في المسألة العربية   
الجمعة 1428/11/14 هـ - الموافق 23/11/2007 م (آخر تحديث) الساعة 23:45 (مكة المكرمة)، 20:45 (غرينتش)

عرض/حسين عبد العزيز
في كتابه الجديد "المسألة العربية" يعالج الدكتور عزمي بشارة الاستثنائية العربية بشأن الديمقراطية تحت عنوان أوسع هو المسألة العربية.

والمقصود بالمسألة العربية أن هناك إشكاليات عربية لا تزال مفتوحة وعصية على الحل، كالمسألة القومية العربية وتشعباتها، وإشكالية الدولة والسياسة والثقافة، وقضية حق تقرير المصير وما يتفرع عنها من مسائل ملحة مثل شرعية الدولة وانتشار سياسات الهوية المفرطة، وهي عوائق أمام التحول الديمقراطي العربي.

- الكتاب: في المسألة العربية مقدمة لبيان ديمقراطي عربي
- المؤلف: عزمي بشارة
- الصفحات: 271
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت
- الطبعة: الأولى/ آب/أغسطس 2007

ويرى بشارة أن دراسة عوائق الديمقراطية العربية هذه يجب أن تندرج ضمن إطار فهم المسألة العربية، فهي الخصوصية العربية القاتمة، أما دراسة هذه العوامل بشكل منفصل عن بعضها فلا فائدة تفسيرية ترجى منها، لأن العشيرة وحدها والاقتصاد الريعي وحده والثقافة بحد ذاتها لا تشكل خصوصية عربية ولا تمنع بحد ذاتها تحولا ديمقراطيا.

يميز بشارة بداية بين نشوء الديمقراطية وإعادة إنتاج ذاتها، أي بين عملية إنتاجها التاريخية كتوليد لظاهرة اجتماعية ما زالت معتمدة في وجودها على عوامل نشوئها التاريخية السابقة لها، وبين عملية إعادة إنتاج الظاهرة الاجتماعية كظاهرة نشأت وباتت مستقلة ذات حدود.

وضمن هذا التمييز يستطيع النظام الديمقراطي إعادة إنتاج ذاته من دون ديمقراطيين، لأن الديمقراطية في مرحلة إعادة الإنتاج تصمد وتتطور بغض النظر عن الشخوص التي تدير دفة الحكم، فقواعد وأسس الحكم قد أرسيت ونشأ لها حراس في القضاء والصحافة والأكاديميات، ولكن لا يمكن تأسيس نظام ديمقراطي في مرحلتنا التاريخية المعاصرة من دون ديمقراطيين كما هلل بعض مؤيدي الديمقراطية على الطريقة العسكرية في العراق التي تدك نظاما ديكتاتوريا وتحل محله نظاما ديمقراطيا بشكل دراماتيكي.

إن عملية الانتقال الديمقراطي في المجتمعات العربية عملية مضاعفة، إذ يجب أن تتم دفعة واحدة على عكس التجربة الغربية باعتبارها تطورا طبيعيا لشكل السلطة ينسجم مع اقتصاد السوق، فالتعقيدات في البلدان العربية تتطلب حجما مضاعفا لدور الديمقراطيين الذاتي لأجل التعويض عن فقدان الظروف الموضوعية والمقومات البنيوية الاقتصادية.

فما يجري في الواقع العربي هو تحديث دون حداثة، وهذا التحديث يقوم على كسر البنى العضوية وإقامة الدولة ونشر التعليم وأنماط الاستهلاك، وبواسطة تفتيت المجتمع ونزع آليات الحماية عنه وقيام دولة في الوقت ذاته لا تعرف التمييز الثقافي والقانوني الصارم بين الحيز العام والحيز الخاص.

كل ذلك يتم مع إنتاج واستيراد أدوات حديثة من دون قيمها، ومن دون أدوات إنتاجها، واستيراد أدوات السيطرة السياسية من دون أدوات الحماية منها.

ولهذا السبب هناك حاجة ملحة إلى ديمقراطيين وحركة ديمقراطية لا إلى مشروع ديمقراطي فقط.

الديمقراطية والدولة الريعية
الدولة الريعية هي الدولة التي تعتاش على عائدات الخارج، إما من بيع مادة خام أو خدمات إستراتيجية، وهي دولة تعيق تطور مجتمع مدني قادر على إعادة إنتاج نفسه، كمجتمع من الأفراد الأحرار القادرين على التعاقد خارج إطار الدول، وعلى إعادة إنتاج ذاته خارج الدولة، وفي علاقة استقلال نسبي معها ويمولها من الضرائب، فاقتصاد مقسم بين الريع والقبيلة والريف لا ينتج مجتمعا مدنيا يصدر عنه اقتصاد الدولة ويدخل معها في علاقة جدلية.

الدولة الريعية تنتج دولة كبيرة متضخمة النفقات واقتصادا مجتمعيا صغيرا، ودولة كهذه توزع الامتيازات والمشاريع على النخبة الموالية لها، وعلى الطبقات الوسطى والمثقفين، الأمر الذي يفسد قيام وتبلور فئة مثقفين وقطاع ثقافي نقدي مستقل.

يحيد الاقتصاد الريعي البرجوازية سياسيا واقتصاديا، وتنتج عن هذا التحييد برجوازية طفيلية غير مبدعة، باحثة باستمرار عن علاقة مع مراكز القوى داخل الدولة تحميها وتمنحها الامتيازات.

"
يجب التمييز بين التشديد الديمقراطي على الثقافة من أجل تعزيز الديمقراطية والتعبئة والتحريض وخلق القيم الديمقراطية وبين التشديد عليها ساكنة لفرض تبرير إعاقة الديمقراطية
"
الثقافة العائق
يتفق الباحثون على أن الثقافة السياسية تساهم في تعزيز أو إضعاف منظومة معينة من المؤسسات السياسية، وقد عادت نظرية الثقافة السياسية لتحتل مكانة هامة بعيد انتشار مفهوم المجتمع المدني في العقدين الماضيين.

لكن بحسب المؤلف يجب التمييز بين التشديد الديمقراطي على الثقافة من أجل تعزيز الديمقراطية والتعبئة والتحريض وخلق القيم الديمقراطية، وبين التشديد عليها ساكنة لفرض تبرير إعاقة الديمقراطية.

وينبه بشارة بعض دارسي الديمقراطية إلى عدم افتراض الثقافة ثابتة ومرتبطة بجماعات بشرية يحملونها على نمط العقلية كما هو الحال مع هنتنغتون وبرنارد لويس، وإنما يجب الأخذ بالثقافة عند فئات اجتماعية في سياقات تاريخية محددة كعنصر في تفسير التحول الديمقراطي.

غالبا ما يبدأ نقد الثقافة السياسية العربية بنقد ثقافة وعلاقات القرابة كنقيض للعلاقات الحرة التي تقوم على أساس الديمقراطية، وتناول هذه العلاقات بصفتها عائقا تاريخيا يمنع التطور الديمقراطي في مرحلة تاريخية تتوافر فيها الإرادة السياسية وعوامل أخرى هو موقف أيديولوجي لا علمي، إذ يمكن تخيل تحول ديمقراطي في مجتمعات ودول كهذه قبل تغيير الثقافة، فوجودها ليس سبب غياب الديمقراطية.

ويمكن اعتبار نقد الثقافة القبلية والعشائرية مشروعا عندما تقوم نخب سياسية باستثمار هذه العلاقات لتحقيق تبعية سياسية شخصية بدلا من الأحزاب.

في العالم العربي تزداد أهمية الثقافة الديمقراطية عن مثيلاتها في أوروبا، لأنه لا يمكن أن تنخرط الديمقراطية في عملية نشوء وارتقاء عابرة المراحل نفسها التي تدرجت عبرها أوروبا في قرون، فنشوء الديمقراطية لا يتم عبر العودة إلى الصفر، والتحول إليها دفعة واحدة يزيد من أهمية الثقافة الديمقراطية.

القبيلة والدولة والهوية
لا يمكن فهم القبيلة على أنها نواة تاريخية متغيرة يجري حولها التطور الاجتماعي والتاريخي كأنه غلاف يحتويها دون أن تتبدل.

لقد تبدلت القبيلة وتحولت إلى عشيرة غير متنقلة في المكان، غير أن ما يميزها دائما هو أنها جماعة لا ينفصل فيها السياسي عن الاجتماعي أو الاقتصادي، ولم ينفصل فيها الفرد عن الجماعة.

فالعلاقات القبلية لا تؤسِس بحسب بشارة حدود الأمة والمواطنة، أي أنها لا تستطيع خلق حلبة أخرى بدل الحلبة التي يمكن أن يتطور فيها نظام ديمقراطي.

ويشير استمرار القبيلة كقوة اجتماعية ثقافية إلى أمرين، ضعف الدولة المركزية القادرة على بناء الأمة، وعدم تفرد الأفراد على شكل مواطنين لهم حقوقهم ويعتبرون المجتمع والدولة تعبيرا افتراضيا عن تعاقدهم.

تشكل الرابطة القبلية متنفسا لهوية محلية، وغالبا ما تتحول إلى رأس مال سياسي في الانتخابات وموضوع مساومة لسياسة هوية تقدم إنجازات أو خدمات للعضو فيها، رغم ما تحتويه من عنصر اعتدال ضد الأيديولوجيات المطلقة التي تطلب ولاء مباشرا للفرد.

"
العداء الذي واجهته الهوية القومية دفعها لاتخاذ مسار مقارب من الأصولية الدينية المعاصرة من حيث صناعة الهوية والأيديولوجية كفكر ثوري لخدمة غايات سياسية
"
وإضافة إلى إشكالية القبيلة يلقي بشارة الضوء على إشكالية أخرى لا تقل أهمية عن الأولى، وهي إشكالية الهوية والعلاقة بين القومية والدين، أو بين الفكرة القومية والإسلام بصفته جزءا من المسألة العربية.

وفي رأي بشارة تتضح الفكرة بالتمييز بينهما، مع اعتبارهما ثقافيا وتاريخيا وحدة عناصر متمايزة لا تنفصل، وهذا المركب المكون من العنصرين كان حاضرا لدى الديمقراطيين الأوائل الذين لم يعرفوا مفهوم الهوية الأيديولوجي الذي استخدمته الأيديولوجيات الدينية المعاصرة بتحويلها العقيدة الدينية إلى هوية وانتماء أشبه بالقومية.

غير أن العداء الذي واجهته الهوية القومية دفعها لاتخاذ مسار مقارب من الأصولية الدينية المعاصرة من حيث صناعة الهوية والأيديولوجية كفكر ثوري لخدمة غايات سياسية.

وهنا يتساءل المؤلف هل كانت الهوية العربية قبل ذلك بريئة من النوايا السياسية؟ والجواب يأتي مباشرة بالنفي، فالهوية القومية مثلها مثل أي رابطة تستند إلى لغة وحضارة وتتقاطع فيها الجغرافية والتاريخ واللغة.

لكن خصوصيتها نبعت من أن تحول هذه العناصر المشتركة إلى قومية عربية لم يكتب له الاستمرار في واقع الدولة التاريخي الملموس، فازداد وزن المركب الأيديولوجي في القومية للتعويض عن الانخفاض في مركب الممارسة العملية، وكأن الفيض الأيديولوجي بديل عن النقص في الواقع.

لقد ترددت القومية العربية طويلا بين العلمانية التي تجسر هوية العرب على اختلاف طوائفهم وبين الإسلام، وما لبثت أن تعاملت مع الإسلام كمكون من مكونات الهوية العربية، تاريخا وثقافة، لكن منظري الإسلام السياسي رفضوا اعتبار الإسلام مجرد مركب في هوية، رغم تأكيد القوميين على اعتبار الدين عقيدة وإيمانا وحضارة من عناصر الهوية العربية، ورفض الإسلاميين لذلك يعود إلى اعتبارهم الإسلام هوية.

ما الذي يميز الحالة العربية؟ لماذا تتعقد الأمور فيها؟ وهل هي حالة عربية أم حالة إسلامية؟ بحسب بشارة، الاستثنائية من زاوية التشخيص الإحصائي هي عربية، لأن هناك العديد من الدول الإسلامية الكبرى تحقق انتقالات ديمقراطية، إذ لا يوجد إشكال بين الإسلام والديمقراطية أكثر مما يوجد في المسيحية واليهودية أو أي دين آخر، الموجود إشكالية تخص عرقلةً للديمقراطية من قبل ممارسات اجتماعية سياسية محددة في التدين، وهذه مسألة ليست دينية وإنما اجتماعية.

يعود عزمي بشارة لطرح السؤال مرة أخرى، ما الذي يميز الحالة العربية؟ بالتأكيد ليست جينات العرب أو مجرد كونهم عربا، على الرغم من وجود مسألة عربية.

نعم، هناك استثنائية عربية لأن القضية العربية لم تحل كقضية قومية، ولا يمكن بناء نظام سياسي مستقر وديمقراطي بقضية قومية غير محلولة، ومسألة شرعية الدولة لا تزال مفتوحة.

وتتجلى القضية العربية أيضا في عمل استعماري ثقافي وسياسي دؤوب لنفي الهوية العربية، مما يعقد عملية انتقال الديمقراطية، فنفيها بصفتها هوية شخصية اعتبارية تمكن من افتراض جماعات سياسية، يمنع أي تمكن من إقامة جماعات سياسية حتى من دون دولة، وهذا هو المميز الأول للحالة الاستثنائية.

تعقد القومية غير المحلولة المسألة الديمقراطية، لأن الشرط الأول للديمقراطية هو الوعاء الذي يحتويها، وتصح هذه المقولة نظريا وتاريخيا، فالديمقراطية نشأت تاريخيا بموازاة مفهوم السيادة واتساع الطبقة الوسطى ونشوء ادعاء تمثيل إرادة الأمة، ومع طرح فكرة المواطن والحقوق، أي أن الديمقراطية الحديثة نشأت مع الفكرة القومية الحديثة.

وعلى الصعيد النظري نشأت المرتكزات الأولية للديمقراطية كسيادة الأمة والمواطنة وسيادة القانون وبناء المؤسسات والحيز العام والمشاركة والتسامح في إطار الـ"نحن" المتخيلة.

"
ما دام توحيد العالم العربي بالقوة غير ممكن فلا مناص من العمل الطوعي من قبل الدول العربية حتى تكون هذه الدول ديمقراطية لأن ذلك شرط في الوحدة العربية
"
المسألة العربية والديمقراطية
تشدد الأدبيات السياسية العربية على قضية تحول المدينة للريف كعائق للتحول الديمقراطي، غير أن هذه المسألة برأي بشارة لا تشكل خصوصية عربية بحد ذاتها، الخصوصية العربية تكمن في أن رد فعل أحزمة الفقر على المدينة لا تتخذ شكل حركات احتجاج فحسب، بل تتخذ شكل أيديولوجية أصولية دينية وقومية مفرطة في أيديولوجيتها التي تدين أو تقدس القومية والأمة والجماعة.

ولا يمكن تصور ظاهرة بهذا الاتساع لولا وجود قضية عربية تتحول إلى إشكالية هوية وتتفاعل طردا وعكسا مع هويات أخرى.

لقد حولت الدولة الأمة إلى هوية قطرية فلكلورية، ولو نجحت الدولة القطرية في تشكيل أمة مدنية على أساس الانخراط في مواطنة حقوقية هي الضمان ضد الاستبداد وليس العشيرة والطائفة، لوقع فصل محمود بين قومية عربية ثقافية ينتمي إليها غالبية المواطنين في الدول العربية من جهة، وأمة سياسية قائمة على المواطنة في الدولة القطرية من جهة أخرى.

ولكن هذا لم يحصل بسبب وجود المسألة العربية غير المحلولة، فبقيت الاحتمالات قائمة بين قومية عربية ثقافية وسياسية في آن واحد، وبين انتماءات سياسية عشائرية وطائفية.

وعلى الرغم من ذلك، لا تزال القومية العربية -حتى قبل بناء أمة المواطنين- بحاجة عملية لتوحيد غالبية الشعب في الدولة القطرية لكي لا تنهار إلى طوائف.

القومية واقع ومفهوم حديث عند العرب وغيرهم، والسياق العربي لإعاقة تشكلها في كيان سياسي يعبر عنها هو السياق نفسه لإعاقة تشكل أمم عربية ديمقراطية.

وبذلك يمكن تلخيص المسألة العربية برأي بشارة على النحو التالي، "إن الذي يعيق تشكل الأمة العربية هو نفسه ما يعيق تحول الأقطار العربية إلى دولة ديمقراطية".

وما دام توحيد العالم العربي بالقوة غير ممكن فلا مناص من العمل الطوعي من قبل الدول العربية، وهذا يتطلب أن تكون هذه الدول ديمقراطية كشرط للوحدة العربية.

غير أن حل المسألة العربية ولو على مستوى الدولة هو شرط للتحول الديمقراطي فيها، بعبارة أخرى إن إنجاز الديمقراطية في الدول العربية يحتاج مسبقا إلى حل المسألة العربية (الإشكالية القومية المفتوحة، إشكالية الدولة والسياسة والثقافة، وسياسات الهوية).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة