المياه العربية من النيل إلى الفرات   
الأربعاء 6/9/1435 هـ - الموافق 2/7/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:04 (مكة المكرمة)، 13:04 (غرينتش)


عرض/حسين عبد العزيز
يدرس هذا الكتاب واحدا من أبرز التحديات الإستراتيجية الكبرى التي يواجهها الوطن العربي، الذي يشكو مجاله الجغرافي نقصا حادا في كميات المياه العذبة، الجوفية منها والجارية.

وتزداد هذه التحديات عمقا في ظل انشغال النظام العربي بحالة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني من جهة، وفي ظل توسع الطموحات الاقتصادية والسياسية لدى دول المنبع أو دول الممر من جهة أخرى.

المصطلحات والمفاهيم
تعامَل القانون الدولي مع قضايا الأنهار وخاصة الأنهار العابرة للدول من الناحية القانونية للحد من الصراعات الدولية، وقد قسم القانون الدولي الأنهار إلى عدة أقسام:

-العنوان: المياه العربية من النيل إلى الفرات، التحديات والأخطار المحيطة
-المؤلف: عليان محمود عليان
-الناشر : مركز دراسات الوحدة العربية
-الطبعة: الأولى، 2014
-الصفحات: 240

ـ أنهار وطنية ذات أهمية دولية، وتنبع أهمية هذا النوع من الأنهار من مدى صلاحيته للملاحة بأكمله وخاصة إذا كان النهر ينبع عند حدود دولة مجاورة ويصب في بحر عام لا اتصال لهذه الدولة به.

ـ الأنهار الحدودية أو المتاخمة، وتستعمل بين دولتين أو أكثر، وتشكل حدودا متشاطئة دولية لها مثل نهر شط العرب بين العراق وإيران.

ـ الأنهار المتتابعة أو المتعاقبة، وفي هذه الحالة تكون الدول النهرية هنا دولة منبع ودولة مصب للنهر أو دولة المجرى الأوسط مثل نهر النيل الذي يجري في أقاليم عشر دول أفريقية.

مشكلات مائية
يرى المؤلف أنه لا يمكن فصل الأطماع السياسية عندما نناقش القضايا المائية، حيث إن دولة مثل تركيا تسعى من خلال إقامة المشاريع والسدود المائية إلى تحقيق أهداف سياسية إضافة إلى الأهداف الاقتصادية.

ويذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إن تركيا تسعى إلى تغيير خريطة الجغرافيا السياسية في المنطقة من أجل بناء مكانة إقليمية متميزة من خلال الربط المائي الإقليمي، ويستند المؤلف في ذلك إلى الشروط التي طلبتها أنقرة من دمشق لزيادة حصتها من مياه الفرات، وهي ثلاثة شروط:

ـ إقرار سوري بالتنازل عن لواء أسكندرونة.
ـ عدم السماح للعناصر الكردية بالتحرك داخل سوريا.
ـ عقد اتفاقية للمياه تشمل مياه العاصي بوصفه نهرا دوليا.

لقد أججت الأزمة المائية بين سوريا وتركيا الصراع في المنطقة، وفي عام 1990 بلغت الأزمة ذروتها عندما أقفل نهر الفرات بالكامل، وفي عام 1995 اتفقت مع مجموعة شركات أوروبية و44 مصرفا لتمويل سد بيرجيك على نهر الفرات.

وبالنسبة للعراق، لم يكن الوضع أفضل حالا، حيث رفضت بغداد عام 2011 التوقيع على اتفاقية للمياه مع تركيا.

رغم استجابة العراق للكثير من المطالب الإيرانية، فإن إيران ما زالت مستمرة في تحويل مسارات الأنهار والروافد التي تنبع من أراضيها وتصب في شط العرب والأراضي العراقية

أما فيما يتعلق بالمشكلات المائية بين العراق وإيران، فالأمر لا يختلف عن حالها بين سوريا وتركيا، حيث الأطماع الإيرانية في شط العرب واضحة، وعلى الرغم من استجابة العراق للكثير من المطالب الإيرانية، فإن إيران ما زالت مستمرة في السياسات المائية عينها من خلال تحويل مسارات الأنهار والروافد التي تنبع من أراضيها وتصب في شط العرب والأراضي العراقية.

بين مصر وإثيوبيا
ينبع نهر النيل من هضبة البحيرات الاستوائية بطول 6825 كلم، ويتشكل النهر وروافده من مصدرين: الأول، المنابع الدائمة في هضبة البحيرات الاستوائية وتتكون من عدة بحيرات أهمها فكتوريا، والثاني منابعه الموسمية في هضبة الحبشة.

ـ روافد النيل:
1 ) النيل الأبيض (970 كلم): يعتبر من أهم الروافد التي تغذي النيل، ينبع من منطقة البحيرات العظمى بأوغندا ويتجه نحو الخرطوم.

2 ) النيل الأزرق (1610 كلم): ينبع من بحيرة تانا بالهضبة الإثيوبية وله رافدان موسميان هما نهر الدندر والرهد.

3 ) نهر عطبرة: يصب في النيل بالقرب من مدينة الدامر

وشهد النيل منذ زمن بعيد أنشطة متعددة من قبل الدول التي تشارك في مجر النهر والتي يطلق عليها اسم دول حوض النيل، وبخاصة إقامة السدود وما يترتب عليها من إحداث تغيير في مسارات النهر وتغيير في معدلات التدفق، وينحصر النزاع حول مياه النهر بين دول هي مصر والسودان وإثيوبيا التي أقامت عدة سدود على النيل.

ـ السدود الإثيوبية:
بنت إثيوبيا عام 1973 أول سد على نهر النيل عرف باسم سد فينشا ثم سد تكزي الضخم بارتفاع 188 مترا انتهى العمل به عام 2010، ثم بنت سد تانا بيليس، وأعلنت عزمها بناء سد بني شنقول أو ما يعرف بسد الألفية العظيم على نهر أباي (النيل الأزرق) نحو 40 كلم من الحدود مع السودان.

وأطلقت أديس أبابا مؤخرا سد النهضة على النيل الأزرق ولكن بأبعاد معلنة أكثر ضخامة بسعة تخزين تتجاوز ستين مليار متر مكعب وبارتفاع يصل إلى 150 مترا وقدرة توليد كهربائية تزيد على خمسة آلاف ميغاوات أي أكثر من ضعفي السد العالي، واللافت -كما يقول المؤلف- أن تصميمات هذا السد تمت بسرية تامة وفي غفلة عن دول حوض النيل.

وينبه -مؤلف الكتاب- إلى المخاطر الكبيرة لهذه السدود على مصر حيث يؤكد أن السعة التخزينية للسدود الإثيوبية ستخصم من مخزون المياه أمام السد العالي، وبالتالي ستعود ظاهرة الجفاف والعجز المائي في سنوات الفيضان المنخفضة إلى الظهور، أما المياه التي سوف تستخدم للري فستكون خصما مباشرا من حصتي مصر والسودان السنوية.

بناء السدود سيؤدي إلى فقدان مصر مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية مع انخفاض كهرباء السد العالي وخزان أسوان وقناطر إسنا ونجع حمادي وفقدان الدخل لملايين المصريين العاملين في الزراعة، إضافة إلى توقف العديد من محطات الشرب والعديد من الصناعات، وكذلك تأثر محطات الكهرباء التي تعمل بالغاز وتعتمد على التبريد من مياه النيل، وتدهور نوعية مياه الترع والمصارف مع تداخل مياه البحر في المنطقة الشمالية.

ويشكل بناء سد النهضة مخالفة صريحة للقانون الدولي بشأن تنظيم استخدام المجاري الدولية لغير أغراض الملاحة ومبدأ حسن الجوار ومبدأ الانتفاع والمشاركة المنصفين، وطبقا لهذا المبدأ يكون لكل دولة مطلة على النيل حق استخدامه استخداما منصفا مع عدم الإضرار بالآخرين.

ويعتبر هذا السد مخالفا لهذا المبدأ لإضراره بحصتي مصر والسودان، ويخالف كذلك مبدأ الالتزام بعد التسبب في ضرر جسيم للدول الأخرى، كما يخالف مبدأ الالتزام بالتعاون بين دول المجرى.

مساعي السيطرة
اعتمدت إسرائيل في أمنها المائي على سرقة المياه العربية سواء من الأراضي المحتلة (فلسطين والجولان) أو من الأراضي العربية المجاورة، ولذلك وضعت الحركة الصهيونية نصب أعينها هدف السيطرة على المياه العربية عبر عدة مشاريع:

ـ مشروع جونستون (خطة نهر الأردن): قام على تقسيم مياه نهر الأردن بين العرب وإسرائيل عبر إقامة سدود وتحويل المنابع وإنشاء القنوات تحت إشراف دولي، لكن المشروع فشل بسبب رفض العرب وإسرائيل له.

ـ مشروع العوجا-النقب: بدأ تنفيذه عام 1952 من أجل تزويد شمال النقب بالمياه حيث قامت إسرائيل ببناء عدة مستوطنات، ويتلخص المشروع بإحضار مياه نهر العوجا (اليركون) من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها.

ـ مشروع تحويل مياه نهر الأردن: يتلخص في تحويل جميع مياه نهر الأردن إلى جانب مائة مليون متر مكعب من نهر اليرموك، ويعتبر هذا المشروع معلما من معالم كسر الإرادة العربية قبل عام 1967.

بعد إقامة إسرائيل للجدار العازل بدأت تصادر مياه الآبار والينابيع الواقعة في المنطقة الغربية من الجدار لأغراض الاستهلاك البشري والزراعي والصناعي والسياحي، وهي لا تخدم سكان هذه المنطقة (الفلسطينيين)، وهذا يعني سرقة إسرائيل لنسبة هائلة من الموارد المائية الفلسطينية.

وتواصل إسرائيل إلى الآن البحث عن إقامة مشاريع مائية لاستكمال السيطرة على المياه العربية، ومن هذه المشاريع مشروع البحرين الذي يربط مياه البحر المتوسط بالبحر الميت أو مياه البحر الأحمر بمياه البحر الميت.

الاتفاقيات العربية مع إسرائيل مسؤولة عن استمرار سرقة المياه العربية، فاتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل تعترف بحق إسرائيل في مياه وادي عربة ونهر اليرموك، والاتفاقية الفلسطينية عام 1994 تسمح لها بإقامة عدة مشاريع مائية

ويؤكد المؤلف في هذا الصدد مسؤولية الاتفاقيات العربية مع إسرائيل عن استمرار سرقة المياه العربية، فاتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل تعترف بحق إسرائيل في مياه وادي عربة ونهر اليرموك، والاتفاقية الفلسطينية عام 1994 تسمح لإسرائيل بإقامة عدة مشاريع مائية.

أما في لبنان فالمطامع الإسرائيلية واضحة إذ تحاول إقامة مشاريع عدة لسرقة المياه اللبنانية، منها:
ـ مشروع لتوليد الطاقة الكهربائية من مياه الحاصباني.

ـ مشروع تحويل مياه الليطاني إلى حوض بحيرة طبرية من خلال حفر نفق بطول 6-8 كلم.

وقد استفادت إسرائيل من الاعتراف الدولي الذي يحدد الخط الأزرق عند منتصف مجرى نهر الوزاني بعدما أتاح لها القرار الدولي رقم 1701 عام 2006 الوصول إلى عدة مناطق خارج سياجها الشائك القديم باعتبار أن الخط الأزرق في عدة أماكن حدودية يتجاوز الخط الحدودي وسياجه الشائك، إذ شرع وصول إسرائيل إلى هذه المناطق بحماية اليونيفيل بعد عام 2006 ومنها المنطقة الواقعة بين نهر الوزاني والسياج الحدودي المقام في المرتفعات المشرفة على النهر، وهي منطقة كانت محرمة على إسرائيل منذ عام 2000.

بلدان الخليج
تقع بلدان مجلس التعاون الخليجي ضمن دائرة المناطق الجافة وشبه الجافة التي تعاني مشكلة التصحر بمختلف أنواعه:

ـ تزايد ملوحة التربة بسبب الاعتماد على المياه الجوفية المائلة للملوحة في ري المحاصيل الزراعية، إضافة إلى استخدام أسلوب الري التقليدي (الغمر الذي من شأنه الإسراف في استخدام مياه الري)، وهذا يتسبب في دفع كميات كبيرة من المياه للتسرب إلى الطبقات السفلية للتربة.

ـ زحف الرمال والكثبان الرملية على الأراضي الزراعية.

ـ تدهور الغطاء النباتي نتيجة الرعي الجائر وقطع الأشجار المفرط إضافة إلى مخيمات الربيع البرية التي تصاحبها حركة عشوائية للسيارات فوق أراضي المرعى.

تعاني دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء عُمان ندرة حادة في المياه بسبب نقص حجم الأمطار السنوية واعتماد المنطقة على المياه الجوفية غير المتجددة، حيث تبلغ حصة الفرد من المياه المتجددة خمسمائة متر مكعب سنويا، وليس أدل على الوضع الحرج للأمن المائي مما ورد في تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2011 الذي وصف الوضع المائي بالمعقد والخطير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة