مصر والتنمية   
السبت 22/5/1435 هـ - الموافق 22/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:19 (مكة المكرمة)، 12:19 (غرينتش)

عرض/هيثم أبو زيد
تلقت الأوساط السياسية المصرية هذا الكتاب باهتمام بالغ، ليس فقط لما يتضمنه بين دفتيه من أرقام دقيقة، ولا تناوله مسألة التنمية التي مثلت القضية الأولى لمصر في محاولاتها للنهوض، واستعادة مكانتها عربيا وإقليميا بعد تراجعها السياسي والاقتصادي بدءا من منتصف السبعينيات فحسب، بل أيضا لأن المؤلف كان أحد أشهر من تولوا منصب رئيس الوزراء في مصر في عهود مختلفة.

فقد اختاره الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك لرئاسة الحكومة في يناير/كانون الثاني 1996 قبل أن يطاح به في أكتوبر/تشرين الأول 1999.

- العنوان: مصر والتنمية
- تأليف: كمال الجنزوري
- عدد الصفحات: 214
- الناشر: دار الشروق، القاهرة
- الطبعة: الأولى، 2013

كما تولى رئاسة الوزراء مرة ثانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وحتى يوليو/تموز 2012 في ظل حكم المجلس العسكري الذي تولى السلطة في مصر عقب ثورة 25 يناير، ويستمر في منصبه أسابيع في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي.

وعبر سبعة فصول، يتناول المؤلف مسألة التنمية في مصر من جوانب مختلفة، أهمها: الإصلاح التشريعي، والقوانين المتصلة بالعدالة الاجتماعية وزيادة معدلات الاستثمار، والسياسات المالية والنقدية والإنفاق الحكومي، والديون المحلية والخارجية، وعلاقات مصر التجارية مع العالم، وعلاقة الناتج الإجمالي بدخل الفرد، ومحاولات الحكومة المصرية للخروج من الوادي الزراعي الضيق من خلال عدد من المشروعات الكبرى التي تم تدشينها في ظل رئاسة الجنزوري مجلس الوزراء المصري.

الإصلاح التشريعي
يرى المؤلف أن دفع عجلة التنمية وتنشيط الاستثمار لا يتم إلا بتوفر بيئة تشريعية مشجعة، وهو ما حاولت حكومته فعله، حيث صدر نحو 180 قانونا وتعديلا خلال سنوات ولايته الثلاث، وتضمنت هذه التشريعات إلغاء ضريبة الدخل على العاملين في الخارج، وخفض سعر الفائدة على القروض من بنك الائتمان الزراعي، وتحمل الدولة كل تكلفة المبيدات الحشرية لمحصول القطن، ورد نحو مائة مليون جنيه مصري للمزارعين.

كما صدرت عدة قوانين لزيادة معدلات الاستثمار، منها: تخفيض رسوم الشهر العقاري إلى النصف، وإعفاء أسهم الشركات المدرجة في البورصة من ضريبة الأرباح، والسماح للقطاع الخاص الأجنبي بامتلاك أكثر من 50% من رأس المال في البنوك المنشأة حديثا فقط، وتخفيض أعباء رسوم استخراج السجل التجاري، وتبسيط إجراءات تنظيم المناقصات والمزايدات، وتطوير نظام الإفراج المؤقت عن سيارات الركوب للمصريين المقيمين بالخارج والسياح والعابرين القادمين لقضاء فترة مؤقته بالبلاد بغرض التنشيط السياحي.

ويرصد المؤلف القرارات التي أصدرها بصفته نائبا للحاكم العسكري، ومن أهمها حظر تبوير وتجريف الأراضي الزراعية، أو البناء عليها، وهو ما كان يستقطع ما بين ثلاثين وأربعين ألف فدان من أجود الأراضي سنويا، كما أصدر قرارا بحظر إقامة صناعات ثقيلة أو ملوثة للبيئة داخل كردون عواصم المحافظات، وأيضا قرار حظر هدم القصور والفيلات بعد أن تم هدم 1400 فيلا في القاهرة الكبرى فقط بين عامي 1990 و1995.

العلاقات التجارية
ويرى المؤلف أن استقرار سعر العملة الوطنية في السنوات الخمس قبل يونيو/حزيران 1999 كان شاهدا مهما ومؤشرا على إيجابية آثار برنامج الإصلاح الاقتصادي، فالاحتياطيات النقدية الدولية في مصر عام 1991 لم تتجاوز 6.4 مليارات دولار، ارتفعت عام 1995 إلى 17.9 مليار دولار، ثم كان لاستمرار الإصلاحات الدور الأكبر لارتفاع هذه الاحتياطيات إلى 20.3 مليار دولار عام 1997، التي اعتبرت سنة القمة في عقدي الثمانينيات والتسعينيات.

ويؤكد المؤلف أن حكومته أولت مسألة التصدير أهمية كبرى، فعملت على تذليل الصعاب أمامها من أجل الارتفاع بقيمة وكمية التصدير السلعي، والعمل على التخفيض التدرجي في عجز الميزان التجاري، وهو ما استلزم عددا من القرارات والتشريعات تمنح مزايا متعددة للمصدرين، كتحمل الحكومة 50% من تكاليف ضرب الأرز المصدر، وسداده فورا للمصدرين، ومنح أسعار فائدة ميسرة للمناطق الصناعية المقامة للتصدير.

انخفض الدين الخارجي لمصر بعد حرب الخليج إلى نحو 28 مليار دولار، ثم ارتفع عام 2010 إلى 34، وهو العام الأخير لحكومة أحمد نظيف، ونظام الرئيس المخلوع حسني مبارك

ولأن أمر زيادة الصادرات يتوقف على مدى فاعلية العلاقات الدولية، يستعرض المؤلف جهود حكومته لفتح الأسواق العربية والأفريقية والآسيوية والأوروبية والأميركية أمام المصدرين المصريين، ومساندة رجال الأعمال لتوسيع علاقاتهم بنظرائهم في الدول الأخرى، حيث ضمت الوفود الرسمية - للمرة الأولى- رجال أعمال ومصدرين، كما عقدت الحكومة عدة اتفاقيات مع الدول العربية لجذب وتشجيع الاستثمار، ومنع الازدواج الضريبي، والتعاون في مجال النقل البحري والجوي، والتأمين ضد مخاطر التصدير، وتنظيم التسويق الإعلاني.

الدين الخارجي
شهد الدين العام الخارجي انخفاضا ملموسا في أكتوبر/تشرين أول 1991، بعد حرب تحرير الكويت، وبعد أن قرر الكثير من دول العالم مكافأة النظام المصري لموقفه المساند للتحالف الدولي المشارك في الحرب على العراق بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، والتي قررت إسقاط الدين العسكري لها على مصر، والذي بلغ 6.7 مليارات دولار بفائدة مرتفعة، بالإضافة إلى استجابة الدول الدائنة (نادي باريس) لطلب الحكومة بخفض ديون مصر بنسبة 50%.

كما قررت دول عربية (الكويت - الإمارات - السعودية - ليبيا) إلغاء ما لها من ديون على مصر بقيمة سبعة مليارات دولار، مما أدى إلى انخفاض الدين الخارجي العام إلى نحو 31 مليارا عام 1992، ثم انخفاضه مرة أخرى إلى 28 مليارا في يونيو/حزيران 1995.

ويشير المؤلف إلى ارتفاع الدين الخارجي المصري إلى 34 مليار دولار عام 2010، أي في العام الأخير لحكومة أحمد نظيف، ونظام الرئيس المخلوع حسني مبارك.

ويتوقف المؤلف أمام البرامج التي تم الاتفاق عليها بين الحكومات المصرية المتتالية وصندوق النقد الدولي، والتي بلغت 13 برنامجا بدأت عام 1962، أكد المؤلف أنها لم تستكمل إلا المراجعة الأولى أو الثانية على الأكثر، بسبب عدم التزام الجانب المصري بكامل الإجراءات المتفق عليها وفقا لخطاب النوايا المقدم من مصر بتوقيع وزير المالية.

وأرجع المؤلف تنفيذ البرنامج الأخير بين مصر والصندوق (1996-1999) لإصرار الحكومة على عدم خفض سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار والعملات الأجنبية، وإعلانها عدم فرض ضرائب جديدة أو رفع أسعار مكونات البترول والكهرباء كما طلبت بعثة الصندوق.

وبررت الحكومة موقفها بأن هذه المطالب تتعارض مع دفع عجلة التنمية، مما يزيد من معدلات البطالة، وهو ما رضخ له صندوق النقد بنهاية المطاف.

الوادي الضيق
ويرى المؤلف أن فكرة الخروج من الوادي الزراعي الضيق أملتها اعتبارات التكافؤ في التنمية بين مختلف أقاليم الدولة المصرية، كما أن الابتعاد عن الشريط العمراني حول نهر النيل يعتبر -برأي المؤلف- الحل الأمثل لمشكلة المناطق العشوائية المتزايدة يوما بعد يوم، بعدما أثبتت دراسات رسمية أنه لا يمكن إصلاح ما هو قائم منها إلا في ما لا يزيد على 20%.

يهدف الكتاب عن طريق أسلوب  المقارنة إلى الترويج لإنجازات حكومة الجنزوري الأولى، رغم أن بعض هذه الإنجازات كانت نتيجة ظروف دولية خاصة، ولم يكن للحكومة دور جوهري فيها

وقد بذلت الحكومات المتعاقبة جهودا كبيرة لإصلاح وتطوير المناطق العشوائية، إلا أن هذه الجهود لم تكن كافية للحد من المشكلة وآثارها، بحيث لم يعد هناك بد من توفير مناطق جديدة تحقق توطنا أفضل للمشروعات الجديدة في قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة، وبالتالي الإسكان، مما يسمح بالهجرة إلى تلك المناطق للعمل وترك مناطق التكدس الحالية.

ولتوضيح خطورة كارثة العشوائيات، يستعين المؤلف بالإحصائيات الرسمية لعام 2007 عن المشكلة، حيث بلغ إجمالي المناطق العشوائية في أنحاء مصر 640 منطقة يسكنها أكثر من 12 مليون نسمة، يشتغل 81% من العاملين القاطنين بها في أنشطة غير رسمية، بعضها مخالف للقانون، وجاء نصيب العاصمة القاهرة من العشوائيات بنحو 156 منطقة، والإسكندرية 136، والدلتا 208، وشمال الصعيد 92، وجنوبه 48.

رؤية مناقبية
وبالرغم من تضمن الكتاب أرقاما دقيقة، وإحصائيات رسمية، ووثائق حكومية، فإن رسالته النهائية وهدفه الرئيسي هو إثبات أن الحكومة التي ترأسها المؤلف كانت صاحبة الإنجازات الأهم والأكبر بين كل الحكومات التي توالت في عهد مبارك.

وقد حمل الكتاب عنوان "مصر والتنمية"، إلا أن محتواه لا يتجاوز أن يكون مجموعة كبيرة من المقارنات التي تجيء لصالح السنوات الثلاث لحكومة الجنزوري، كما أن بعض هذه الإنجازات كانت خاصة بظروف دولية، ولم يكن للحكومة دور جوهري فيها.

فموقف مبارك من حرب تحرير الكويت -مثلا- كان وراء إسقاط قدر كبير من الديون، كما أن كثيرا من التشريعات التي شجعت الاستثمار أو خففت العبء عن المواطن قد صدرت من خلال البرلمان، صاحب السلطة التشريعية، وهو ما تجاهله المؤلف تماما.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة