عودة كلمة "اللام": رؤية ليبرالية للقرن الجديد   
الأربعاء 5/7/1426 هـ - الموافق 10/8/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:18 (مكة المكرمة)، 11:18 (غرينتش)

عرض/علاء بيومي

يهدف كتاب "عودة كلمة "اللام": رؤية ليبرالية للقرن الجديد" الصادر في مارس 2005 عن مطابع جامعة برينستون، للكاتب دوغلاس مايسي أستاذ علم الاجتماع بجامعة برينستون الأميركية إلى مساعدة اليسار الأميركي على العودة إلى السلطة من جديد من خلال رسم خارطة طريق تشرح أسباب تراجع اليسار وصعود قوى اليمين في الفترة الأخيرة والخطوات الواجب على اليسار اتباعها في السنوات المقبلة لكي يصعد إلى السلطة من جديد بعد تراجعه مؤخرا كما ظهر في انتخابات أعوام 2000 و2002 و2004 التي شهدت تزايد سيطرة اليمين الأميركي على الكونغرس بمجلسيه وعلى البيت الأبيض أيضا.

 

- العنوان: عودة كلمة "اللام": رؤية ليبرالية للقرن الجديد

- المؤلف: دوغلاس مايسي

- عدد الصفحات: 232

- الناشر: نيوجرسي، برينستون ينفرستي برس

- الطبعة: الأولى مارس 2005

أزمة اليسار الأميركي

يقول مايسي إن عودة الليبرالية تحتم على اليسار الأميركي فهم أسباب صعود اليمين وقوته في الفترة الأخيرة، كما تحتم على اليسار وضع أيدلوجية ليبرالية جديدة جذابة وبناء تحالفات جماهيرية جديدة مؤمنة بهذه الأيدلوجية وراغبة في التصويت من أجل تمكينها من السلطة.

 

أما نقطة البداية لدى مايسي فهي أن يعترف الليبراليون الأميركيون بأزمتهم وبأن تراجعهم يعود أولا وأخيرا إلى أسباب داخلية وأن يبحثوا عن تلك الأسباب داخل أنفسهم.

 

وهنا يرى مايسي في الفصل الأول من كتابه أن التراجع الراهن لليبرالية الأميركية بدأ في منتصف السبعينيات من القرن العشرين وهي فترة شعر فيها اليسار الأميركي بانتصاره وسيطرته سياسيا فبدأت تنتابه حالة من الغرور والاستعلاء، وبدأ يتحول بعيدا عن الجماهير وعن السياسات التي تمس حياتهم مثل العمل على بناء اقتصاد سياسي عادل يخدم مصالح غالبية الشعب الأميركي التي لا يهتم بها الحزب الجمهوري باعتباره يخدم مصالح الأثرياء كما يرى مايسي.

 

وفي المقابل بدأت حركة ما بعد الحداثة تنتشر في أوساط اليسار الأميركي وهي حركة فكرية بالأساس نخبوية الطباع يصعب على الإنسان العادي فهمها، تركز على الأبعاد الأخلاقية والفكرية للسياسات،  ومحور اهتمام حركة ما بعد الحادثة على الصعيد السياسي هو نشر الحقوق المدنية ومكافحة العنصرية والتعصب.

 

ويرى مايسي أن أجندة يسار ما بعد الحداثة غير مفهومة بالنسبة للإنسان العادي لذا قادت الليبراليين للاستعلاء ولاتهام الأميركيين بالغباء بعد أن عجزوا عن فهم خطابهم المعقد، كما أنها أشعرت الطبقة العاملة الأميركية البيضاء بالعزلة عن الحزب الديمقراطي بعد أن انشغل الديمقراطيون عن قضايا العدالة الاجتماعية بقضايا نشر الحقوق المدنية عن طريق فرضها على التجمعات البيضاء من قبل المحاكم والمؤسسات الحكومية.

 

في نفس الوقت لم يتعاطف الليبراليون مع تضحيات الطبقات البيضاء الفقيرة والمتوسطة التي زادت عليها الضرائب وأصبحت مرغمة على الانفتاح على الأقليات بأمر المحاكم والقرارات التنفيذية، وبدل أن يبدي الليبراليون تعاطفهم مع تضحيات الطبقة العاملة البيضاء اتهموا الشعب الأميركي بالغباء والتعصب لأنه لم يفهم لغة الليبراليين ومبادئهم ما بعد الحداثية.

 

ويقول مايسي إن دور النخب الليبرالية في حرب فيتنام وما ارتكبته من خداع وتضليل للشعب الأميركي زاد من شعور الطبقات البيضاء الفقيرة والمتوسطة بعزلة التيار الليبرالي عنها وعن قضاياها مما جعلها تتحول نحو مساندة المحافظين الذين لا يهتمون بمصالح غالبية الأميركيين كما يرى المؤلف.

 

"
غالبية الشعب الأميركي تغاضت عن معاناة الأفارقة في الجنوب وفضلت التركيز على جمع الأموال حتى زاد تركيز الثروة واتسعت الهوة بين الأغنياء والفقراء
"
الليبرالية في التاريخ الأميركي

في بداية وصفه لعلاج مشاكل الليبرالية الأميركية، يدعو مايسي الليبراليين – في الفصل الثاني من كتابه – إلى فهم تاريخ الليبرالية في الولايات المتحدة، إذ يرى أن تطورها عبر التاريخ الأميركي هو تطور صعب، فالليبرالية عبر التاريخ الأميركي مثلت حركة أقلية تواجه صعوبات مستمرة لترويج أجندتها، كما أنها تمر بمراحل نصر وهزيمة متعاقبة، وذلك لوجود تيارات أميركية محافظة قوية تعارض أجندة الليبرالية التي تنادي بحقوق الأقليات وبعدالة توزيع الثروة.

 

وهنا يشير مايسي إلى أن الفترات الليبرالية القصيرة في التاريخ الأميركي عادة ما تتلوها فترات محافظة طويلة، فالدستور الأميركي الذي يعد مصدر القيم الليبرالية في الولايات المتحدة لم يكن يطبق كاملا -حين وضع- إلا على نسبة تقل عن نصف الشعب الأميركي، أما البقية فقد كانت محرومة من الحقوق، لذا خاضت أميركا -في مرحلة ليبرالية تاريخية تالية- حربا ضد الجنوب لنشر القيم الليبرالية وإنهاء العبودية.

 

ويقول مايسي إن الحرب الأهلية الأميركية نجحت خلال الفترة من 1861 و1876 في نشر الحقوق المدنية في الجنوب، ولكن فور انسحاب القوات الشمالية من الجنوب عادت الأحوال إلى ما كانت عليه تقريبا وتم إقرار نظام الفصل العنصري.

 

ويقول مايسي إن غالبية الشعب الأميركي تغاضت عن معاناة الأفارقة في الجنوب وفضلت التركيز على جمع الأموال حتى زاد تركيز الثروة واتسعت الهوة بين الأغنياء والفقراء في أميركا في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بشكل غير مسبوق، مما تطلب تدخل حكومة ثيودور روزفلت ومن بعده ويدرو ويلسون لوضع حد لسيطرة النخب الثرية على الشعب الأميركي في أوائل القرن العشرين.

 

ويستمر مايسي في تحليله لتاريخ الليبرالية الأميركية مؤكدا كون الليبرالية حركة أقلية في التاريخ الأميركي تحتاج لكفاح طويل لفرضها في وجه النزعات الرجعية القوية.

 

ويرى مايسي أن آخر فترات الليبرالية الأميركية كانت في منتصف الستينيات عندما تدخلت الدولة لفرض قوانين الحقوق المدنية ولفرض التشريعات الكفيلة بإنهاء الفصل العنصري ومساندة الأقليات وتقوية المؤسسات الحكومية المركزية والبرامج الخاصة بمساندة الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

 

"
رغم المشكلات العديدة الناتجة عن تركيز السلطة في يد النخب الثرية وتشريع مزيد من القوانين التي تخدم مصالح نفس النخب، فقد فشل الليبراليون في نشر أجندتهم، بل ونجح المحافظون في تصوير الليبراليين على أنهم سبب المشكلة
"
تراجع الليبرالية وأثره على الشعب الأميركي

يقول مايسي إنه منذ أوائل السبعينات بدأ المحافظون في شن هجوم مضاد على الليبرالية الأميركية استخدموا فيه بعض أخطر الأساليب وعلى رأسها إحياء النعرات العنصرية في أوساط الطبقات البيضاء خاصة في الجنوب الذي بدأ يتحول تدريجيا بعيدا عن الحزب الديمقراطي ونحو الحزب الجمهوري.

 

أما الأسلوب الثاني فهو تكتيل مصالح النخب الثرية ضد مصالح الطبقات الوسطى والمتوسطة عن طريق منح الأثرياء مزيدا من الإعفاءات الضريبية، ويقول مايسي إنه خلال الفترة من 1970 وحتى 1990 انخفض مستوى الضرائب المفروضة على أغنياء الشعب الأميركي من 69% إلى 26% في الوقت الذي زاد دخل هذه الفئة مقارنة بإجمالي الدخل الأميركي من 6 إلى 16%.

 

وخلال الفترة ذاتها زادت الضغوط الاقتصادية على الطبقات المتوسطة واضطرت النساء إلى العمل لكي تحافظ الأسر الفقيرة والمتوسطة على مستويات معيشتها كما زادت نفقات الدفاع على حساب الإنفاق على برامج التعليم ومساعدة الفقراء والخدمات الاجتماعية، كما تضاعفت أسعار المنازل.

 

ويقول مايسي إنه على الرغم من المشكلات العديدة السابقة الناتجة عن تركيز السلطة في يد النخب الثرية وتشريع مزيد من القوانين التي تخدم مصالح نفس النخب بمباركة ودعم المحافظين، فقد فشل الليبراليون في نشر أجندتهم بل ونجح المحافظون في تصوير الليبراليين على أنهم سبب المشكلة، كما نجحوا في جذب الطبقات البيضاء الفقيرة والمتوسطة نحو الحزب الجمهوري مما يعد مؤشرا على حالة التردي التي وصلت إليها حركة الليبرالية الأميركية وفقدانها للأجندة والهدف والوحدة والتواصل مع الجماهير وبدأت سنوات تراجع الليبرالية منذ 1975 وحتى الآن.

 

البداية بإصلاح اقتصاديات السوق داخليا وخارجيا
ولمواجهة التحديات السابقة يدعو مايسي الليبراليين الأميركيين –في الفصل الثالث من كتابه- إلى تبني أجندة اقتصادية سياسية تركز في جوهرها على رغبة الليبراليين في تنظيم عمل اقتصاد السوق بشكل يضمن إفادة الغالبية العظمى من الشعب الأميركي وليس الأقلية الثرية كما هو الحال لدى المحافظين.

 

وهنا ينصح ما يسي اليسار الأميركي بتقديم نفسه للأميركيين كتيار لا يعادي اقتصاد السوق كما يحاول اليمين الأميركي تصويره، وإنما كتيار يرفض تدخل الدولة إلا في حدود ضمان كفاءة عمل السوق من خلال الاستثمار في الأفراد وتأهيلهم للعمل في الاقتصاد الأميركي والعالمي السريع التغير، ولحماية الأفراد من تقلبات السوق وفشله، ولضمان أن السوق وقواعد العمل به تخدم غالبية الشعب الأميركي وليس أقلية قليلة منه، ولضمان غياب الحواجز العنصرية وغير القانونية التي قد تحول بين دخول الفئات الأميركية الفقيرة والمستضعفة للسوق والمنافسة فيه.

 

وعلى مستوى السياسة الخارجية، يرى مايسي –في الفصل الخامس من كتابه– أن السلام العالمي سوف يسود إذا توسعت الأسواق العالمية وزاد انفتاح اقتصاديات العالم بعضها على بعض من خلال حركة العولمة الاقتصادية والثقافية.

 

ويرى مايسي أن حركة العولمة تمر في الفترة الحالية بتحد أشبه بالتحدي الذي واجهه الاقتصاد العالمي بعد الحرب العالمية الأولى وهي فترة زادت فيها الفجوة بين الأثرياء والفقراء في العالم بشكل كبير وغابت فيها المؤسسات الدولية القادرة على حل المشاكل التي نشأت بين دول العالم مما أدى إلى انهيار الاقتصاد العالمي والنظام الدولي في تلك الفترة بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن مساندته وفضلت العزلة، مما قاد إلى قيام الحرب العالمية الثانية.

 

وهنا يدعو مايسي اليسار الأميركي إلى عدم التخلي عن العولمة وإلى إعادة ثقة الأميركيين وشعوب العالم فيها من خلال التأكيد على أنه لا يوجد بديل أمام العالم سوى الانفتاح على العولمة، ومن خلال تأهيل الشعب الأميركي للتعامل مع قوى العولمة والسوق الدولية ومن خلال التدخل لإصلاح المؤسسات والقوانين الدولية والتأكد من أن قوانين العولمة تراعي خصوصيات الدول الأقل قدرة على المنافسة عالميا وحقيقة أن هذه الدول تحتاج لفترة من التأهيل وبناء المؤسسات والنظم القانونية والسياسية والاقتصادية القادرة على إنجاح مشاركتها في الاقتصاد العالمي.

 

"
مفتاح عودة الليبرالية يكمن في التحالف مع الأقليات والنساء والمهنيين والطبقة البيضاء العاملة والمتوسطة وتبني أجندة اقتصادية سياسية تضمن أن يخدم السوق مصالح الغالبية العظمى من الشعب الأميركي الذي طحنته سياسات المحافظين
"
قوة اليمين وتحديات المستقبل

في الفصل السادس من الكتاب يذكر مايسي الليبراليين بأن طريقهم نحو العودة إلى السلطة والسيطرة لن يكون مفروشا بالزهور، فهو يذكر الليبراليين بأن اليمين الأميركي نجح منذ السبعينيات في بناء شبكة معقدة من المؤسسات التي تخدم مصالحه ومصالح الجماعات المستفيدة من صعوده.

 

ويقسم مايسي الجماعات اليمينية الأميركية إلى خمس جماعات أصولية، أولاها الجماعات الأصولية الدينية التي تريد بناء دولة دينية في الولايات المتحدة، وثانيتها الجماعات الأصولية الاقتصادية التي تؤمن إيمانا مطلقا باقتصاديات السوق وعدم تدخل الدولة، وثالثتها الجماعات الأصولية الدستورية التي تريد تفسير القوانين الأميركية من خلال منطلقات اقتصادية وسياسية يمينية متطرفة، ورابعتها جماعات المحافظين الجدد، وخامستها الجماعات التي تتبنى أفكار التيار التحرري وتؤمن بالحد من دور وحجم مؤسسات الدولة إلى أقصى حد ممكن.

 

ويقول مايسي إن الجماعات الأصولية السابقة دخلت في تحالف مع جماعات إضافية تسلقت أجندة اليمين وعلى رأسها الشركات الكبرى والأثرياء، والجماعات العنصرية الجنوبية، وبنت معها شبكة هائلة من المؤسسات الفكرية والسياسية والدينية والإعلامية.

 

وأخيرا ينصح ما يسي الليبرالية الأميركية بالاستعداد لكفاح طويل وشاق من أجل العودة للسلطة مؤكدا أن مفتاح عودة الليبرالية يكمن في التحالف مع الأقليات والنساء والمهنيين والطبقة البيضاء العاملة والمتوسطة وتبني أجندة اقتصادية سياسية تضمن أن يخدم السوق مصالح الغالبية العظمى من الشعب الأميركي الذي طحنته سياسات المحافظين خلال العقود الثلاثة الأخيرة. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة