجال الديني ومؤسساته في الولايات المتحدة الأميركية. لها كتاب "حراس الإسلام: علماء الأزهر في مصر المعاصرة" صدر عام 1996، وهي أستاذة بمدرسة الدراسات العليا للعلوم السياسية بباريس وبجامعة شيكاغو الأميركية.

طبع كتابها بالمغرب بمساعدة مصلحة التعاون والعمل الثقافي التابعة للسفارة الفرنسية بالمغرب، وطبع طبعة أخرى بفرنسا في التاريخ نفسه عن دار لاديكوفيرت.

وبني هذا الكتاب على عمل ميداني استمر بين عامي 1999 و2003، التقت فيه الباحثة بعلماء وطلبة بجامعة القرويين ودار الحديث الحسنية وزعماء الحركة الإسلامية والمسؤولين الدينيين بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ومراقبين معنيين بالحركة الإسلامية المغربية.

كما اعتمدت على ما نشرته الصحف المغربية المعنية بالإسلاميين أو الصادرة عنهم مثل صحيفة "العلم" الصادرة عن حزب الاستقلال، وجريدة "التجديد" الصادرة عن حركة التوحيد والإصلاح.

قسمت مليكة الزغل كتابها إلى عشرة فصول ومقدمة وخاتمة فضلا عن معجم صغير ولائحة بالمراجع..

وتطمح المؤلفة إلى توضيح العلاقة بين الدين الإسلامي والنظام الملكي المغربي والديمقراطية.

والإسلاميون الذين يشملهم الكتاب هم العلماء والسلفيون والصوفيون وجماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية.

تدجين العلماء
ترى الكاتبة أن الملكية المغربية بإعلانها الانتماء إلى بيت النبوة تعتمد على الدين لتجعله أساسا للمشروعية، ولكن هذا الدين يمثل لها في الوقت نفسه عقبة وعائقا.

فهي تسعى لاحتكاره لصالحها من دون الأطراف الأخرى، ومع ذلك تدرك تمام الإدراك أن الأطراف الإسلامية، وعلى رأسها العلماء، هم إما مصدر تمكين وتزكية وإما مصدر إزعاج وقلق، ولذلك تتصرف إزاءهم وفق إستراتيجيتين، إستراتيجية الهضم والاحتواء، وإستراتيجية التهميش والإقصاء..

وتفصل الباحثة طويلا في علاقة العلماء بالنظام الملكي في زمن الاستعمار ومكافحته، ضاربة لذلك بعض الأمثلة من التاريخ السياسي الحالي للمغرب.

وعبر محطات تاريخية مختلفة، ترصد الكاتبة التدافع بين الملك والزعيم الإسلامي علال الفاسي الذي ظل شوكة في الحلق وهاجسا بالليل والنهار، إلى أن خذله الأقربون بعد أن أقصاه الحاكمون.

"
الملكية المغربية بإعلانها الانتماء إلى بيت النبوة تعتمد على الدين لتجعله أساسا للمشروعية، ولكن هذا الدين يمثل لها في الوقت نفسه عقبة وعائقا
"
وتجلت إستراتيجية الهضم والاحتواء في تفتيت جبهة العلماء وإعادة بنائها وإلحاقها بالمخزن، فلا تخطو إلا بإذنه، ولا تكلم إلا بإذنه، ولا تدافع إلا عنه، ولا تعادي إلا من عاداه، بينما تجلت إستراتيجية التهميش والإقصاء في بناء جدار عازل بين العلماء والحياة العامة، خاصة الحياة السياسية، وترك مساحة ضيقة يشتغلون فيها وينشغلون بها وهي مساحة الأحوال الشخصية، فضلا عن فقه الطهارة والوضوء وترقيع الصلاة.

من أبرز العلماء الذين راودتهم الملكية بالتدجين والاحتواء فاستعصموا، وسعت إلى تهميشهم وإقصائهم فامتنعوا، العالمان الشهيران علال الفاسي وعبد الله كنون.

أما الأول فجمع بين النشاط السياسي الهادر والرصيد العلمي النادر والكفاح من أجل الاستقلال، فصار بذلك هاجسا دائما للملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني، إلى أن وافته المنية في عهد الحسن الثاني.

وأما عبد الله كنون فكان رئيس رابطة العلماء بالمغرب، وبذل كل جهده لتكون هيئة العلماء المغاربة حرة في حركتها ولسانها قادرة على نصح الجميع بمن فيهم الملك، وكثيرا ما عبر كنون عن المعارضة الهادئة لكن طوق الحصار أحكم من حوله، فلم يسمع صوته لدى الناس وإن صار مثل علال الفاسي وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية.

الصوفي الثائر
تخصص الكاتبة فصلا كاملا للحديث عن زعيم جماعة العدل والإحسان المغربية الشيخ عبد السلام ياسين، وتحدد سنة 1974 لتجعلها علامة فارقة في تاريخ عهد الملك الحسن الثاني إذ راح الانقلابيون وجاء الإسلاميون.

في تلك السنوات ظهر عبد السلام ياسين، وكان قد تمرد من قبل على الطريقة الصوفية البودشيشية، فخرج باحثا عن تصوف يجمع بين التربية الوجدانية الروحية والنضال السياسي السلمي.

وكان أول عمل قام به هو أن أرسل رسالة نصح إلى الملك الحسن الثاني تحت عنوان "الإسلام أو الطوفان".

وترى الباحثة أن عبد السلام ياسين استلهم تاريخ المغرب العامر بالنماذج المهدوية التي جهرت بالنصح ثم تحولت إلى الثورة والتمرد، ثم انتهت إلى تأسيس سلطان قطري أو محلي، مثل محمد الكتاني المتوفى عام 1909 في سجون الملك العلوي المولى حفيظ، والحسن اليوسي المتوفى عام 1691 الذي شهد سقوط دولة السعديين وقيام دولة العلويين بالمغرب.

وتفسر قوة الجماعة التي بناها عبد السلام ياسين بالتقاء عاملين اثنين، الاهتمام بالعضو من جهة، وبناء الجماعة من جهة ثانية.

وتستعرض الباحثة أدبيات الجماعة وموجزا عن تاريخ شيخها وتاريخها، وتعرض لرسالة النصح الثانية "رسالة إلى من يهمه الأمر" التي بعث بها ياسين بعد أيام من وفاة الحسن الثاني إلى الملك الجديد محمد السادس.

وتتوقف عند العلاقة بين الشيخ والمريدين، فتذكر أن بعض الطقوس التي تحرص الملكية عليها توجد في الجماعة مثل تقبيل اليد، وتبجيل الشيخ إلى درجة التقديس بمعية كريمته ندية ياسين، وتعتمد الكاتبة في هذا على شهادات عضوات من الجماعة يصفن فيها الشيخ وبنته بالشريفين، ويحكين مشاهد لهما في الرؤى والأحلام، كما تعتمد على ما ورد في كتب الشيخ، خاصة كتابه "العدل"، من اعتباره لنفسه مبعوثا من الله وموعودا بالنصر.

وخلال العرض تحدد مكامن قوة الجماعة وعلى رأسها الشيخ واستعراض القوة بين الحين والحين.

"
حركة التوحيد والإصلاح المغربية غير معارضة للملك والنظام الملكي، بل هي فوق ذلك تظهر تأييدها لإمارة المؤمنين وتعتبرها مكسبا إسلاميا يوصد الباب أمام العلمانية ويفتح الطريق أمام تعزيز الإسلام
"
إسلاميون ملكيون
وفي مقابل "ثورة" العدل والإحسان، تقدم الباحثة حركة التوحيد والإصلاح المغربية على أنها غير معارضة للملك والنظام الملكي، بل هي فوق ذلك مظهرة لتأييدها لإمارة المؤمنين وجاعلة منها مكسبا إسلاميا يوصد الباب أمام العلمانية ويفتح الطريق أمام تعزيز الإسلامية.

لذلك تصف مليكة الزغل إسلاميي التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية بأنهم "إسلاميون ملكيون"، وتقدم للقراء الفرنكوفونيين موجزا عن تاريخ هذه الحركة التي توحدت فيها عدة فصائل من فصائل الحركة الإسلامية بالمغرب صيف 1996 ضد سياق التفرق والتشرذم في المغرب وفي العالم العربي والإسلامي.

وتركز الكاتبة بشكل خاص على التجربة السياسية لهذه الحركة عبر حزب العدالة والتنمية، وهو حزب أسسه الدكتور عبد الكريم الخطيب وسماه حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية وظل عازفا عن المشاركة في الانتخابات بسبب تزويرها على عهد إدريس البصري وزير الداخلية في عهد الملك الحسن الثاني، إلى أن دق الإسلاميون بابه باحثين عن حزب سياسي يشتغلون من خلاله بعد أن سدت في وجوههم سبل تأسيس حزب خاص بهم وأبواب أحزاب سياسية قائمة على رأسها حزب الاستقلال.

ولما دخل أعضاء حركة التوحيد والإصلاح إلى حزب الخطيب أعادوا بناء كل شيء فيه ماديا وبشريا إذ وجدوه فارغا من كل شيء إلا من رصيد زعيمه الخطيب.

وتقوم الباحثة بقراءة في وثائق حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، خاصة الوثائق المنظرة للموقف السياسي من الملكية، فتقف عند تأييد الهيئتين لإمارة المؤمنين دون تأييد قداسة الأمير، كما تقف عند البيعة التي قدمتها حركة التوحيد والإصلاح للملك محمد السادس بعد وفاة أبيه الحسن الثاني.

وتتابع الكاتبة الصعود السياسي والانتخابي لحزب العدالة والتنمية منذ التحاق أعضاء التوحيد والإصلاح به ومشاركتهم الانتخابية الأولى حتى حصولهم على أكثر من 40 مقعدا من مقاعد البرلمان.

غير أن المؤلفة تكشف أن عدد المقاعد التي حصل عليها الحزب أكثر من ذلك مما اضطر السلطات الحاكمة إلى عقد لقاءات سرية مع حزب العدالة والتنمية، على حد قولها، لإقناعه بقبول النتيجة في وقت دقيق تميز بتداعيات تفجيرات الدار البيضاء في مايو/أيار 2003.

القصر بين الإسلامية والعلمانية
تلقي مليكة الزغل نظرة تحليلية على الثابت والمتغير في علاقة القصر مع الحركات الإسلامية، فترى أن ظهور الإسلاميين كمنافس لأمير المؤمنين على ساحة مشتركة هي المرجعية الدينية، واختلاف الإسلاميين في مواقفهم من الملكية ما بين معارض مثل جماعة العدل والإحسان، ومعترف كحركة التوحيد والإصلاح، ومشارك في اللعبة السياسية مثل حزب العدالة والتنمية، دفع بالنظام السياسي المغربي إلى تعديل إستراتيجيته في التعامل مع الإسلام، واستغلال الفروق بين المتنافسين.

بعد أن سعى الحسن الثاني إلى إضعاف العلماء وتفكيك جبهتهم وإدخالهم في الآلة المخزنية في عقدي ما بعد الاستقلال، ظلت الملكية تقدم نفسها خلال سنوات 1970 و1980 في صورة مطابقة للإسلام، غير أن دخول الإسلاميين في المشهد الديني ثم السياسي أرغم الملكية على فك الارتباط مع الدين الإسلامي بوتيرة متصاعدة مع الاحتفاظ بدور الفاعل الرئيسي الساهر على تنظيم الحقل الديني، مع استثمار الفروق بين الإسلاميين عن طريق إدماج الفصيل المعترف به في الساحة السياسية وفتح المجال أمامه بقدر مرسوم للانخراط في التداول السياسي، وإغلاقه أمام المعارضين من دون قطع شعرة معاوية.

وتخلص الباحثة إلى أن هذه السياسة الدينية تضع الملكية المغربية أمام مفارقة صعبة، إذ تبقى باشتغالها كمؤسسة دينية تحافظ على شيء من قداستها التي ترفعها فوق أي نقاش سياسي، ولكنها في الوقت نفسه تجمعها متشابهات مع باقي الفاعلين الإسلاميين المتشددين تجاهها الحريصين على تقليدها أصلا وعملا.

لكن ملكية المغرب لا تجد نفسها أمام تحدي الإسلامية والإسلاميين فحسب، بل تضغط عليها دعوات نخبوية قوية للمضي نحو العلمنة وفصل الدين عن الدولة، وذلك ما يضاعف من مفارقتها وانشغالها بمستقبلها والحفاظ على سياسة التوازن التي برع فيها الملك الحسن الثاني ليضمن مزيدا من العمر للملكية العلوية المغربية.

"
من رشد الملكية والإسلاميين في المغرب أنهما تجنبا مخاطر الصراع بينهما لإدراكهما أن نتيجة الصراع ذاهبة لا محالة إلى طرف ثالث يتربص الدوائر بهما جميعا
"
فوبيا الإسلاميين
بذلت المؤلفة جهدا كبيرا في تأليف كتابها، واقتضى ذلك منها وقتا ثمينا من عمرها، خاصة وأن مادة الاشتغال على إسلاميي المغرب لا تزال قليلة ونادرة، ولذلك استعانت مليكة الزغل بتقنية المقابلات والإثنوغرافيا للحصول على أكبر قدر من المعلومات والمعطيات.

ولعل ذلك هو السر في غياب كثير من المعطيات إذ لا تكفي مقابلة أو مقابلتان أو حتى ثلاث مقابلات للاطلاع الواسع على تاريخ الحركات الإسلامية بالمغرب، خاصة وأن هذه الحركات لم تكتب تاريخها بنفسها بعد، ولم تنشر وثائقها كلها، ولم تكشف عن لحظات حرجة من مسيرتها.

وذلك ما يحمل هذه الحركات ذاتها المسؤولية إن أخطأ الباحثون والمحللون في حقها.

وإذا كانت المؤلفة قد أصابت حين جعلت الحركات الإسلامية مسؤولة عن نزع القداسة عن المؤسسة الملكية بمنافستها داخل المجال الديني، فإن أطروحة الزغل حول تحدي الإسلاميين المغاربة للملكية تلتقي في نهاية المطاف مع أطروحة فوبيا الإسلاميين وتعيينهم خطرا على النظام الملكي، وهي الأطروحة التي تجد القبول والرواج عند أغلبية الباحثين الأوروبيين والأميركيين المنشغلين بعودة الإسلامية وصعود المد الإسلامي.

ويصعب على المهتم أن يقتنع بأن جميع الإسلاميين بالمغرب يشكلون تحديا للقصر المغربي والدولة العلوية، لأن تشريح الساحة الإسلامية الحركية لا يؤيد هذا التحليل، إذ فيهم من يعتبر نفسه دعما للملكية ما دامت متمسكة بالمرجعية الإسلامية، وأن من رشد الملكية والإسلاميين بالمغرب أنهم تجنبوا مخاطر الصراع بين الطرفين لإدراكهم أن نتيجة الصراع ذاهبة لا محالة إلى طرف ثالث يتربص الدوائر بهم جميعا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة