التطورات الأمنية في السلطة الفلسطينية 2006-2007   
الأحد 1429/2/17 هـ - الموافق 24/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 9:27 (مكة المكرمة)، 6:27 (غرينتش)

عرض/حسن محمد

أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت كتابا جديدا بعنوان "التطورات الأمنية في السلطة الفلسطينية 2006-2007"، وهو يعدّ الجزء الأول من دراسة أكاديمية أوسع، تهدف إلى تسليط الضوء على إشكاليات الملف الأمني الفلسطيني وملابساته، حملت عنوان "ملف الأمن في السلطة الفلسطينية".

- الكتاب: التطورات الأمنية في السلطة الفلسطينية (2006-2007)
- المؤلف: حسن ابحيص ووائل سعد
- المحرر: محسن صالح
- الصفحات: 145
- الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت
- الطبعة الأولى: يناير/كانون الثاني 2008

ويهدف هذا الجزء الذي أعدّه وائل سعد وحسن ابحيص وحرّره محسن محمد صالح، إلى تقديم تقرير معلومات بشأن التطورات الأمنية التي شهدتها الساحة الفلسطينية، منذ فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، وحتى الأحداث التي انتهت بسيطرة حماس على قطاع غزة، وتشكيل حكومة الطوارئ في الضفة الغربية، وما لحق ذلك من تداعيات.

ويشير محرر الكتاب إلى أن الملف الأمني في السلطة الوطنية الفلسطينية يُعدّ أحد أهم الملفات وأكثرها تعقيدا وحساسية، تتداخل فيه طموحات الفلسطينيين في أن تكون لهم أجهزتهم الأمنية الوطنية المعبّرة عن إرادتهم، مع رغبات المحتل الصهيوني في أن تكون هذه الأجهزة أدوات قمعية تطارد المقاومة، وتحول الاستعمار الصهيوني إلى استعمار "مريح".

وتدخل في ذلك تعقيدات والتزامات اتفاقات أوسلو وما تلاها، ومشاكل الفساد والاختراق في هذه الأجهزة، فضلا عن الرغبة الشعبية في ضبط الانفلات الأمني، والسعي لإيجاد معادلة مناسبة تحفظ الأمن ولكن تحمي المقاومة.

ونظرا لشدة حساسية الموضوع الذي يتناوله الكتاب، فقد حرص على متابعة تطور الأحداث بشكل موضوعي، ودون الدخول في التحليلات والاستنتاجات والاتهامات، تاركا المعلومات الموثقة تتحدث عن نفسها، وتوصل الرسالة المباشرة بنفسها، متيحا بذلك مجالا واسعا للقارئ للوصول إلى العديد من الاستنتاجات التي تثبتها الوقائع.

وتجدر الإشارة إلى أن الكتاب ضمّ ملحقا بعدد من الوثائق التي تخص الموضوع الأمني خلال الفترة التي يغطيها، تضمنت جداول إحصائية لحالات الانفلات الأمني، ونص استقالة وزير الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية هاني القواسمي، والنص الحرفي لخطة دايتون ووثائق مصورة أخرى.

واقع الأجهزة الأمنية في السلطة الفلسطينية
تناول الكتاب في مقدمته عرضا للواقع الذي وصلت إليه الأجهزة الأمنية في السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها وحتى الفترة التي سبقت الانتخابات التشريعية في 26/1/2006، مشيرا إلى أن عدد الموظفين فعليا في تلك الأجهزة بلغ 34 ألفا في صيف 1997، ليشكّل أعلى نسبة شرطة في العالم مقارنة بعدد السكان، بنسبة رجل أمن واحد لكل 84 شخصا.

بعد ذلك ارتفع حتى بلغ نحو 57 ألفا في مطلع 2006 (إضافة إلى نحو 21 ألفا كانوا تحت الاختبار)، مقابل نحو 80 ألف موظف مدني، ليشكلوا ما نسبته 49.4% من إجمالي عدد موظفي السلطة.

ولفت الكتاب النظر إلى أن هذا الأمر شكل عبئا ماليا كبيرا على ميزانية السلطة، إذ كلّفت رواتب العسكريين حوالي 375 مليون دولار سنة 2005، أي ما نسبته 37.5% من إجمالي رواتب الموظفين في السلطة في ذلك العام.

"
تزايد عدد الأجهزة الأمنية أدى إلى تضارب أعمالها وتزايد عدم التنسيق بينها، مع انتشار مظاهر المحسوبية والولاء للحزب السياسي الحاكم، كما ظهرت شبهات تفيد وجود اختراقات داخل هذه الأجهزة من قبل جهات دولية وأحيانا إسرائيلية
"
وأضاف أن تزايد عدد الأجهزة الأمنية أدى إلى تضارب أعمالها وتزايد عدم التنسيق بينها، مع انتشار مظاهر المحسوبية والولاء للحزب السياسي الحاكم، لأن معظم أفراد هذه الأجهزة هم من أعضاء حركة فتح أو من مؤيديها، كما ظهرت شبهات تفيد وجود اختراقات داخل هذه الأجهزة من قبل جهات دولية وأحيانا إسرائيلية.

وهذه الأمور كانت مؤشرا على بدء أزمة تلك الأجهزة، إذ كان الضامن لعدم حدوث أية أزمات هو سيطرة الرئيس الراحل ياسر عرفات على كافة صلاحيات الأجهزة الأمنية، الأمر الذي أرجأ تصدعها.

تطور الأحداث عقب انتخابات 2006
قسم الكتاب الفترة الزمنية التي يتناولها إلى ثماني مراحل، غطّت أولاها الفترة التي تلت فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية وسبقت تشكيلها الحكومة الفلسطينية العاشرة، والتصريحات والتطورات الأمنية في تلك المرحلة.

وتوقف عند تصريح للنائب محمد دحلان خلال مسيرة نظمها مسلحون من حركة فتح في 27/1/2006، هدّد فيه "أي شخص مهما علا شأنه" من التفكير في الاقتراب من وظيفة أي مواطن، لأنه "سيكون ارتكب الخطأ الأخير في حياته".

ورأى الكتاب في هذا التصريح من شخصية أمنية وقيادية في فتح دلالات خطيرة، تعني أن هناك في فتح من هو مستعد للقيام بممارسات غير ديمقراطية أو دموية إذا قامت حماس بأية عمليات إصلاح، أو كسرت احتكار فتح للسيطرة على المؤسسات من خلال تكريس مبدأ الشراكة.

ثم انتقل الكتاب إلى فترة تشكيل حماس للحكومة، والتطورات الأمنية التي رافقت تلك الفترة، والتي رأى أنها جاءت مقدمة للأحداث الدامية التي شهدتها الأراضي الفلسطينية لاحقا، ودفعت قيادات الأسرى في سجون الاحتلال لإطلاق مبادرتهم التي عُرفت فيما بعد باسم "وثيقة الأسرى".

ونبه الكتاب إلى أن التصعيد بدأ مع حادثة اغتيال قائد ألوية الناصر صلاح الدين الجناح العسكري للجان المقاومة الشعبية خليل القوقا، وصولا إلى قرار وزير الداخلية سعيد صيام بتشكيل القوة التنفيذية، وما رافق هذا القرار من ردود فعل من مختلف الأطراف.

"
التصعيد بدأ مع حادثة اغتيال قائد ألوية الناصر صلاح الدين الجناح العسكري للجان المقاومة الشعبية خليل القوقا، وصولا إلى قرار وزير الداخلية سعيد صيام بتشكيل القوة التنفيذية، وما رافق هذا القرار من ردود أفعال من مختلف الأطراف
"
تصاعد الاقتتال الداخلي
بعدها تحدث الكتاب عن الفترة التي شهدت الجولة الأولى من الاقتتال الداخلي الدامي بين حركتي فتح وحماس والأجهزة الأمنية الموالية لكل منهما، والتي اندلعت في أواسط شهر مايو/أيار 2006.

ورأى أنها كانت بمثابة إنذار لمدى خطورة ما قد تؤول إليه الأوضاع في حال استمرار الخلاف على ما هو عليه بين الرئاسة والحكومة، وشكّلت بالتالي عاملا ضاغطا على الطرفين للبحث عن الوفاق الوطني، مما انتهى إلى توقيع وثيقة الوفاق الوطني في 27/6/2006.

ثم تناول مرحلة المشاورات المتعثرة التي بدأت بعد توقيع الوثيقة المذكورة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، والتصعيد السياسي الذي ترافق مع تلك المحادثات بين الرئاسة والحكومة، مرورا بإضراب نقابة الموظفين الحكوميين الذي بدأ في مطلع سبتمبر/أيلول 2006، وبدء الحديث عن ما عُرف لاحقا باسم "خيارات عباس" لحل الأزمة، وهي خيارات تضمنت اللجوء إلى انتخابات مبكرة.

كما تطرق الكتاب إلى التوتر الميداني خلال تلك الفترة، فكان من أبرزه إطلاق النار على رئيس الوزراء إسماعيل هنية عند معبر رفح، أثناء عودته من جولة خارجية زار خلالها عدة دول عربية، ومقتل أبناء بهاء بعلوشة، الضابط في جهاز المخابرات العامة، قبلها بأيام.

الانتخابات المبكرة واتفاق مكة
في المرحلة التي تلت تلك الأحداث، استعرض الكتاب دعوة الرئيس محمود عباس لانتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، وانفلات الوضع الأمني في قطاع غزة مجددا، لتبدأ ثاني جولات الاقتتال الداخلي المدمرة، بالتزامن مع تصعيد إعلامي غير مسبوق بين الطرفين، والحديث عن دخول أسلحة لقوات الرئيس عباس، وفشل الوساطات والاتفاقات المتكررة في ضبط الأوضاع.

ولفت الكتاب النظر إلى أن اشتداد الاقتتال الداخلي في تلك المرحلة دفع المملكة العربية السعودية إلى الدخول على خط الوساطة، وجمع الطرفين لعقد لقاء في مكة المكرمة، نتج عنه اتفاق مكة الذي أكد على حرمة الدم الفلسطيني، ونصّ على تشكيل حكومة وحدة وطنية، والبدء في إجراءات تفعيل وتطوير وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية.

"
الأحداث التي شهدتها الأراضي الفلسطينية أظهرت مدى حساسية الملف الأمني الفلسطيني وخطورته لما له من أبعاد تتعدى التأثير على الوضع الفلسطيني الداخلي إلى التأثير على العمل الوطني الفلسطيني والقضية الفلسطينية بكاملها
"
حكومة الوحدة الوطنية
تناول الكتاب مرحلة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وأشار إلى أنها لم تخلُ من بعض الحوادث الأمنية، ووثق عددا منها، منبها إلى أنه لم يكن أمام حركتي فتح وحماس في ذلك الوقت إلا الدخول في حرب أهلية أو التوصل لصيغة سياسية توافقية، لكن الحركتين آثرتا الحل السياسي، واتفقتا على حكومة وحدة وطنية نالت ثقة المجلس التشريعي في 17/3/2007.

واستعرض سير الأحداث الذي دفعت وزير الداخلية في حكومة الوحدة هاني القواسمي لتقديم استقالته، بسبب الحواجز التي حالت دون تطبيق الخطة الأمنية المتفق عليها آنذاك، وعدم منح الوزير صلاحياته التي كان من المفترض أن يتسلمها، وتدهور الأوضاع الأمنية بشكل غير مسبوق.

ووثق الكتاب أبرز أعمال التوتير الميدانية والاشتباكات التي شهدتها تلك الفترة، وخصوصا تزايد حالات الخطف والقتل على الحواجز والإعدامات الميدانية، إلى جانب محاولات التهدئة التي فشلت في وقف تدهور الأوضاع نحو الانفلات التام.

الحسم الأمني وتشكيل حكومة الطوارئ
استعرض الكتاب في هذه المرحلة قرار حركة حماس بحسم الأمور عسكريا في قطاع غزة، وأحداث الحسم الأمني خلال ثلاثة أيام من الاقتتال المتواصل، كانت حصيلتها سقوط 116 قتيلا و550 جريحا.

وتطرق للتجاوزات والاعتداءات التي رافقت تلك الأحداث وأعقبتها، كما استعرض القرارات التي اتخذها الرئيس محمود عباس ردا على ما سماه "الانقلاب" في غزة، وتشكيله حكومة الطوارئ برئاسة سلام فياض.

ثم رصد التجاوزات والانتهاكات التي شهدتها الفترة التالية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، سواء تلك التي شملت الأشخاص أو المؤسسات أو التجمعات العامة، مع استعراض لمواقف الطرفين، فتح وحماس، من الحوار خلالها، وأبرز المواقف الفلسطينية والإسرائيلية والعربية والغربية المتعلّقة بالأزمة الداخلية الفلسطينية.

إعادة بناء الأجهزة الأمنية
خلص الكتاب إلى أن الأحداث التي شهدتها الأراضي الفلسطينية خلال تلك الفترة أظهرت مدى حساسية الملف الأمني الفلسطيني وخطورته لما له من أبعاد تتعدى التأثير على الوضع الفلسطيني الداخلي، إلى التأثير على العمل الوطني الفلسطيني والقضية الفلسطينية بكاملها.

وهذا يؤكد ضرورة التعامل مع هذا الملف من منطلق وطني، مما يعني أنه لا يجوز لأي طرف فلسطيني الاستقواء بالإسرائيلي أو بالأجنبي ضد طرف فلسطيني آخر.

كما يطرح الكتاب ضرورة تحويل الأجهزة الأمنية التي تتولى هذا الملف إلى أجهزة وطنية تعمل للمصلحة الوطنية، وأن تتم إعادة بنائها لتكون لكل الشعب الفلسطيني، لا لفصيل فلسطيني معين، كما طرح ضرورة محاربة محاولات الاختراق والفساد والعمالة داخل هذه الأجهزة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة