إسرائيل والاسـتيطان   
الخميس 18/11/1435 هـ - الموافق 11/9/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:12 (مكة المكرمة)، 14:12 (غرينتش)


عرض/محمود الفطافطة

تناقش دراسة "إسرائيل والاستيطان: الثابت والمتحول في مواقف الحكومات والأحزاب والرأي العام (1967-2013)" مواقف الحكومات والأحزاب السياسية والرأي العام في إسرائيل من المشروع الاستيطاني خاصة بعد أوسلو، وترصد ذلك من خلال متابعة السياسات والمواقف منذ الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، ومحاور الجدل ومفرداته، وما مرَّ عليه من محطات.

وتحلل الدراسة العوامل التي تأثرت بها عملية التوسع الاستيطاني، كالعوامل الأيديولوجية والعملية والسياسية والديمغرافية، تلك العوامل التي رسمت مسار سيرورة الاستيطان، وحددت طبيعة زخمه التوسعي، وملامح مراحله المختلفة.

وتؤكد أن حكومات إسرائيل تتبنى منهجية المناورة في تعاملها مع الاستيطان، ففي الوقت الذي يُصرح فيه قادة إسرائيل بأنهم يؤيدون إقامة دولتين، فإنهم يستمرون في تطوير المشروع الاستيطاني وتعزيزه، مما يحول دون تحقيق مشروع إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

- العنوان: إسرائيل والاسـتيطان: الثابت والمتحول في مواقف الحكومات والأحزاب والرأي العام (1967ـ 2013)
- المؤلف: جوني منصور
- عدد الصفحات: 105
- الناشر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"ـ رام الله
- الطبعة: الأولى، 2014

وتبين الدراسة أن المشروع الاستيطاني المتواصل في الضفة الغربية هو حلقة من مسلسل طويل ابتدأ منذ نهاية القرن التاسع عشر، يحاول منفذوه الوصول إلى اقتسام الضفة الغربية مع الفلسطينيين لتصبح مساحة إسرائيل أكثر من 85% من مجمل مساحة فلسطين التاريخية، في حين أنه يُترك للفلسطينيين مجال إدارة شؤونهم اليومية في إطار حُكم ذاتي مقيد.

يتكون الكتاب من تسعة عناوين، إضافة إلى المقدمة والخاتمة. ففي مقدمته يشير مؤلفه جوني منصور إلى أن دراسته اعتمدت على مجموعة متنوعة من المراجع والمصادر والوثائق والمواد الأرشيفية وجلسات الكنيست والحكومة الإسرائيلية ومحاضرها والاتفاقيات الخاصة بالقضية الفلسطينية.

يتطرق الكاتب في العنوان الأول الموسوم بـ"مفهوم الاستيطان"، إلى ثلاثة مفاهيم ذات صلة بمحتوى الدراسة، هي: "احتلال"، "استعمار"، و"استيطان استعماري".

بخصوص المفهوم الأول يورد منصور تعريفا له هو "سيطرة مؤقتة لدولة على دولة أخرى، أو على جزء من أراضيها رغما عنها". أما الاستعمار فهو عبارة عن "ظاهرة تهدف إلى سيطرة دولة قوية على دولة ضعيفة أو أجزاء منها وبسط نفوذها من أجل استغلال خيراتها وتحطيم كرامة شعوب تلك البلاد وتدمير تراثها الحضاري والثقافي، وفرض ثقافة الاستعمار عليها".

وبشأن الاستعمار الاستيطاني، فهو "عملية اجتماعية اقتصادية، تهاجر فيها جماعة بشرية إلى أراض أخرى، لإقامة مجتمعات بشرية مستحدثة، وعادة ما يشكل محو السكان الأصليين واستبدالهم أساس هذه العملية".

ووفق المؤلف، فإن هذه المفاهيم الثلاثة مرتبطة تماما بحالة الاحتلال الإسرائيلي، خاصة مفهوم الاستيطان الاستعماري الذي "يمثل حركة استعمارية صهيونية احتلالية هدفها إحلال مجموعة إثنية يهودية مكان السكان الأصليين في المنطقة المحتلة".

ويوضح أن ظاهرة الاستعمار الاستيطاني تتميز عموما بإدماجها البعد الديني التوراتي العقائدي من أجل شرعنة مشروعها، علما أنه "يتم تنفيذ هذا الاستيطان من خلال مشروع شامل وُضعت أسسه في مؤتمر بازل بسويسرا عام 1897.

وتبين الدراسة أن مفهوم الاستيطان الإسرائيلي يستند إلى منطلقات فكرية صهيونية صرفة مؤسسة على رؤيتين أساسيتين، أولاهما: السيطرة على الأرض عبر استخدام القوة بكل مركباتها، وبالتالي طرد السكان الأصليين.

هذه الغاية تم تحقيقها من خلال العصابات الصهيونية التي كانت أبرزها "الهاغاناه" ونفذتها بواسطة مجموعة من الخطط العسكرية، وفي مقدمتها خطة "داليت" الموصوفة دوليا بأنها خطة "تطهير عرقي".

ظاهرة الاستعمار الاستيطاني تتميز عموما بإدماجها البعد الديني التوراتي العقائدي من أجل شرعنة مشروعها، علما أنه يتم تنفيذ هذا الاستيطان من خلال مشروع شامل وُضعت أسسه في مؤتمر بازل بسويسرا عام 1897

أما الرؤية الثانية فتجسدت عبر الاستيلاء على الأرض بذرائع دينية وتاريخية لتطبيق المشروع الصهيوني الهادف إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني.

ويذكر الكاتب أنه في القاموس السياسي الإسرائيلي، وأيضا في الخطاب اليومي، فإن "المستوطنات" في الضفة تسمى هكذا، وسكانها يُسمون "مستوطنين"، في حين المستوطنات في إسرائيل تسمى بحسب نوعها، أي مثل "كيبوتس"، "موشاب"، بلدة"، "بلدة تطوير"، "مدينة"، ولا يُطلق على ساكنيها تسمية "مستوطنين"، بل مواطنين. وهذا الأمر في حد ذاته له دلالات سياسية معينة.

في عنوانه الثاني يستعرض الكاتب واقع الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية بعد 1967. في هذا الشأن يقول منصور: "كان احتلال الضفة، في العام 1967، علامة تأكيد لرفض إسرائيل وجود أي دولة عربية بينها وبين النهر. ولهذا جاء المشروع الاستيطاني الإسرائيلي بحلته الجديدة ليسيطر على مساحات شاسعة من أراضي الضفة منذ الاحتلال وحتى اليوم، وتمهيد هذه الأراضي لإقامة المستوطنات عليها".

ولتحقيق هذا المشروع الاستيطاني اتبعت الحكومات الإسرائيلية عدة أساليب يُجملها الكاتب في: تطويق المدن الفلسطينية بتجمعات استيطانية تشكل سورا من المستوطنات يحيط بها، وتقطيع الضفة الغربية عرضيا بطرق تمتد من داخل إسرائيل حتى المستوطنات، إلى جانب سلسلة مستعمرات على طول الأغوار الغربية لنهر الأردن، فضلا عن "مستعمرات التلال" الممتدة من تلال بيت لحم وهضابها شرقا وحتى بيسان شمالا، ومن القدس وحتى جنين شمالا.

هذه التكتلات الاستيطانية هدفها "عزل شبه كلي للمدن الفلسطينية عن بعضها البعض، وأيضا عزل الريف عنها، وتحويل سكانها إلى كتل بشرية متفككة وغير مترابطة فيما بينها للحيلولة دون وحدتها في عمل سياسي أو عسكري مستقبلي، إضافة إلى سهولة التحكم بهذه التجمعات، وإمكانية ترحيلها دون مقاومة".

يعالج الكاتب في العنوان الثالث "مواقف الأحزاب الإسرائيلية من الاستيطان"، حيث يرى وجود ثلاثة توجهات تقاطعت حول توافق تلك الأحزاب على الاستيطان، خصوصا حزبي العمل والليكود اللذين هيمنا على الحياة السياسية لمدة طويلة.

هذه التوجهات يتمثل أولها في: الاستيطان كمشروع وظيفي من خلال أن مستقبل الأراضي المحتلة يتحدد في إطار حلٍّ يقوم على "تسوية إقليمية" جغرافية تستند إلى اقتسام هذه الأراضي، وإبقاء إسرائيل على وجودها العسكري والبشري في مناطق الاستيطان الإستراتيجية.

والتوجه الثاني يتمحور حول التقاسم الوظيفي مع الفلسطينيين دون التفريط بالأرض مع بقاء إسرائيل الدائم في الأراضي المحتلة. أما التوجه الأخير فيُعبر عنه أيديولوجيا من خلال فكرة "أرض إسرائيل الكبرى"، كإستراتيجية سياسية تقوم على ضم جميع المناطق المحتلة لإسرائيل والاستيطان فيها.

ويوضح المؤلف أن الأحزاب الإسرائيلية متفقة بشكل أو بآخر فيما يخص المستوطنات. أما الاختلافات فيما بينها فما هي إلا شكلية، منوها بأن معظم المستوطنات الكبيرة والتي تضخمت مع الوقت أقيمت خلال حكومات حزب العمل، كما أن المستوطنين في مشروعهم انطلقوا بدعم من وزراء العمل، دون أي قرار حكومي رسمي، ثم جاء دور الحكومة في منحهم الغطاء القانوني والسياسي والمالي.

وفي عنوانه الرابع، ينتقل الكتاب إلى مواقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من الاستيطان، فيذكر أن هذه الحكومات تنافست فيما بينها على تقديم المساعدات والتسهيلات والإعفاءات الضريبية للمستوطنين، كما اتخذ قرار حكومي مبكر -ومنذ السنة الأولى لاحتلال الضفة والقطاع- باعتبار المستوطنات مناطق من نوع "أ" لتشجيع المستوطنين على الانتقال بأعداد كبيرة للسكن والعيش فيها.

ويشير إلى أن المشترك بين سياسات هذه الحكومات أن الاستيطان هو مسألة وجودية أكثر مما هو مسألة أمنية، بمعنى "أن وجود إسرائيل ينبغي له أن يتعزز ويتجذر بالتمدد والتحصن التوسعي من خلال الاستيطان".

في العنوان الخامس يتحدث الكتاب عن "مواقف الحكومات الإسرائيلية ذات الطابع الاستيطاني الأكثر بروزا". ويركز الكاتب، هنا، على فترة حكم حزبي العمل والليكود خاصة في ظل الليكودي "مناحيم بيغين" ثم خليفته إسحق شامير، واللذين لعبا دورا مركزيا في هذا النشاط.

كما ينتقل الكاتب للحديث عن الشخصية البارزة جدا في المشهد الاستيطاني خلال حكومة بيغين وبعدها، وهو "أرييل شارون" الذي كان حينها وزيرا للزراعة ومكلفا بملف لجنة الوزراء لشؤون الاستيطان. وبصفته هذه سيطر على الموارد الأرضية والمياه، فأصبحت وزارته رافعة قوية لسياسة الاستيطان، وعمل على إجهاض أي إمكانية لخلق وبناء كيان فلسطيني مستقل سياسيا وثقافيا واقتصاديا.

خلال فترة حكومة نتنياهو الحالية تم بناء عشر مستوطنات جديدة في الضفة، وتحويل أربع بؤر استيطانية إلى مستوطنات عادية، وبناء سبعة آلاف وحدة جديدة في المستوطنات، والمصادقة على بناء ثمانية آلاف وحدة مستقبلية

وفي أعقاب تولي نتنياهو رئاسة الحكومة في 1996، كشف النقاب عن أن السيطرة على أراضي الفلسطينيين مسألة باتت ضمن المخططات الهيكلية للاستيطان. ولما تولى شارون الحكومة في 2001 تعمقت العلاقة بين الجيش والاستيطان، حيث تمَّ تشكيل وحدات عسكرية تضم كل واحدة منها 15 مقاتلا من بين أبناء المستوطنات الذين تلقوا تدريبات عسكرية للاعتداء على الفلسطينيين وسلب أراضيهم. وفي فترة شارون هذه شرع ببناء جدار الفصل الذي جاء ترسيمه يتناسب كثيرا مع خطة شارون القديمة من السبعينيات.

وفي الحكومة الائتلافية بين العمل والليكود في عام 2005، وبرئاسة شارون، نشطت الحركة الاستيطانية عبر تشجيع إقامة البؤر الاستيطانية التي سرعان ما يتم تحويلها إلى مستوطنات دائمة. وبرى الكاتب أن انسحاب شارون من القطاع أدى لتراجع العقيدة التوسعية الصهيونية، وإن كان ذلك على حساب الضفة عبر التوسع الاستيطاني فيها.

وبتولي إيهود أولمرت رئاسة الحكومة في نهاية 2005، عملت إسرائيل على زيادة أعداد المستوطنين من خلال بناء آلاف الوحدات السكنية في القدس وفي مواقع أخرى. وعلى الرغم من الاستبشار خيرا من مؤتمر أنابوليس في 2007 وتعاطيه مع مسألة الاستيطان والدولة الفلسطينية، فإن شيئا لم يخرج إلى النور سوى تكثيف الاستيطان.

وبخصوص فترة حكومة نتنياهو الثانية الممتدة من 2009 ولغاية الآن، فقد تم بناء عشر مستوطنات جديدة في الضفة، وتحويل أربع بؤر استيطانية إلى مستوطنات عادية، وبناء سبعة آلاف وحدة جديدة في المستوطنات، والمصادقة على بناء ثمانية آلاف وحدة مستقبلية.

وخصص المؤلف العنوانين السادس والسابع لمناقشة بلورة الرأي العام الإسرائيلي والمشروع الاستيطاني. وفي العنوان الثامن يتساءل الكاتب: هل من دور لاتفاقيات أوسلو بشأن الاستيطان؟ ويجيب بأن الإحصاءات تُظهر أن وتيرة البناء ارتفعت بصورة كبيرة بعد هذه الاتفاقيات. ويشير إلى أن اتفاقيات أوسلو شكلت -ولا تزال- قاعدة لشرعنة الاستيطان بطرق مختلفة تبتدعها إسرائيل للحيلولة دون قيام دولة فلسطينية طبيعية.

وفي العنوان الأخير، ناقش الكتاب مدى مساهمة اتفاقيات السلام بين إسرائيل ومصر والأردن في تغيير واقع المشروع الاستيطاني، حيث أكد "أن موضوع الاستيطان لم يرد ذكره بصريح العبارة في الاتفاقيتين، وأن إسرائيل تعاملت مع الاتفاقات وكأنها بينها وبين هاتين الدولتين، دونما علاقة لما يجري في الضفة وغزة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة