أفريقيا وتحديات عصر الهيمنة   
الخميس 1428/4/16 هـ - الموافق 3/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 18:45 (مكة المكرمة)، 15:45 (غرينتش)

عرض/كمال حبيب
يشير عنوان كتاب "أفريقيا وتحديات عصر الهيمنة.. أي مستقبل" إلى أن مستقبل القارة السمراء لايزال محفوفا بالمجهول والمخاطر.

ويعبر الكتاب في الواقع عن هم أكاديمي عربي للمؤلف حمدي عبد الرحمن المتخصص في أفريقيا بأن يجعل قضاياها وشؤونها ومشكلاتها وواقعها وحاضرها وهويتها مطروحة علي الذهن العربي.

-الكتاب: أفريقيا وتحديات عصر الهيمنة.. أي مستقبل؟ -المؤلف: حمدي عبد الرحمن
-الصفحات: 270
-الناشر: مكتبة مدبولي, القاهرة
-الطبعة: الأولى/2007

كما يقول المفكر الكيني الأشهر علي مزروعي "إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في تحقيق التكامل داخل القارة بين عرب الشمال وأفارقة الجنوب، ولكن بين العالم العربي وأفريقيا", حين دعا في أكثر من مناسبة إلى ما اعتبره تجمعا حضاريا جديدا يسمى "أفرابيا" – Afrabia.

ولعل استلهام المؤلف في مقدمة الكتاب لمثل شعبي سائد في ثقافة الكيكويو "إذا تصارع فيلان كبيران فإن الحشائش من تحت أقدامهما يلحقهما الضرر البالغ"، يعبر عن حالة أفريقيا اليوم التي تتكالب عليها الأفيال في عصر الهيمنة والعولمة.

وهو ما يعرض حاضرها ومستقبلها للخطر المؤكد، وهو ما عبر عنه  ثانية علي مزروعي في مقالة له بعنوان "من سفينة الرقيق إلى السفينة الفضائية: أفريقيا بين التهميش والعولمة".

التحقيب التاريخي للنهب الأوروبي
يستعرض المؤلف في المقدمة الطويلة نسبيا ما أطلق عليه "التحقيب التاريخي" لتطور النهب الأوروبي لموارد القارة المختلفة وهو ما فرض التخلف وعاق التنمية في القارة وفي نفس الوقت حقق النهضة والتقدم لأوروبا.

ويتتبع المؤلف ما أسماه عصر أولوية عنصر العمل ثم  عصر التوسع الإقليمي الذي عرف باسم دبلوماسية القارب المسلح.

فقد كان اليورانيوم المستخرج من الكونغو البلجيكية جزءاً مهماً من مشروع "مانهاتن" الأصلي الذي أنتج القنبلة الذرية الأولى، ومثل التكالب الاستعماري على القارة الأفريقية في نهاية القرن التاسع عشر مجموعة من الملامح كرست تخلف القارة.

من أهمها: رفع شعار "الأبوية السياسية" أي القيام بمهمة حضارية لنشر المدنية بين الأفارقة ولعبت بعثات التبشير المسيحية دورا مهما في ذلك.

"
اليورانيوم المستخرج من الكونغو البلجيكية كان جزءاً مهماً من مشروع "منهاتن" الأصلي الذي أنتج القنبلة الذرية الأولى، ومثل التكالب الاستعماري على القارة الأفريقية نهاية القرن التاسع عشر مجموعة من الملامح كرست تخلف القارة
"
بيد أن هذه الدول الاستعمارية لم تأخذ الشعار مأخذ الجد، ومواجهة الحركة الاستعمارية لمقاومة عاتية في أفريقيا بعد انكشاف أهدافها الحقيقية وارتباط الدولة الأفريقية المعاصرة بالظاهرة الاستعمارية ومن ثم فهي ظاهرة مصطنعة، وتنامي الروح الوطنية الأفريقية التي قاومت هذه الحركة.

وعرض المؤلف ردود الفعل الأفريقية تجاه الهيمنة الغربية التي بدأت بشعار "الجامعة الأفريقية" الذي أسس له "دوارد بلايدن" و"ماركوس جارفي" و"وليم ديبوا" وعقدت من أجله مؤتمرات كلها خارج القارة.

وعقب تحقيق المملكة السياسية كما وصفها "كوامي نكروما" أي تحقيق الاستقلال السياسي، فإن دولة ما بعد الاستعمار لم تستطع تحقيق التنمية وكرست الفساد والاستبداد السياسي واستنسخت النمط الكولونيالي في صورة أفريقية.

وهذا ما جعل القارة نهبا للمؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في فترة السبعينيات والثمانينيات.

ولكن بعد 11 سبتمبر/أيلول أصبحت أفريقيا بعد تهميشها إبان الحرب الباردة ركيزة أساسية في الإستراتيجية الأمنية على الصعيد العالمي لسببين هما: النفط الأفريقي والتهديدات الأمنية.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام الباب الأول بعنوان "قضايا منهجية ونظرية" والثاني بعنوان "أفريقيا والقوي الدولية" والثالث بعنوان "أفريقيا وتحدي التنمية" ثم خاتمة للدراسة.

تحيزات المناهج السائدة في فهم أفريقيا
يذهب المؤلف إلى أن معظم الأطروحات النظرية التي قدمت لتفسير مختلف قضايا الحكم والسياسة في أفريقيا بعد الاستقلال أثبتت عجزا واضحا.

ومن ثم هناك غياب للفهم الصحيح لمشاكل أفريقيا، فالمنظور الغربي لفهم أفريقيا يعكس تحيزاً واضحاً ويغلب عليه المنزع التشاؤمي الذي يلقي باللائمة على عوامل داخلية نابعة من الواقع الأفريقي.

ووصفات العلاج التنموية التي طرحها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كانت غير ناجعة لأنها اعتمدت على رؤى خبراء هذه الهيئات، كما أن الأدبيات التي عالجت مراحل التطور السياسي والاجتماعي للقارة تبنت الرؤية الغربية التي هيمن عليها منظور التنمية والتحديث وفق ما أطلق عليه "النظرية الكبرى" التي تبحث جميع المناطق من خلال منظور عام ومقارن.

"
هناك غياب للفهم الصحيح لمشاكل أفريقيا، فالمنظور الغربي لفهم أفريقيا يعكس تحيزاً واضحاً ويغلب عليه المنزع التشاؤمي الذي يلقي باللائمة على عوامل داخلية نابعة من الواقع الأفريقي
"
وغابت الرؤية التحليلية الكلية الملائمة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي الأفريقي الراهن، وسادت صورة ذهنية تتحدث عن الفوضى والحروب واللاجئين والمجاعات والتصحر وانهيار الدولة.

ويشير المؤلف للمداخل النظرية الحديثة لفهم أفريقيا التي تعبر عن التحولات التي شهدتها نظم القارة منذ فترة التسعينيات وهي "مدخل التحول الديمقراطي" و"الاقتصاد السياسي الجديد والتكيف الهيكلي" و"العولمة الجديدة " و"إدارة الصراعات الإثنية".

 كما يعرض لبعض الاتجاهات الحديثة في دراسة النظم الأفريقية مثل الحكم الذي أصبح مرادفاً للحكم الصالح، و"الجندر" الذي يسعي لإزالة الفجوة بين الرجل والمرأة في أفريقيا، والانتخابات وعلاقتها بحرية تكوين الأحزاب وسياسات التعدد الحزبي وإدارة العملية الانتخابية، والعسكرة أي طبيعة علاقة العسكر بعملية السياسة في أفريقيا والمجتمع المدني كبديل عن الدولة العاجزة في القيام بمهمات الحفاظ على المجتمع.

سياسات الصراع الدولي في أفريقيا
يرسم هذا الجزء المتميز من الكتاب صورة أفريقيا في الإستراتيجية الكونية الجديدة بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

فالتفكير الإستراتيجي الأميركي الخاص بمحاربة ما يسمي الإرهاب وضع أفريقيا في مكانة مهمة لأسباب متعددة أهمها: تنامي المشاعر المعادية لأميركا في كثير من المناطق الأفريقية لاسيما منطقة القرن الأفريقي، وخاصة الصومال التي ينظر إليها الأميركيون باعتبارها ملاذا آمنا لتنظيمات إسلامية موالية لتنظيم القاعدة.

وأهمية دولة كالسودان في بناء التحالف الدولي الموالي لأميركا في حربها علي الإرهاب، كما أن تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في القارة الأفريقية يجعلها بيئة خصبة لعمل التنظيمات المعادية للغرب، فأفريقيا هي الحلقة الأضعف في سلسلة الإرهاب الدولي.

فالحدود يسهل اختراقها ومؤسسات فرض القانون والنظام ضعيفة والموارد الطبيعية وفيرة ومناطق الصراع متعددة والدولة الوطنية هشة أو ضعيفة أو تحتضر، كل ذلك يجعل من بعض الدول الأفريقية ملاذا آمنا لبعض الجماعات والتنظيمات الإرهابية.

ولذا تهتم الإدارة الأميركية بدعم علاقاتها الأمنية والعسكرية مع الدول الأفريقية وفي عام 2003 أعلن الرئيس بوش مبادرة أميركية قيمتها 100 مليون دولار لزيادة قدرة دول شرق أفريقيا على محاربة الإرهاب.

وفي عام 2004 التقي رؤساء أركان تشاد ومالي وموريتانيا والمغرب والنيجر والسنغال وتونس في اجتماع معلن بمقر قيادة الجيش الأميركي بأوروبا في مدينة  شتوتغارد للتعاون العسكري في الحرب علي الإرهاب مع التركيز على الساحل الأفريقي وخلق منطقة عازلة بين دول المغرب وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، أي بين حقول نفط شمال أفريقيا وحقول نفط خليج غينيا.

أما بالنسبة للنفط فإن أميركا تري أن النفط الأفريقي يمثل مصلحة قومية إستراتيجية لاتخاذه بديلا عن نفط الشرق الأوسط، وتوفر أفريقيا جنوب الصحراء خمس واردات أميركا من النفط وتتوقع بعض المصادر زيادات هذه الواردات بنسبة 25%، فالواردات الأميركية من النفط سوف تفوق وارداتها من نفط الخليج.

"
السودان يمثل نموذجاً واضحاً للسياسة الأميركية تجاه أفريقيا والعالم العربي، فمنذ وصول الإنقاذ إلى السلطة عام 1989 وهو يمثل دولة عاصية وفق الرؤية الأميركية
"
ويمثل السودان نموذجاً واضحاً للسياسة الأميركية تجاه أفريقيا والعالم العربي فمنذ وصول الإنقاذ إلى السلطة عام 1989م وهو يمثل دولة عاصية وفق الرؤية الأميركية.

وعمد الخطاب السياسي الأميركي لتقديم صورة نمطية عن نظام الإنقاذ في السودان تمثلت في: انتهاك حقوق الإنسان وغياب الحرية الدينية حيث تطرح قضايا الرق والإكراه القسري علي اعتناق الإسلام، واعتبار السودان دولة راعية للإرهاب وحرمان الجنوب والمناطق المهمشة من حقها في تقرير مصيرها.

وتم تصنيف السودان باعتباره دولة راعية للإرهاب وانحازت أميركا بكل ثقلها لدعم ما عرف باسم مبادرة الإيغاد في الوقت الذي عارضت فيه المبادرة المصرية الليبية التي أعلنت من جانب مصر وليبيا عام 1999م لأن المبادرة المصرية الليبية لم تورد إطلاقا حق تقرير المصير للجنوب بل تحدثت عن وحدة السودان.

كما أنها لم تشر لعلاقة الدين بالدولة في السودان، ومع توقيع اتفاقية السلام النهائي في السودان 2005 م أضحى مستقبل السودان رهناً بإرادة طرفين فقط من أطراف المعادلة السودانية بالغة التعقيد.

وفي أزمة دارفور –الإقليم الكبير الذي تبلغه مساحته قدر مساحة فرنسا- سارعت الإدارة الأميركية إلى إدانة ما يحدث في دارفور باعتباره كارثة إنسانية.

وفي 2004 وصف الكونغرس ما يجري في دارفور بأنه إبادة جماعية، وأصدر مجلس الأمن قراراً في يوليو/تموز 2004 أنذر فيه الحكومة السودانية باتخاذ تدابير معينة بموجب المادة 41 من الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة إذا لم تسارع بنزع سلاح الجنجويد خلال شهر.

ويلاحظ أن السلوك الأوروبي في القارة الأفريقية وفي السودان ودارفور موزع لدعم السياسة الأميركية كما في حالة بريطانيا والنرويج وإيطاليا أو الحصول على مكاسب خاصة كما في الحالة الفرنسية.

وأشار المؤلف للعلاقة بين الصين وأفريقيا والسودان والتي يمثل النفط محورها فهي أبرز مستثمر للنفط في السودان وتقوم بدور فعال في تطوير حقول نفط جنوب دارفور، ولم ينس أن يفرد مساحة للعلاقة بين أفريقيا وإسرائيل التي تمثل رديفاً للسياسة الأميركية وتسعى لخنق وعزل العالم العربي عن امتداده الأفريقي الشاسع.

أفريقيا وتحدي التنمية
"
الكتاب يمثل محاولة عربية لوضع أفريقيا على أجندة الاهتمام العربي سواء لصناع القرار أو الأكاديميين أو جمهور المهتمين والباحثين باعتبارها تمثل امتدادا طبيعيا لهذا العالم في الجغرافيا والتاريخ وفي الحاضر والمستقبل
"
يرى المؤلف أن الصراعات الإثنية في أفريقيا حالت دون تحقيق نهضة حقيقية في أفريقيا وعرض لمداخل تحقيق التنمية مثل مدخل الوحدة السياسية.

وأشار لخطة عمل "لاغوس" التي وضعت عام 1980 م والتي تدعو إلى زيادة الاعتماد على الذات وتسريع عملية التنمية وإضفاء الطابع الديمقراطي عليها وتسريع عمليات التكامل الاقتصادي على المستوى الإقليمي.

ولكنها واجهت سياسات من مؤسسات غربية معادية وفي النهاية عرض الكتاب للشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا المعروفة "بالنيباد" والتي تطرح برنامج عمل يسعى للقضاء على الفقر وإنهاء تهميش أفريقيا في عملية العولمة وقيام شراكة عالمية جديدة بين أفريقيا وشركائها في التنمية والتفاوض حول علاقة جديدة مع البلدان المتقدمة والمنظمات الدولية.

ويرى مفكرون أفارقة أن "النيباد" تسعى لإدماج أفريقيا في النظام العالمي، وأضحت الهوية الأفريقية لها موضع تشكيك، ولذا قدموا رؤية بديلة تتحدث عن خطة "مارشال جديدة" لإنعاش أفريقيا واقتسام السلطة في المنظمات الاقتصادية العالمية.

الكتاب يمثل محاولة عربية لوضع أفريقيا على أجندة الاهتمام العربي سواء لصناع القرار أو الأكاديميين أو جمهور المهتمين والباحثين باعتبارها تمثل امتدادا طبيعيا لهذا العالم في الجغرافيا والتاريخ وفي الحاضر والمستقبل.

 فهي "أفريقيا الجديدة " كما عبر عنها جمال حمدان وهي لاتزال حبلى بإمكانية بناء مستقبل واعد بقدر اتساعها ومواردها وإمكانياتها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة