ثورة لا بد من استكمالها   
الاثنين 1431/12/16 هـ - الموافق 22/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:46 (مكة المكرمة)، 13:46 (غرينتش)

عرض / الحسن سرات

يشتغل ميشيل روبيار، مؤلف هذا الكتاب، في الطب العام منذ أكثر من 25 عاما. ويركز اهتمامه بصفة خاصة على علاج "الروح". ترأس الجمعية الكيبيكية للمستشارين المسيحيين للمساعدة من سنة 1999 إلى سنة 2001. كما أنه عضو في لجنة الأسرة التابعة للتحالف الإنجيلي بكندا، ألف سنة 2004 كراسة تعليمية للإعداد للزواج.

في سنة 2001 ألف روبيار أول كتاب موجه للمراهقين والفتيان تناول فيه محور الجنس مع التركيز على العفة. وفي الفترة نفسها أسس جمعية "العفة بالكيبيك". وساقه التزامه هذا لأخذ الكلمة في مختلف وسائل الإعلام وتقديم محاضرات عالج فيها قضايا الجنس عند المراهقين، والزواج، وحياة الزوجين، والشذوذ الجنسي.

وفي هذا الكتاب يتوجه بالحديث إلى البالغين والمربين، خاصة الآباء والأمهات والمدرسين ورؤساء الجمعيات والمؤسسات المشتغلة في مجال التربية والتعليم. يتوزع الكتاب إلى أربعة فصول مترابطة هي "تشخيص موجع" و"في البحث عن القيم"، و"في البحث عن الشفاء" و"البحث عن ثورة حقيقية".

حصاد التمرد

-الكتاب: ثورة لا بد من استكمالها
-المؤلف ميشيل روبيار
-عدد الصفحات 216
-الناشر: من القلب إلى القلب- الكيبيك- كندا
-الطبعة: الأولى/ 2010

يخصص روبيار الفصل الأول من كتابه لاستعراض الآثار المدمرة للثورة الجنسية التي نودي بها في النصف الأول من القرن العشرين، وبالأرقام والبيانات المتتالية يصل الطبيب بالقراء إلى أن الواقع الحالي للأفراد والأسر والمجتمعات والإنسانية يعج بالكوارث والأوجاع والأمراض التي لم تكن من قبل.

إنها ثورة أرادت تحرير شهوة الإنسان من القيود الدينية والأخلاقية والاجتماعية، ولكنها ارتدت إليه بؤسا فوق بؤس وظلمات بعضها فوق بعض. فقد ظن إنسان الحداثة في القرن العشرين أنه قضى قضاء مبرما على الأمراض المتنقلة جنسيا، فإذا به يفاجأ بمرض لا عهد له به أطلق عليه " فقدان المناعة المكتسب " (أو الإيدز أو السيدا).

وفي الغرب بث هذا المرض الرعب في العلاقات الجنسية خارج الزواج بين السكان، ومع مرور الوقت بدا كأن الخائفين قد اعتادوا الحياة مع هذا الخطر الجديد، ولكن الأرقام الجديدة تظهر أن المرض آخذ في الانتشار، و لم يعد ضحاياه من الشواذ الجنسيين فقط بل تعداهم إلى "الأسوياء".

ففي كندا والولايات المتحدة، المعطيات الكندية تفيد أنه قبل سنة 1995 كانت نسبة المصابين بالإيدز من الأسوياء أقل من 17% في حين أن 75% كانوا من الشواذ. بينما 8% الباقية من الذين يتعاطون المخدرات وغيرهم. لكن سنة 1997 أفادت أن 43% من الحالات الجديدة سجلت في وسط "الأسوياء" الذين لا يتعاطون المخدرات، وأن 37% فقط سجلت في وسط "الشواذ". أما في أفريقيا فقد قفزت النسبة من 20% في سنة 1990 إلى 90% لدى العاهرات و10% إلى 30% لدى النساء الحوامل حاليا.

ولا يجادل أحد اليوم، حسب قول روبيار، في أن الامتناع عن المعاشرة الجنسية خارج الزواج هو حجر الزاوية والحل الأنجع ضد السيدا، وغيره من الأمراض المتنقلة جنسيا.

ورغم كل هذا، فلماذا لا يقوم الناس في هبة واحدة لينظموا مسيرات للمطالبة بالوقاية من السيدا عن طريق تغيير السلوك والتصرفات، كما قالت عالمة الأنثروبولوجيا بجنوب أفريقيا سوزان لوكليرك مادلالا.

ويضرب روبيار مثلا بأوغندا البلد الأفريقي الذي تحمل حكامه المسؤولية فدعوا رعاياهم إلى العفة في العلاقات الجنسية قبل الزواج وبعده، وسرعان ما ظهرت النتائج المؤيدة لهم، إذ انتقلت نسبة الإصابة بالسيدا من 21% عام 1991 إلى 6% فقط عام 2001. وبذلك صارت أوغندا –البلد الفقير– مثالا يضرب في العالم، حتى قالت لوكليرك مادلالا "إن على الدولة الغنية أن تأخذ الدروس من بعض الدول الفقيرة".

الثورة لم تحقق وعدها
"
الثورة الجنسية لم تحقق وعدها وهدفها، إذ تحررت الثورة من أغلال الكنيسة والثقافة الاجتماعية، لكنها قادت العالم إلى منحدر سحيق، فقد صار الجنس في كل الشوارع والزوايا
"
غير أن حماة الثورة الجنسية لم يعتبروا، وسعوا مجاهدين إلى تغيير الخطاب داعين الناس والشباب إلى حماية أنفسهم بالعازل المطاطي. فالموت واللذة يتجاوران. والحق أن العازل المطاطي لم يكن سوى سلاح سياسي للمحافظة على "مكتسبات" الثورة الجنسية.

فالثورة لم تحقق وعدها وهدفها، إذ تحررت الثورة من أغلال الكنيسة والثقافة الاجتماعية، لكنها قادت العالم إلى منحدر سحيق، فقد صار الجنس في كل الشوارع والزوايا، وانتقلنا من "الخلل الجنسي" بالأمس، إلى "الخلل العاطفي" اليوم، وضاع منا معنى اللقاء العاطفي والمتعة الجنسية. ومضت العلاقة العاطفية نحو الأفول والانقراض لفائدة الجنس في وضعه الخام، واسأل أطباء الجنس ( السيكسولوجيين ) يخبروك بأن عطب الرغبة صار أبرز الدوافع للاستشارة والفحص الطبي في عياداتهم.

انهيار الإمبراطورية الأميركية
"انهيار الإمبراطورية الأميركية"، عنوان فيلم للمخرج دينيس أركان، فيلم لا يتطرق للفساد الاقتصادي، ولكن يصور الحياة الجنسية لبعض الأساتذة الجامعيين، فوراء مظاهر الاستمتاع والسعادة الخداعة لهؤلاء الأحياء تختفي أفئدة متقلبة خائفة مضطربة.

عند نهاية الفيلم يدرك المشاهدون العلاقة بين العنوان والسيناريو، عندما يشرح أستاذ التاريخ كيف انهارت الإمبراطورية الرومانية أول الأمر بسبب انهيار أخلاقها وتدمير الأسرة في مجتمعاتها، ويضيف أنه لا منجاة لأي حضارة من هذا القانون، وبالفعل تعشعش المعاناة في قلب الأسرة والمجتمع بالغرب كله.

وهذا أمر مشاهد ومعاين لا تزيده الإحصائيات والأرقام إلا جلاء وظهورا، فقد أكد الباحثون أن استعادة التوازن العاطفي بعد تجربة انفصال أسري تدوم من سنتين إلى أربع سنوات، وربما دامت بضع سنوات.

ويحدثنا الكاتب عن تعاسة الأسر ذات العائل الوحيد (رجلا كان أو امرأة)، وتعاسة العزوبة والطلاق، فنسبة الإصابة لدى العزاب والمطلقين بأمراض السل والانتحار والزهري مرتفعة جدا، بل إن نسبة الوفيات فيهم ترتفع إلى 135% مقارنة مع المتزوجين، وبهذا يتبين الأثر الوقائي للزواج على صحة النساء والرجال.

أما الأطفال، فحالهم أدهى وأمر، فـ60% من الأزواج الذين ينفصلون عن بعضهم البعض لديهم أطفال، وسرعان ما تظهر الأعراض السيئة على الصغار مثل قلة النوم والقلق ونقص في تقدير الذات، بل إن الأثر السيئ غلب المدرسين الذين صاروا يشعرون بالإحباط قبل الشروع في العمل، لأن الاضطرابات العاطفية للتلاميذ تجاوزتهم.

"
يقول المؤلف إذا أضفنا إلى الإيدز وآثاره السلبية, انخفاض نسب الزواج وارتفاع نسب العنوسة، وانهيار نسب المواليد والخصوبة، أدركنا أننا نتبع الإمبراطورية الرومانية شبرا بشبر, وأننا سائرون إلى الانهيار
"
ففشل المدرسة لم يعد أمرا خفيا أو يمكن مداواته بشيء آخر، فالفشل ليس في الأساتذة ولا في المناهج، المشكل الحقيقي يوجد في الأسرة، "وما نحتاجه هو أسر مستقرة توفر للأطفال أحضانا دافئة تترعرع فيها النفوس والأفئدة" على حد قول المؤلف.

ومن المؤشرات القوية على ذلك، ارتفاع نسبة الانتحار في أوساط الشباب نتيجة تمزق الأسرة، ففي كندا ينتشر الانتحار لدى فئة من الشباب من 15 إلى 19 سنة من الذكور وانتقل من 5 إلى 20 في كل 100 نسمة بين 1960 و1991 في سنة 2002، ثم إلى 26 في كل 100 ألف نسمة أما سكان الكيبيك من 15 إلى 24 سنة فهم الأعلى نسبة في الانتحار بالعالم.

في سنة 2003 أكد الباحثان شارل كوطيه ودانيال لاروش أن هناك علاقة وطيدة بين تغير الأخلاق وارتفاع نسبة الانتحار، حتى قال الصحفي ميشيل دونغوا معلقا "لنقلها بصراحة ووضوح، إن الثورة الهادئة -يقصد الثورة الجنسية- كانت أكثر فتكا من الثورة الفرنسية".

ثم علق الخبير النفساني هوبيرت ولوت "إن تضاعف نسب الانتحار ظاهرة مرتبطة بتفتت المجتمع الكيبيكي، لكل مجتمع ثلاث ركائز تشده هي: الأسرة والاندماج الاجتماعي والدين، وما وقع في الكيبيك أننا تخلينا عن كل شيء دفعة واحدة وفي زمن قصير".

فإذا أضفنا إلى هذا انخفاض نسب الزواج وارتفاع نسب العنوسة، وانهيار نسب المواليد والخصوبة، أدركنا أننا نتبع الإمبراطورية الرومانية شبرا بشبر، وأننا سائرون إلى الانهيار والزوال إذا لم نتدارك الأمر.

عودة العفة
بعد هذا التشخيص الموجع، ينتقل ميشيل روبيار إلى تقديم لحله الناجح، ويلفت انتباهنا إلى أن سدنة الثورة الجنسية يدركون تماما أي نفق وصلت إليهم دعواتهم. ومن ثم يحاولون تقديم حلول يصفها الكاتب بأنها تلفيقية إذ يبدو أن الخطاب الجديد لا يقترح سوى ترقيعات للمرجعية الموجودة دون مبادئ قاعدة جديدة "وإذا كنا نريد للقيم التي تحمي الحميمية وتوفر الاستقرار لدى الزوجين أن تنتشر، فعلينا أولا وقبل كل شيء أن نتخلى عن السياسة الإباحية الحالية كلها".

فقد أصبح كثير من الناس يفضلون الامتناع عن ممارسة الجنس إلى غاية الزواج، وإذا ما تزوجوا كانوا أوفياء للنصف الآخر، وتلك هي فضيلة العفة التي وهب الطبيب وقته لها رفقة زوجه، ويطوفان كندا والولايات المتحدة للتبشير بها.

ووفق المؤلف فإن هناك أسبابا مختلفة وراء اختيار العفة: ففئة اختارت العفة لمداواة جراح غائرة أصابتهم جراء مغامرات جنسية وغرامية، إنهم يريدون استرجاع هوائهم الجنسي من فرط الشبقية، والتحرر من استبداد اللذة.

وفئة ثانية تؤمن بأن العفة هي السبيل الوحيد للحفاظ على صحتهم واجتناب تدمير مستقبلهم. وفئة ثالثة تؤمن علانية بأهمية القيم للزوجين والمحافظة على الأسرة. أما الفئة الرابعة فهي التي اختارت العفة إرضاء للرب والكتب السماوية، فالعفة لديهم جزء لا يتجزأ من تدينهم وطهرانيتهم.

تزمت الكنيسة وتطرف الحركات النسائية
يتوقف الكاتب طويلا أمام الماضي الديني والجراح العميقة التي تركتها الكنيسة الكاثوليكية على الخصوص في نفوس الناس، هذه أصعب عقبة ينبغي اقتحامها في نظره، إذ كيف نسترد توازننا النفسي والاجتماعي دون أن نفقد إيماننا وحريتنا معا؟

"
يدعو المؤلف إلى المصالحة بين الجنسين، والجلوس إلى طاولة الاعترافات والمفاوضات ونبذ الصراع على السلطة وبناء مجتمع جديد يحصل فيه الجميع على الشفاء الشامل من الآلام والجراح
"
ويتساءل المؤلف "هل الشخص الثائر ضد الكنيسة، ينوى بالفعل الكفر بالله؟ وهل نحن نرفض الاستبداد باسم الدين أم نرفض الدين ورسالة المسيح أصلا؟ للخروج من هذه الحالة اقترح الكاتب على الناس التمييز بين الدين وبين من مثلوه وجسدوه وارتكبوا أخطاء جسيمة باسمه، ويدعو إلى تجاوز تلك الخطايا وتجاوز المؤسسات التي ارتكبتها.

من العقبات العصيبة أيضا المصالحة بين الجنسين، ومن المعلوم أن كندا هي مهد الحركات النسوانية المتطرفة، وفي هذا الصدد، يدعو المؤلف إلى المصالحة بين الجنسين، والجلوس إلى طاولة الاعترافات والمفاوضات ونبذ الصراع على السلطة وبناء مجتمع جديد يحصل فيه الجميع على الشفاء الشامل من الآلام والجراح السالفة.

التاريخ يعيد نفسه
تشعر عندما تنهي قراءة هذا الكتاب أنك أمام صفحات من التاريخ تعيد نفسها، بل يعيدها الأخلاف الذين لم يعتبروا بالأسلاف، ويعيدها حماة مزيفون قدموا أنفسهم على أنهم محررون للناس من الأصفاد والأغلال التي كانت عليهم، فإذا بهم يصدق فيهم قول من قال "حاميها حراميها".

فشهوة الجنس ماكرة أشد المكر، قوية أشد القوة، وعلى من يريد أن يعالج أمرها في نفوس الناس أن يكون قدوة حسنة. فما أكثر نساء العزيز وتجار الجنس وصناعه في هذا الزمان، وما أقل أتباع يوسف الصديق ومريم البتول، وما أسهل التشخيص واقتراح الأدوية، وما أصعب التنفيذ.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة