ظاهرة التطرف والعنف   
الثلاثاء 1428/10/11 هـ - الموافق 23/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 10:36 (مكة المكرمة)، 7:36 (غرينتش)

عرض/عبد الحكيم أحمين
يقال عن النظرية النسبية لآينشتين: إن الشيء الوحيد الذي يجعلها صعبة الفهم هو سهولتها! عندما ننظر إلى ظاهرة التطرف أو العنف أو ما يسمى الإرهاب تبدو سهلة ممتنعة، تبدو سهلة من حيث دلالتها اللغوية، صعبة عند التفكير في الدوافع المؤدية إليها، وممتنعة عندما نريد التوقي منها وإبصار سبل العلاج والحلول.

ورغم كثرة الكتابات والقراءات والتحليلات حول هذه الظاهرة فإنها تنوعت بتنوع الكتاب وأوطانهم وخلفياتهم وأيدولوجياتهم وأهدافهم، بل إن بعضها عزز خلط الأوراق ولبس المفاهيم وتزييف الحقائق وإيقاظ الفتن الطائفية والمذهبية، مما ساهم في تهيئة الأجواء لتصفية الحسابات وإثارة العداوات وتمزيق الأوطان -قبل الأمة- إلى أحزاب وشيع، كما زادت من حدة الظاهرة وصعوبة معالجتها ومواجهتها.

- الكتاب: ظاهرة التطرف والإرهاب
- المؤلف: عدد من الباحثين
- الصفحات: 620
- الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر
- الطبعة: الأولى/2007

توبة فكرية
في هذه الأجواء جاء كتاب "ظاهرة التطرف والعنف من مواجهة الآثار إلى دراسة الأسباب" وهو المشروع الثقافي السادس الذي يصدر ضمن سلسلة "المشروعات الثقافية الجماعية" التي تشرف عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر.

السلسة تسعى لأن تكون منتدى وساحة للحوار والمناقشة والمشاورة والتدريب على العمل الجماعي والاستعداد لقبول الرأي الآخر، وإزالة الحواجز النفسية والفكرية والثقافية على مستوى الذات، ومن ثم على مستوى الآخر "الذي لا يعني الاعتراف بوجوده إقراره على ما هو عليه"، إضافة إلى تمرين الذهن على القيام بعمليات المراجعة والتقويم واكتشاف الخلل وتحديد أسبابه، انطلاقا من مرجعية الكتاب والسنة وفي إطار "التمكين للتوبة الفكرية الجماعية".

وتناول الكتاب ظاهرة التطرف والعنف و"الإرهاب" من عدة زوايا بدءا من تحديد "دلالة المصطلح وفك التباس المفاهيم"، مرورا بمحاور خمسة هي: البعد السياسي للعنف والبعد الاجتماعي للعنف والبعد الثقافي للعنف والبعد الفقهي للعنف ثم البعد المستقبلي للعنف.

ولعل الظاهرة التي تعرض لها الكتاب تعتبر من أخطر القضايا اليوم وأكثرها تعقيدا وتركيبا، بل تعاظمت وكبرت حتى بلغت المستوى العالمي، فلم يعد ينجو منها أحد بقدر أو بآخر، حيث أصبح القلق والخوف النفسي قدرا إنسانيا مشتركا، وحيث لم تقتصر العولمة على الاقتصاد والتجارة بل امتد تنميطها ليشمل كل شيء.

وفي مقدمة ذلك عولمة العنف والتطرف والإرهاب التي يراد الارتفاع بمواجهتها إلى مسميات الحرب العالمية، تحت شتى المعاذير والمسوغات، مما يدعو إلى الارتياب في اختيار أرض المسلمين لتكون هي الميدان والمحل والممول ومقدم الضحايا، وكأن العنف والتطرف بات حكرا على بلاد المسلمين وأشخاص المسلمين وحتى دين المسلمين.

إذ لو كان التطرف والإرهاب "هو المستهدف حقيقة وصدقا لاقتضى ذلك إيجاد البدائل التي تشكل العلاج الحقيقي والحرص على تشجيع اتجاهات الوسطية والاعتدال والمعاني الإنسانية التي جاءت بها القيم الإسلامية رحمة للعالمين".

وهذا لا ينفي وجود مظاهر وظواهر للتطرف والعنف في حياتنا الثقافية والدينية التي تمكن المتربص بحياتنا الثقافية والدينية من أن يمسك بفتيلها ويصنع الذرائع، ويمارس الإرهاب الفكري الذي يحول دون دراستها والتعرف على مدى إصاباتنا منها وما تحمل من السلبيات لديننا وحضارتنا ومجتمعاتنا.

"
هناك جهات مستفيدة ولها مصلحة في إشاعة الإرهاب والتخويف حتى تسوغ ممارساتها العنيفة وتدخلاتها في شؤون الآخرين واختراق السيادات وحقوق الأفراد
"
ويقول المشرفون على الكتاب إن دراسة الظاهرة وأسبابها نوع من التفسير والتحليل لمسببات العنف ودوافعه وليست وسيلة من وسائل التبرير والتسويغ لحصوله، فما دامت الأسباب حاضرة ومتوفرة فإن العنف متولد ولا ينقطع في المستقبل البعيد إلا بمعالجة أسبابه.

إن هناك جهات مستفيدة، ولها مصلحة في إشاعة الإرهاب والتخويف حتى تسوغ ممارساتها العنيفة وتدخلاتها في شؤون الآخرين واختراق السيادات وحقوق الأفراد.

لذلك تحرص تلك الأطراف على عدم وضع تعريف واضح للإرهاب حتى لا يتناولها ويكشف حقيقتها، في الوقت الذي تمارس فيه الإرهاب الفكري ضد كل من يحاول دراسة أسباب الإرهاب.

المسؤولية عالمية
إن ظاهرة الغلو والعنف ليست مقتصرة على المجتمعات المسلمة، بل تتعداها إلى البلدان غير المسلمة حيث تبرز ظاهرة ملموسة ومتكررة في واقعهم الاجتماعي والثقافي والسياسي وبذرة الصراع متجذرة في العقلية الغربية القديمة والحديثة (هانتنغتون)، حسب قول الدكتور ناصر بن سلمان العمر.

ومن ظواهر العنف في المجتمعات الغربية حوادث الانتحار الجماعي قبل سنوات في أميركا، والمليشيات المسلحة المعارضة لحكوماتها التي تعد بالعشرات، وحوادث العنف المسلح في المدارس والتجمعات وبين أصحاب المصالح، وتفجيرات ضخمة كتفجير أوكلاهوما، وعصابات المافيا والمخدرات وغيرها.

فلماذا يعطى الإرهاب المنسوب إلى المسلمين كل هذا التركيز السياسي والأمني والإعلامي، وتصنع منه القضية العالمية الأهم والأبرز؟

لقد استهدفت المصالح الغربية من قبل في أرض عربية وإسلامية وغربية بل حتى مصالح أوروبية ويهودية في أراضيهم، فلم يحصل ما يحصل الآن، فما هو المتغير؟

المتغير -حسب ناصر بن سلمان- هو اختيار العالم الإسلامي ليكون العدو المفترض للعالم الغربي الذي أصبح متفردا بالقيادة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي والقوى الشيوعية في العالم.

"فظاهرة الإرهاب المزروعة من الخارج في منطقتنا، تأتي في إطار الصراع الثقافي والحضاري التي يفرضها الغرب علينا فرضا".

لذلك ينبغي أن نحذر من الانزلاق وراء الفخ الذي يريدنا الغرب أن نقع فيه، بالتركيز على أن مشكلة الإرهاب مشكلة داخلية فقط وتحمل الأطراف المحلية دون غيرها المسؤولية عنها، وهذا غير صحيح، بل إن مسؤوليتهم ليست محل شك ولا ارتياب كما يقول الدكتور ناصر.

بل إن "القوى المتسلطة العالمية تدرسنا وتدرس تناقضاتنا وتعمل على إشعال الأزمات بيننا، ثم ترقبنا ونحن نرتبك في إطفائها غافلين عمن أشعلها في الحقيقة، ثم يتدخلون بعد ذلك في ثوب الناصح المنقذ".

ومن أبرز الدلائل على استغلال الجهات المستفيدة من ظاهرة الإرهاب هروبها من وضع تعريف مفصل ودقيق للإرهاب حتى تمارس ألوانا من الإرهاب الدولي الذي يخدم مصالحها والترويج لها باسم الدفاع عن حقوق الإنسان وعن الأقليات وحق الدفاع عن النفس.

"
الحركات الإسلامية الإصلاحية اجتهدت في احتواء وتوجيه النزعات الشبابية الحماسية المعترضة على الظلم، لكن عدم ثقة السلطات الحاكمة في هذه الجهود ومنعها ومحاربتها والتضييق عليها أدى إلى إيقاف هذه المحاولات أو تحجيمها
"
العلماء بين التكفير والتهجير
هذا الخلط الاصطلاحي وازدواجية المعايير طالت المجتمعات الإسلامية التي فقدت القدرة على التمييز بين الإرهاب والجهاد، "حتى أصبح الجهاد الفلسطيني إرهابا وتأييده فضلا عن دعمه ماليا تحريضا على الإرهاب، وقل مثل ذلك في العراق والشيشان، وأفغانستان وغيرها".

في ظل هذه الفتنة الفكرية ظهرت فتنة التكفير التي وقع فيها بعض المتورطين في أحداث العنف والتفجير، والتي عولجت بخطأ مماثل، بل إن بعض وسائل الإعلام وبعض أهل العلم وصفوا مرتكبيها بالكفر كذلك. ومن المهم أن نتذكر أن الظلم والتعدي لا يعالج إلا بالعدل والحزم لا بالظلم المماثل.

ومما يزيد الطين بلة أن "ينبري في أوقات الفتن أهل الأهواء والفتن ليصفوا حساباتهم مع خصومهم من أهل العلم والدعوة، فيزيدوا بذلك الأزمة فداحة. كما أن الحديث عن ذات المتورطين في أحداث العنف بتعميم دون تفصيل فيه تجاوز وعدم دقة".

لقد كان لجرأة الكثيرين على نصوص الشريعة الإسلامية في التفسير والفهم والتحليل بما يتمشى وطبيعة المرحلة، دوره في فوضى حقيقية لتفسير هذه النصوص، بل إن بعض الجهات الرسمية في كثير من الدول الإسلامية عمدت إلى إحداث نوع من التصنيف بين أهل العلم والدعوة، ومن ثم التفريق بينهم في فرص التأثير والقرار والحضور الجماهيري.

هذا التفريق، وربط بعض العلماء وأهل الدعوة بصاحب القرار السياسي، والتأثير في اجتهاداتهم حسب مصالح أهل الطبقة الحاكمة، هو من أكبر الأسباب التي أفقدت كثيرا من العلماء دورهم في معالجة ظاهرة الإرهاب، وهو السبب في ظهور شخصيات علمية جديدة ومؤثرة في الشباب المتورط في ظاهرة الإرهاب.

"يدعي البعض أن شهادة العلماء بالحق على واقع المسلمين اليوم هي التي تحرض على العنف، وهذا من الباطل، إذ العلماء كما أنهم لا يجاملون في المعاصي والمنكرات ولا يقرونها، فهم كذلك يرسمون طريقهم الشرعي قولا وعملا في كيفية إصلاح المنكرات".

إن تناول القضية المعقدة يجب أن ينطلق من شعور متواز بالمسؤولية والجدية، وأن يتحدث كل طرف عن مسؤوليته الخاصة، لا عن دور ومسؤولية الآخرين فقط، لأن الحديث عن الآخرين والحرص على تغطية الأخطاء الذاتية سينتهي بنا –كما هو الواقع الآن- إلى تراشق وتصفية حسابات بين شتى الأطراف.

وفي هذا الإطار حاولت الحركات الإسلامية الإصلاحية أن تجتهد في احتواء وتوجيه النزعات الشبابية الحماسية المعترضة على الظلم والتعدي، وعلى بطء العلماء في الإصلاح، لكن عدم ثقة السلطات الحاكمة في هذه الجهود الإصلاحية، ومنعها ومحاربتها والتضييق عليها، أدى إلى إيقاف هذه المحاولات أو تحجيمها مما زاد في حنق المتحمسين ووفر بيئة خصبة دفعت بعضهم إلى التطرف والعنف.

كما أن تجربة التحديث في الدول العربية والإسلامية كانت متسرعة ولم تأخذ في الاعتبار التمثيل المساوي بين التكنوقراط وبين أصحاب العلم الشرعي والتجربة الاجتماعية المحلية، الذين قد يسهمون في المحافظة على تماسك المجتمع عند نقلنا للتطبيقات التحديثية العصرية التي يكون لها مساس بمسائل شرعية دينية أو اجتماعية بيئية.

"
حل مشكلة التطرف والعنف لا يكون بصيغة الأطروحة ولا كتابة وصفة علاجية، لأن التعامل الفعلي معها يكون في الميدان حيث الحقائق الصلبة التي ينبغي مواجهتها بعمل سياسي ودبلوماسي دؤوب عن طريق الاتصال والحوار والتفاوض والتحكيم
"
مدارس تقليدية
وقد تبنت بعض الدول المسلمة في وقت سابق دعم المجاهدين الأفغان في حربهم للمحتل الروسي، لكن الشباب الذي أرسلوا إلى أفغانستان لم يهيئوا له مستقبلا، وتركوا هناك دون متابعة، وفتح المجال أمام أطراف مسيسة أن تسلط عليهم وتحاصرهم بعيدا عن التوجيه من الأطراف المأمونة.

وعندما عاد هؤلاء الشباب إلى بلدانهم لم يتم احتواؤهم ولا إعادة تأهيلهم، بل شكّت فيهم الأجهزة الأمنية ولاحقتهم ومارست ألوانا من التعذيب على من اعتقلتهم منهم، مما ولد لديهم ولدى أسرهم والمتضررين معهم شعورا متزايدا بالحاجة إلى المقاومة والانتقام.

ومن أكثر الموصوفين بالتطرف في المشهد الإسلامي الراهن هم أولئك الذين تخرجوا من المؤسسات التعليمية ذات الاختصاص العلمي الطبيعي البحت، ممن لقنوا العلم الشرعي أو شيئا منه تلقينا سريعا غير مختص في حلقات الدعوة العامة، فلم يقفوا من الآراء والاجتهادات إلا على الرأي الواحد والاجتهاد الواحد، ومورس عليهم بالتالي ضرب من الاستبداد الفكري فكانت النتيجة أن انخرطوا في دائرة التطرف.

بل هناك –يضيف د. عبد المجيد النجار- من الجماعات الإسلامية من تخرجت في تعليمها وتربيتها من مدارس تقليدية، موغلة في التقليدية مقتصرة في برامجها على المذهب الواحد في العقيدة والفقه، تقدمه لروادها بطريقة تلقينية خالية من الحوار، أما العلوم والمعارف الإنسانية العامة فمنهي عنها في هذه المدارس، إذ تشوش الأذهان وتفسد المعتقدات الصحيحة.

إن أمتنا معتدى عليها، وغير مسموح لها بالنهضة ولا بالوحدة، وغير مسموح لها بالانسجام مع دينها وهويتها، وغير مسموح لها بامتلاك القوة، ومطلوب منها أن تبقى سوقا للاستهلاك ومصدرا للمواد الخام وأن تتنازل عن استقلالها وحقوقها وتقبل بالتشظي والتبعية، وهو وضع لا يمكن أن يكون مقبولا من قبل طلائع التغيير في الأمة، مما يعني أن الرفض سيتواصل، ومعه المقاومة والممانعة مع أخطاء في ردود الأفعال إلى أن يصاغ العالم على أسس بعيدة عن استعباد طرف لآخر.

لقد حاولت الجهود المبذولة في هذه الدراسة تسليط الضوء على العديد من أسباب المشكلة، لكنها رغم ذلك اشتملت على دراسات أسرفت في الترف الفكري أو الثقافي وغلب على بعضها تجميع المعلومات دون الترقي إلى مستوى التمحيص، وهذا لا ينقص من هذه الدراسة وقيمتها شيئا، بل إنها جهد مقدر يستحق القراءة من قبل الساسة قبل الرعية.

كما أن حل مشكلة كهذه – يقول د. عثمان أبو زيد عثمان- لا يكون بصيغة (الأطروحة)، أو كتابة وصفة علاجية، لأن التعامل الفعلي معها يكون في الميدان، حيث الحقائق الصلبة، التي ينبغي مواجهتها بعمل سياسي ودبلوماسي دؤوب عن طريق الاتصال والحوار والتفاوض والتحكيم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة